هكذا تحوّلت قضية ” عمال السميسي “ إلى مأساة إنسانية بطلها الـ ” OCP “

في الشهر المنصرم، احتضن المغرب المنتدى العالمي لحقوق الانسان في مدينة مراكش، وكان من بين الداعمين والممولين لهذا المنتدى ” المكتب الشريف للفوسفاط “ أحد المصانع الكبرى في البلاد التي تنتج مادة الفوسفاط ومشتقاته،ويحيل دعم المصنع الكيماوي لمنتدى حقوق الإنسان إلى أن المصنع يتبنى فكرة دعم منظومة حقوق الإنسان بكونيتها. وحسب المدير العام لمصنع للفوسفاط حسن التراب فقد توقع بلوغ مداخيل المصنع نهاية سنة 2014 إلى 24 مليار درهم، ويستحوذ المكتب الشريف للفوسفاط الذي يصدر إلى أسواق مثل الهند والصين وأستراليا وأوروبا والولايات المتحدة على 45 بالمائة من سوق الفوسفاط الجيري العالمية، وأكثر من 30 بالمائة من صادرات الفوسفاط العالمية.

تُعتبر مدينة آسفي ، واحدة من المدن الصناعية التي تحتضن المركب الكيماوي للفوسفاط على مدى قرابة 50 سنة، مع ناتج اجمالي من الداخل الخام بلغ 27 في المائة ومع ذلك تعيش آسفي ومنطقة بنكرير جنوب مدينة آسفي وقرب مدينة مراكش، أعلى معدلات الفقر وأوسع تفاوت للدخل بحسب تقرير اعدته المندوبية السامية لتخطيط.

 

في مدينة آسفي وبضبط منذ سنوات الثمانينيات ازدادت انتاجات مصنع الفوسفاط بفعل عرق جبين عمال شركة عمومية يُطلق عليها اسم ” السميسي “، عمال الشركة المذكورة لطالما عملوا في ظروف قاسية وخطيرة تُهدد سلامتهم الصحية والجسدية وبدون أيّ وثيقة رسمية تثبت تعاقدهم مع المركب الصناعي للفوسفاط الذي رفض ادماجهم رغم كل ما قدموه لصالح أكبر مصنع صناعي في المغرب.

عمال ” السميسي “ صراع مرير منذ البداية

ما يزيد عن 900 عامل على مستوى المغرب يعملون تحت لواء الشركة العمومية ” السميسي “ التي أسسها المكتب الشريف للفوسفاط والتي يعود رأسمالها للنفس المصنع المذكور، بات يبدو أن مصير قاتم ينتظر عمال خدموا بتفاني وإخلاص، فقانون الشغل بالمغرب ينص على زمن ستة اشهر لتسوية وضعية العامل، إلا أن مصنع الفوسفاط تمرد على القانون ومرت سنوات كثيرة دون ان يكون لهؤلاء العمال أيّ ضمانة تُحدد مستقبلهم ومستقبل أولادهم، فبعضهم قضى حتفه إزاء العمل أو بسبب وعكة صحية ناتجة عن الاحتكاك بالمواد الكيماوية في المصنع، ووفقا لتقرير نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بآسفي فإن أغلب عدد الوفيات في صفوف العمال كانت بسبب مرض ” السرطان “ .

هكذا رأى العمال حياتهم تذهب منهم ببطء شديد، فقرروا تأسيس مكتب نقابي في السنة 2008، يُدافعون من خلاله عن حقوقهم الإنسانية بدرجة أولى، فطالبوا المكتب الشريف للفوسفاط بضرورة ادماجهم في المصنع بشكل رسمي مع ضغط احتجاجي على ادارة المصنع، فخاضوا اعتصامات ووقفات احتجاجية تُوجت بخضوع ادارة المكتب الشريف للفوسفاط لمطلبهم المتجلي في إدماجهم بالمصنع بشكل رسمي، وكانت سنة 2008 من فاتح شهر يوليوز تاريخ ترسيمهم الرسمي.

الاضطهاد يتجدد.. انتهاء مشكل وبداية أخر

لم يكن ترسيم العمال من طرف المكتب الشريف للفوسفاط نهاية المطاف وانتهاء المشاكل، فعند حلول البعض منهم على التقاعد وجد نفسه بأجر هزيل لا يلبي حتى الحاجيات الأساسية واليومية في الحياة، والسبب يعود إلى المكتب الشريف للفوسفاط الذي يتوفر على صندوق تقاعد داخلي لفائدة عماله والذي راكم لسنوات اقتطاعات شهرية من أجرة العمال، وتعود جذور المشكلة إلى مسألة عدم احتساب سنوات الأقدمية من طرف المكتب الشريف للفوسفاط للعمال الذين احيلوا على التقاعد حيث تراوحت سنوات الاقدمية من 20 سنة إلى ما يزيد عن 30 سنة.

فالمكتب الشريف للفوسفاط، احتسب فقط سنوات الممتدة من تاريخ ترسيم هؤلاء العمال بدأ من سنة 2008 التي هي تاريخ الترسيم ، فكانت النتيجة حلول عدد من العمال على التقاعد بأجر لم يتجاوز في كثير من الأحيان 1000 درهم .

” لقد عملت في مصنع الفوسفاط منذ سنة 1979 إلى سنة 2006، وكنتُ اتقادا من تقاعدي 300 درهم فقط، وفي 2013 وصل تقاعدي إلى مبلغ 1050 درهم، إنني اشعر بالغبن وزوجتي معاقة تُعاني مرض مزمن، فأجري لا يكفي حتى لمصاريف علاج زوجتي “ يقول أحد العمال المتقاعدين التقاه ” أنوال بريس “ .

بعد عمل دام لسنوات طويلة داخل المركب الشريف للفوسفاط ، وفي الوقت الذي يجب ان ينعم فيه هؤلاء العمال براحة تُنسيهم في سنوات القهر وبعدما أفنوا زهرة شبابهم خدمة لمصنع الفوسفاط في البلاد، وجدوا أنفسهم يقودون معركة نضال أخرى من أجل مطالبة إدارة مصنع الفوسفاط باحتساب سنوات الاقدمية التي عملوا فيها خدمة لثروة المصنع المذكور.

بداية معركة جديدة

وفي لقاء عقده العمال، الجمعة 26 من ديسمبر 2014، بمقر الفيدرالية الديمقراطية للشغل في مدينة آسفي ، تطرق المكتب النقابي لمناقشة سلسلة من نتائج الحوارات تم اجراءها مع إدارة المكتب الشريف للفوسفاط،وذكر المكتب النقابي، أن إدارة المصنع قامت بتسوية وضعية بعض عمال السميسي في منطقة ” بوكراع “ بالصحراء حيث احتسبت لهم تواريخ الاقدامية ، وعلى نفس الطاولة، أعلن مسؤول نقابي، ان نتائج الحوار افرزت موافقة إدارة المكتب الشريف للفوسفاط على ارجاع ازيد من 30 شاب إلى العمل في إطار ” أوسيبي سيكليز “ وكذا ترسيم عمال شركة ” سوتريك “ المكلفة بنقل العمال .

وبينما اعترفت إدارة المكتب الشريف للفوسفاط بخطئها في حق العمال ” السميسي “ بمنطقة الصحراء وقامت بتسوية وضعية عمال آخرون تابعون لشركات أخرى، لاتزال الوضعية كما هي عليه بالنسبة لعمال ” السميسي ” في باقي مناطق البلاد التي يتواجد فيها مصنع ” الفوسفاط ”، وتبدو مقاربة إدارة المكتب الشريف للفوسفاط في التعامل مع الملف تختلف من منطقة إلى أخرى.

وفي نفس اللقاء، الذي حضره عدد من العمال الذين يزالون في خانة العمل وآخرون تقاعدوا، ناقشوا سبل النضال من أجل الضغط على إدارة المكتب الشريف للفوسفاط من أجل تفعيل قرار يقضي باحتساب تاريخ الأقدمية لكل العمال.

” عمال السميسي “ مأساة إنسانية بطلها ” أوسيبي “

مداخلات عدد من العمال كانت بحرقة بالغة اختلط فيها التنديد بالبكاء، أنهم يشعرون بالظلم والاضطهاد تبدو على ملامحهم رغبة جامحة في كسر الاغلال التي تُحاصرهم، رجل يبدو أنه تخطى سن الخمسين يرتدي معطف مهترئ ، يتحدث متوهج الاعصاب غير مسيطر على نفسه قال بلهجة عامية ” لقد سرقوا منا حياتنا، وقد امضينا اغلبها في الدفاع عن حقوقنا وهاهم اليوم يضطهدوننا من جديد، إلى متى سنبقى صامتون ؟ قد نموت غدا ونترك اولادنا في ضياع “، بينما كان يجلس في الجهة الثاني رجل مسن يبدو أن جسمه نخره المرض، رأسه يُعاني حالة ارتعاش دائمة لا يستطيع التحدث، لكنه عامل سابق يبدو أنه هو ايضا افنا زهرة شبابه خدمة لثروة مصنع الفوسفاط ، وعند سؤالنا عن العديد من العمال، وجدنا أن اغلبهم يُعاني امراض مزمنة، بين داء السكري والسرطان وامراض القلب..الخ، قبل أن نكتشف عدة حالات الوفيات بسبب الأمراض في صفوف عدد من العمال.

هؤلاء هم عينة من عمال خدموا لسنوات طويلة من أجل انتاج ثروات أكبر مصنع في المغرب فافي الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه ادماجهم في صناديق التقاعد <صندوق الوطني الضمان الاجتماعي – الصندوق المهني للتقاعد – النظام الجماعي لمنح الرواتب التقاعد> وجدوا أنفسهم يُصارعون شبح جديد، فكان الجزاء، عقاب.

فلم تعد قضية عمال الشركة العمومية ” السميسي “ مسألة مشكل إداري، بقدر ما اصبحت مسألة إنسانية بدرجة قصوى، يطرح معها تساؤل دعم المكتب الشريف للفوسفاط للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان الذي احتضنه المغرب في الشهر المنصرم، فماذا يعني المكتب الشريف للفوسفاط بدعمه لمنتدى حقوقي يتبنى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على الالتزام بمناهضة الاستغلال والأفعال الحاطة من الكرامة الإنسانية، بينما يُمارس هو نفسه أفعال تناقض الخطوط العريضة المتعلقة بقيم حقوق الانسان ضمنها التهام عرق جبين العمال.

التعاليق (1)
أضف تعليق
  • kabir

    أنا عامل سابق للسميسي ومرسم مع المكتب الشريف للفوسفاط سنة 2008 أقول لك أنت صحفي صادق