وجهة نظر: من معتقلات سرية في جنح الظلام إلى مُعتقلات سرية في واضحة النهار!

“قلعة مكونة مركز سياحي، سيدتي، إنها عاصمة الورود”، هكذا رد الحسن الثاني بلغة مهذبة، خاطب بها مذيعة فرنسية جريئة في مواجهته، حين طرحت

 

خالد أبو رقية

عليه سؤالا حول مراكز الاعتقال السرية، وبتحديد أكثر سألت عن “قلعة مكونة” وعن تازممارت. و حين تحدثت عن تقارير للأمم المتحدة تؤكد وجود معتقل سري بقلعة مكونة، هتف الحسن الثاني :”يا إلهي، إنها عاصمة الورود، إنهم لا يعرفون جغرافية المغرب جيدا، هذا مستحيل”، وأتبع كلامه بابتسامة تضمنت خبثا ولؤما فضلا عن الإنكار.

 مياه كثيرة وغزيرة جرت تحت جسور “التوافقات” التي جرت في البلاد منذ ذلك الحين، لكن لا شيء تغير في برك السياسة الراكدة التي لم يجرف التيار الهادر أعماقها، حيث استمر نفس التكذيب واستمرت معه نفس الممارسات، وظل نفس المنطق الذي يرمي كل انتقاد للانتهاكات إما بالجهل أو بالتآمر أو هما معا. وحسب منطق النظام، لازال هناك على الدوام، مثلا، من يصدقون ظلما وعدوانا أي شخص يدعي أنه تم المس بحق من حقوقه أو أنه تعرض للتعذيب، ولا يأخذون بعين الاعتبار أحكام العدالة، هذا هو الدفع الذي تجابه به كل الانتقادات التي توجه للمغرب بشأن انتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان.

يواكب هذا التكذيب باستمرار، وعلى مدى العهد المنقسم إلى فصلين آلة إعلامية جبارة، انتقلت من مقولة “العام زين” إلى مقولة “المغرب أجمل بلد في العالم”.

لقد عاش المغاربة مع مطلع العقد الأخير لتسعينيات القرن الماضي على إيقاع فتح المعتقلات السرية، ورغم جهد النظام آنذاك، اطلع المغاربة على أبشع أفلام الرعب، التي أخرجها جبروت الحسن الثاني والطبقة الحاكمة، وحين حاول تطويق التأثير الخطير لفيلم الرعب ذاك، وضع عليه “جنيريك” هيئة الإنصاف والمصالحة، وخرج الضحايا إلى العلن يوجهون أصابع الاتهام إلى العدم !!

ونتساءل جزافا ما الذي تغير على مدى فصلين مريرين من العهد الجديد؟

يفخر النظام بما يسميه تجاوز حقبة الماضي وإغلاق المعتقلات السرية، وإنهاء فصول المحاكمات السياسية، وتعزيز حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، عبر إحداث مؤسسات وطنية وآليات جهوية مشهود لها بالاستقلالية، ويستمر إنكار الانتهاكات، ويستمر نفي وجود الاعتقال السياسي والمحاكمات السياسية، ولننتبه، مثلا، إلى أحكام العدالة.

يواصل أحد عشر معتقلا من معتقلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، إضرابا مفتوحا عن الطعام يتجه نحو أسبوعه الثالث، ويواصل المعتقلون السياسيون في سجون أخرى إضرابات محدودة ومطولة عن الطعام، بينما يستعد آخرون للإعلان عن الدخول في إضرابات عن الطعام مستقبلا وعلى الأرجح عن قريب، فيما ننتظر “أحكام العدالة” في حق معتقلي حركة 20 فبراير سعيد الزياني، حمزة هدي، ربيع هومازين ومعاذ الخلوفي في الوقت الذي يستعد فيه مناضلو ومناضلات حركة 20 فبراير لاستقبال ادريس المقنع في اليوم العالمي لحقوق الإنسان بعد عام كامل من الاعتقال.

وعلى مدى المحاكمات التي لم نأخذ بعين الاعتبار كلمة العدالة فيها، يطالب المعتقلون بالجرأة في محاكمتهم بناء على مواقفهم وآرائهم السياسية، بينما “كلمة العدالة” تصر على أنهم مخربون ومروجو مخدرات ومجرمون، حتى التهمة اليتيمة التي تسمى التظاهر بدون ترخيص تم حذفها من لائحة التهم.

ومثلما كانت معتقلات تازممارت، الكوربيس، قلعة مكونة.. وغيرها، معتقلات سرية أنكرتها على الدوام أعلى سلطة في البلاد حينها، أضحى اعتقال الصحافيين والطلبة والمعارضين ومناضلي حركة عشرين فبراير أشبه بفتح معتقل سري بمراسيم احتفال رسمية، حيث أن المحاكمات السياسية التي تقام لا تتناول مواقفهم ونشاطهم السياسي، السبب الرئيسي لاعتقالهم، بل بتهم تجعل محاكماتهم سرية بالضرورة، وتجعل السجون التي يرمون بداخلها سرية في وضح النهار.

إن إنكار إقامة محاكمات النشطاء على أساس سياسي، والإصرار عليها في نفس الوقت، هو بالضبط “تأهيل قانوني” و”تكييف حقوقي” وفق المرجعيات المحرجة، للسجون العلنية لتصير بالتالي معتقلات سرية أمام أنظار العالم، بينما المعتقلون السياسيون الذين تلفق لهم تهم جنائية، هم بالتأكيد نزلاء المعتقلات السرية التي تم تأهيلها وتحويل وجودها المادي إلى وجود رمزي لكن محسوس ولاسع: آخر ابتكارات العهد الجديد.

هل يفند هذا الكلام شيئا؟

بالتأكيد، إذ كان على المتسامحين جدا أن ينتبهوا إلى أن فتح المعتقلات السرية بدون كشف للجلادين ومحاسبتهم، لن يعدو تحويل البلاد كلها إلى معتقل سري، إن انعدام المحاسبة في جرائم الماضي دفع بالجلادين، القدماء والجدد على حد سواء، إلى فتح المعتقلات لتبتلع آخر نسائم الحرية الكليلة التي كانت خارجها، ولم يعدموا الوسيلة حيث أن باستطاعتهم كما السابق إحداث مؤسسات يشهد لها بالاستقلالية والنزاهة، وبينما كان الضحايا ومناضلو حقوق الإنسان ينتظرون أن تلطف النسائم الهواء الفاسد الراكد بين الجدران الباردة والقاسية، غمر الهواء الفاسد ذاته كل البلاد، وخلعت المعتقلات السرية ثوبها الخشن وألبسته للوطن.

حين حصل المغرب على مقعد في المجلس الأممي لحقوق الإنسان أحبط كثيرون وشعروا بالغيظ، في الواقع لم أشعر بشيء تقريبا، أن ينال النظام مقعدا دوليا يخضع لمعادلة دولية هو نفسه لا يتحكم بها. لذلك لم يدن، مثلا، منح مقعد مجاور للنظام العسكري الرهيب في الجزائر الذي طالما اتهمه باحتجاز المغاربة في تندوف وبانتهاكات لا حصر لها، لكنه مع ذلك يذهب إلى مجلس حقوق الإنسان مثقلا بسنوات طويلة مسلوبة من أعمار المعتقلين السياسيين، وبدماء كريم الشايب، سمير البوعزاوي، نبيل جعفر، عماد بوالقاضي، جواد بن قدور، جمال سلمي، نبيل الزوهري، كريم العماري، كمال الحساني، الحمروني، زيدون … على يديه، مثلما لم يجد الحسن الثاني من يمثله في منتصف التسعينيات في نفس المجلس، خيرا من قدور اليوسفي جلاد درب مولاي الشريف، وأحد أعتى المجرمين في حق أبناء الشعب.

يبدو أن النظام القائم في البلاد يصر على روايته، فقلعة مكونة مجرد مركز سياحي، بينما المعتقلون لم يرسلوا إلى معتقلات سرية هنا ولا هناك، إنهم فقط يذهبون “سرا” لقطف الورود، في موسم قطف يبدو طويلا وثقيلا ورهيبا أيضا.

ولذلك علينا كلما عزمنا على تبادل باقات الورود بلباقة وود، أن نبحث عن سنوات رهيبة من عمر معتقل متطلع للحرية اعتصرت في تيجانها.

التعاليق (0)
أضف تعليق