وجهة نظر: الصحفي محمد أحداد يكتب :نقاش الدارجة والفصحى ..بين غلاة “التدريج” ودعاة “التدبيج”

يقينا أن الذي أخرج المفكر المغربي عبد الله العروي من خلوته الطويلة، لن يكون إلا أمرا جللا أو قضية حضارية مرتبطة بالتواجد داخل المنظومة الدولية في إطار التدافع الثقافي أو، بالمعنى الفقهي للكلمة، مسألة فكرية كبيرة تحتاج إلى الحجاج المعرفي العميق. العروي مفكر ومؤرخ، ومنذ إصدار كتابه”من ديوان السياسة” لم يقترب من ذبذبات الحقل السياسي المغربي، بل ظل مكتفيا ببعض الترجمات الأدبية التي تندرج ضمن مشروع فكري كبير ينطلق من الحداثة في كل مستوياتها. بيد أن اختيار العروي إجراء حوار صحفي لمناقشة موضوع الدارجة واللغة العربية، ونحن نعلم مسبقا موقفه المتردد من وسائل الإعلام، ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد، بل ويدفع إلى التأمل في بعض المقدمات والمآلات التي بسطها المفكر المغربي الذي غالبا ما نصادفه في المنعرجات الحرجة للسيرورة المغربية. النزال بين عيوش والعروي هو في العمق نزال بين رجلين تختلف مشاربهما، كل منهما يمثل تصورا للغة، ويختلفان كاختلاف مجالي الإشهار والفكر. الإشهار في عمقه سريع ويخاطب المشاعر قبل أن يستحث ناصية الفكر وفوق ذلك، يجسد بشكل جلي”نظرية الرصاصة” المعروفة في حقل علوم الاتصال، أما الفكر ففي جوهره يستند على مقارعة الحجة بالحجة والبحث المعرفي، ولا غرابة إذن، أن ننعت ما يمور من نقاش بين الرجلين بالتماس الكهربائي بين التجرّؤ والجرأة، إذ ينسحب اللفظ الأول على صاحب وكالة”شمس” والثاني على صاحب “الأدلوجة”. يجب أن نفهم كذلك، أن هذا الصراع لديه خلفياته حيث إن الدارجة لصيقة بالشفهي، ولذلك فهي لا تخلو من أهمية بالنسبة للإشهاري الذي يوظفها لغايات لا تنطبع أكيدا بسمة الفكر، بقدر ما تخضع لمنطق المحاسبة أما العربية الفصحى فهي خليلة المكتوب وقد تم تهذيبها لقرون، والمخاطرة بها في ميادين وآفاق ارتادتها خارج بيئتها، ونجحت في فترة بعينها من نقل الإرث المعرفي اليوناني إلى الأقطار العربية. لذا، نلفي أن المفكر المغربي محمد المصباحي يقول دائما في حواراته وكتاباته إن اللغة التي استطاعت أن تترجم الآثار اليونانية تحمل في أحشائها مقومات التطور. إن النقاش الدائر، اليوم، حول اللغة بالمغرب يفوق ذلك الذي أثاره المنافحون عن الأمازيغية أيام كان النقاش مشتعلا حول إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والغايات المرجوة منه وقتئذ. ويبدو أن المنازلة التي باتت صريحة في هذا الشأن بين عيوش والعروي، هي نتاج لتذبذب الخيارات التربوية بالمغرب الحديث، مما أسدل ستارا من الضباب على الهوية اللغوية المغربية، وجعل البعض -دون محاسبة للنوايا- يرتاب من اللغة التي لم يأنسها بالكامل على مقاعد الدراسة، أو في المحافل الوثيرة. منذ الثمانينيات من القرن الماضي، تأسس تعاقد عرفي بموجبه يستعمل الأساتذة الدارجة في القسم بغاية تبسيط بعض المفاهيم وملاءمتها مع الإدراكات المعرفية للتلاميذ، ولم يقتصر الأمر على الدارجة بل استعملت اللغة الأمازيغية، بمختلف لهجاتها، في الأقسام غير أن العربية بقيت لغة للكتابة والتدوين.. ولا حرج. مما قد يبعث على التساؤل حول المقاصد الفعلية من إثارة نقاش محسوم فيه أصلا بمقتضى مواضعات قائمة لا يمكن لأحد أن ينكرها. اللغة الوسطى التي ينادي بها العروي هي أصلا موجودة ومتداولة بفضل وسائل الإعلام التي أنزلت اللغة من عليائها، وهي نفسها التي تتم بها النقاشات تحت قبة البرلمان، وغير قليل من المنتديات العامة. ولسنا نطلب من اللسان الدارج أن يتخلى عن ترجمته لحميمية المواطنين الجميلة والباذخة، بل نحن نؤمن فقط أننا نملك ثلاثة مستويات في التخاطب مغربيا، الدارجة عربية أو أمازيغية أو حسانية، والفصحى ذات التعبيرية الراقية، والعربية الوسطى التي يلتقي عندها الكل… بمن فيهم دعاة “التدريج” وغلاة “التدبيج”.

التعاليق (0)
أضف تعليق