يا علي… قاومتَ لتحرر قلمك من محابر السلطة.

   يا علي، أعرف أنك الآن بينهم، تسخر منهم بابتسامتك الجميلة وهم يتناوبون على طرح الأسئلة، يبحثون في أجوبتك عن صكّ اتهام يعوزهم، وأنت المتمرس والمتعوّد على أسئلتهم الغبية تجيبهم بكل رباطة جأش، وتُمعنُ في تعذيبهم… أتصور “الشاف” يستشيط غضباً ويُمني النفس أن يتمكن من محاصرتك في زاوية الاتهام ليصرخ ها أنتَ وَقَعتَ، لكنك في كلّ مرّة تخيب أمنيته …

   يا عليّ، لا أحد يُصدّق أن جريرة اعتقالك هي هذه “الفرية” التي تُروج لها السلطة والمصابين بأعراض “متلازمة ستكهولم” من بني جلدتك في المهنة، كلّ البسطاء يعرفون أنك معتقل من زمان، فقط كانوا ينتظرون من يقتل ولي عهد النمسا لتندلع الحرب، أعواد المشنقة والمقصلة كانت معدّة سلفاً تنتظر قلمك لتعدمه على مذبح الانتقام لأنه استقام حتى بلغ هامة المقدس…

   يا علي؛ أيها الطفل الجنوبي القادم من تخوم الصحراء، صحيح أن بساطتك أنجبت أعداء كثر، لكن أيضا جعلتك تسكن قلوب آلاف البسطاء.

   يا علي: هل تعلم أن العديد من أبناء هذا الوطن يقرؤون افتتاحياتك بنهم، وبل منهم من يحفظ بعضها عن ظهر قلب، ليست لأنها مكتوبة بفصاحة بارعة، بل لأنها تنزّ صدقاً كما ينزّ قفير النحل عسلاً، وتلك تُهمتك التي لا تُغتفر.

   يا علي؛ يا مدرسة تتلمذ على يديها جيل من الصحافيين المغاربة، لي الشرف أن أكون أحد تلامذتك المبتدئين، كلّما جالستك لتحدثني عن الصحافة والمهنية تذكرتُ بطل فيلم “حلقة الشعراء المفقودين”؛ أستاذ الأدب الذي لم يُعلّم طلبته كيفية دراسة الشعر فقط بل علّمهم أصول الحياة، علّمهم كيف يمزقون مقدمات الكتب المدرسية البليدة ليحسّوا بالشعر لا أن يقيسوا جودته بخطوط الطول والعرض، وأنت لم تعلّمنا كيف نمزق وشاح الصحافة المتمسحة بالأعتاب الشريفة فقط ،بل علمتنا كيف ندافع على أصول حياة الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وتلك تهمتك التي لا تُغتفر.

   يا علي؛ أنت تعرف أنك الصحفي الوحيد الذي تكالبت عليه كلّ هذه الشتائم لكن في كل مرّة كنتَ تبتسم وتمضي غير عابئ بالأقزام، لم يشهد لك التاريخ أنك عقّبت على سبّ أو تذمّرت منه، بل مع كل سبّ كنت تزداد إصراراً وتوهّجا وهذا ما لم يغفره لك زملاؤك ضحايا “متلازمة ستوكهلم”.

يا علي: شكراً لك لأن اعتقالك كشف أنه هناك من زملائك، للأسف، من كانوا ينتظرون هذه المناسبة على أحرّ من الجمر، منهم من جلس يضرب كفاً بكف ويقول ها قد وقعَ، ومنهم من سارع ليدبّج بيانات تغسل خنجر السلطة من آثار دم قلمك، انتقاما منك لأنك قاومت الزيف وقاتلت الرياء، وهم لا يعيشون بغيرهما، فدعهم يشربون نخب فرح اعتقالك، ما زال في الوطن شرفاء يحملون في قلوبهم غصن الوفاء النظيف، كلّ الأحرار والحرائر هبوا ليبادلوا صدقك صدقاُ جميلاً، ويصرخوا بجرأة في وجه الطغاة: لن تمروا يا قناصة الحرية…

يا علي:

“من ينسى آه ينسى

يا قامة الوعور المنتصبة

والجرد الذي يختزن الصواعق

والقلب الذي يترقق بماء الوطن” *

*مقطع من قصيدة الشاعر اللبناني عباس بيضون “يا علي”.

التعاليق (0)
أضف تعليق