هل فعلا فقدنا نيلسون منديلا ؟

هل فعلا فقدنا منديلا ؟ أبدا  في نظري سيبقى حيا إلى الأبد لقد ضمن الخلود منذ أن رفض المساومة على مبادئه و ضمن حياة أبدية منذ أن خرج من السجن بعد عشرة آلاف يوم في المعتقل وكان عمره واحداً وسبعين عاماً وقاد دولته الجديدة في طريق لم يسبق أن سارت فيه من قبل تم تنازل عن السلطة من اجل الديمقراطية و رفض الثأر من جلاديه و لم يفكر في مقايضة نضاله بالامتيازات و لم يوظف أقاربه في مناصب الدولة الوليدة

لماذا ادن هذا التباكي على مانديلا وما واكبه من بيانات نعي وإشادة بحق الرجل فلن تفلحوا  في تضليل معذبي الأرض الذين اكتووا بنار الاستعمار والعنصرية، ولن تجعلوهم ينسون أو يتناسون للحظة واحدة حقيقة أسلافكم هؤلاء الذين دعموا بكل قوة نظام الفصل العنصري البائد في جنوب إفريقيا ومدّوه بمختلف أصناف الدعم المادي والعسكري بكلمات أخرى، فإن هؤلاء المنافقين لم يكونوا لا مع الرجل وهو يعاني ظلمة السجن والسّجان ولا مع شعبه وهو يتعرض لأبشع اضطهاد عنصري عرفه التاريخ وصورهم مع الرجل ليست إلا للدعاية

لا تتوهموا كذالك أن جميع الإفريقيين في جنوب إفريقية سعوا إلى الاستقلال, ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون لها فليس كل السود قاتلوا من أجل الحرية والاستقلال, ولا كلهم سُجن ثلث قرن كما حدث لمانديلا, فليس كل الناس يسعون للحرية ولا كلهم يحبها بل نال السود حقوقهم على الرغم من كراهية عدد لا يستهان به  من السود فمنهم أعداد هائلة كانت تقاتل في صفوف المستعمِرين “البيض” وترى في مانديلا شراً يريد أن يحرمهم من الخير الذي جاء به السادة البيض, فقد جاءوا لهم بالدخان والموسيقى والثياب الحمراء المزركشة , لقد جاءوا لهم بالذل والخنوع, والراحة من التفكير والمبادرة, أراحوهم من مسؤولية القرار, ومن ثقل الاختيار, وتلك نِعَم يهنأ بها العبيد في كل مكان, والعبودية ليست لون أو جنس ولكنها حالة نفسية, و الأحرار من طراز مانديلا  يهون عليهم أن يموتوا أو يُسجنوا ثلث قرن ولا تهون عليهم كرامتهم وحريتهم . لقد كانت طائفة من السود تقدس البيض وتعبدهم وتطيعهم بلا حدود.

قال ذات مرة في المحكمة” إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها” ليعلم من في الخارج الإصرار و العزيمة و قال إن آخرين قبلي قد دفعوا ثمن معتقداتهم وآخرين أكثر سيدفعونه بعدي ليرسخ في أذهان الأجيال التي عاصرته عدالة القضية أما تفاؤل الرجل فلا حدود له فحين يرفض عرضا للخروج من السجن بشروط يختم رفضه بقوله لم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يوماً من الأيام , أعلم أنه سيجئ اليوم الذي أسير فيه رجلاً حراً تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي ؛ فإنني أصلاً إنسان متفائل  أما تواضعه  فيخجل  الجميع حين يقول عن زوجته لقد تزوجتْ رجلاً سرعان ما تركها وصار ذلك الرجل أسطورة, وعند عودة الأسطورة إلى المنـزل ظهر أنه مجرد رجل  لتعرف أكثر على مانديلا و سر خلوده أنصحكم بقراءة كتابه  مسيرة طويلة نحو الحرية (رابط الكتاب على شكل PDF  http://dc603.4shared.com/download/ciigBVC4/__online.pdf?tsid=20131207-223757-766f3df4) لاستلهام روح المناضل التي نحتاجها في بلادنا لا تدعوهم يخدعوكم بخطابات المواساة و الحداد و ترسيخ فكرة موت مانديلا في أذهانكم فهو حي بمبادئه و حضوره يكفي فقط أن اذكر بأن الولايات المتحدة لم تشطب على اسمه من قائمة الإرهاب إلا في سنة 2008

نيلسون مانديلا  كان قوة عظمى تفوقت على قوى الدول والحكومات بالإرادة والتحمل المشاق والأمل في المستقبل بصورة أثبتت جدواها برغم كل الظروف التي كانت تهدد بإطفاء شعلة الأمل والحرية في ظلام نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا

هكذا يأتي العظماء ويذهب العظماء ولكن آثارهم تبقى ولا تندثر، وهو ما نحن فيه اليوم عند الحديث عن نيلسون مانديلا. ألم أقل لكم انه حي خالد أننا لم نفقده ولكننا وجدناه. وبنفس المنطق فإننا بوفاته لم نخسره ولكننا كسبناه

التعاليق (0)
أضف تعليق