هل سيغير قانون الخدمة العسكرية الجديد نظرة المغاربة إلى التجنيد؟

دائما ظل التجنيد الإجباري ومدى إلزاميته مثار شك لدى المغاربة على مر العقود، واعتبر عقابا استثنائيا مؤجلا، وسيفا قد يحرك اتجاه الشباب عند الضرورة، ولتصفية الخصوم والمعارضين كما حصل مع قيادة الاتحاد الوطني لطلبة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الإطار المزعج لنظام الحسن الثاني، حيث تمت ملاحقتهم من اجل اداء الخدمة العسكرية.

خلال الأوقات العادية، كان يتم استبدال إجبارية التجنيد العسكري بالخدمة المدنية بخصوص الحاصلين على الإجازة، وكانت هذه الخدمة بمثابة نعمة، وغالبا ما تنتهي مهمة أداء الخدمة المدنية بالولوج لقطاع الوظيفة العمومية.

غالبا كان يتم تحريك استدعاء طلب الالتحاق لأداء الخدمة العسكرية عند التقدم لطلب جواز السفر، أو شهادة إدارية، وظلت هذه الاستدعاءات المشؤومة بمثابة لعنة مخزنية تطارد الشاب، لتبدأ عندها رحلة البحث عن مخرج لورطة إشعار الالتحاق بالتجنيد.

بمنطقة الريف، وبعض المدن والمناطق كان يستجيب الشباب لاستدعاء التجنيد، وكانت المؤسسة تتعاطى برخاوة مع هذه المناطق، ولا تركز حاجاتها عليها لأسباب مجتمعة. بينما في مناطق أخرى كان الالتحاق بالتجنيد يتم عن رغبة، بحيث يكون مدخلا للالتحاق ب”العسكر”. أو يبدأ الأمر إجباريا، وينتهي برغبة الانتماء لسلك العسكر، ليتم أخذ أغلب الملتحقين الجدد لتخوم الصحراء وتلك حكاية أخرى.

في كثير من الأوقات كان يتم استقدام شاحنة عسكرية عند مدخل السوق الأسبوعي وأخذ ما يلزم من الشباب بالجملة ومن دون أي إشعار سابق، وغالبا ما كان يتم تركيز هذه العمليات المباغتة بأسواق نواحي وزان، تاونات والأطلس.

عند بداية الألفية الثانية تم إلزام بعض الشباب الحاصل على شهادة الإجازة بالخدمة العسكرية بدل الخدمة المدنية التي كان معمولا بها سابقا وتم إلغائها مع بداية التسعينات، وبمجرد حصول هؤلاء الشباب على شهادة التجنيد توجهوا مباشرة صوب الرباط للمطالبة بالإدماج وفق شواهدهم الجامعية، فكان لهم ذالك بعد خوضهم لاعتصامات قبالة البرلمان كغيرهم من الشباب المعطلين، المطالبين بالحق في الشغل. بعدها لم يتم المناداة على أي فوج ثان يخص الشباب المتعلم والحاصل على الشواهد.

تحيين القانون المتعلق بالتجنيد الإجباري التي تمت المصادقة عليه خلال المجلس الوزاري المنعقد يوم الإثنين، هكذا، وحسب المادة 4 من القانون المذكور، فإن مدة أداء الخدمة العسكرية هي 12 شهرا بدل 18 كما كان معمولا بها سابقا، وسن الخضوع لها من 19 إلى غاية 25 سنة، وغيرها من التعديلات المضمنة والمحينة بالقانون 44.18 المتعلق بالخدمة العسكرية.

لكن هل ستغير من نظرة المغاربة وتمثلهم لاجبارية التجنيد؟ وكيف سيتم تنزيله وأجرأته؟ القانون ترك هامش ومنفذ الالتفاف عليه كغيره من كل القوانين والتشريعات الأخرى، على سبيل المثال يمكن أن تصبح هذه المادة أكثر النصوص اجتهادا وتأويلا وفق الخلفية الاجتماعية للشباب المرشح للتجنيد، وغيرها من الاعتبارات.بعد حصر مدة التجنيد بسنة بدل 18 شهرا، وتأطيره بمواد مفصلة، هل سيغير من نظرة المغاربة لخدمة التجنيد وتمثلاتهم الواقعية والخاطئة حولها؟ وهل ستعود تجربة التجنيد بشكل إيجابي على تنشئة الشباب، وإعادة التأهيل، وغرس بعض القيم النبيلة المفترضة بمؤسسة العسكر – روح التضحية، الصالح العام، الوطن والوطنية..

هي أسئلة وتوجسات بخصوص تفعيل إجبارية التجنيد العسكري، والمصادقة على القانون المتعلق بتنظيمه، قد لا يغير من واقع التجارب السابقة، حيث التجنيد ظل محصورا على الطبقات الفقيرة، في مقابل استثناء أبناء المحظوظين بالبلد. فهل ستنطلق تجربة التجنيد في حلتها الجديدية بالشروع في استدعاء أبناء المسؤولين الكبار والبرجوازيين المنتفعين من خيرات البلاد والعباد، على قدم وساق مع الفئات الشعبية الأخرى، حتى يصبح المغاربة متساوون قبالة مؤسسة يفترض استقلاليتها اتجاه كل الطبقات الاجتماعية، وجب عليها تأهيل كل الشباب للدفاع عن الوطن، والرفع من قيمة المواطنة والمساواة المنشودة.

جابر الخطيب

التعاليق (0)
أضف تعليق