نقاش ودي مع المدافعين عن مبادرة الاحتجاج على تعين مزوار وزيراً للمالية

مع اقتراب إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة، ومع تسرّب أنباء عن تعيين صلاح الدين مزوار وزيراً للمالية، انطلقت دعوات من نشطاء مدنيين عبر الفايس ومواقع التواصل الاجتماعي إلى بلورة شكل احتجاجي يقف ضدّ أن يكون مزوار وزيرا للمالية وهو الذي ثبت في حقه العديد من الخروقات المالية والاختلاسات التي كان يستفيد منها تحت مسمى “البريمات”، ثم العلاقة التي نسجها مع خازن المملكة نور الدين بنسودة، وما رشح من أخبار تتحدث عن وقوف “العفاريت والتماسيح” في وجه امكانية محاكمة بنسودة، بل هناك من أشار إلى أن بنكيران نفسه وقف ضدّ رغبة وزيره الأزمي في رفع دعوى قضائية ضد بنسودة.

على أي هذه تفاصيل قد لا تفيد كثيراً موضوع هذا المقال، لأن الباعث على صياغته هو التفاعل مع النقاش الذي تعالى بصدد رفض البعض لهذه المبادرة الاحتجاجية بحجج يراها وجيهة، ثم مقالات اخرى تدافع عن وجاهة هذا الاختيار الاحتجاجي، لكن يهمني أن أسجل أولا أن مثل هذا النقاش جدّي ومفيد، وأنه ربما لأول مرّة يفتح مثل هذا النقاش بشكل عمومي قد يطلع عليه من أراد؛ الأعداء قبل الأصدقاء، ولم يبق رهين ردهات مقرات الأحزاب وبعض الجمعيات بل هو نقاش عمومي فيه تبادل لوجهات النظر حول جدوى مثل هذا الاحتجاج من عدمه، وهذا ما أعتبره أمراً جيّداً علينا أن لا نبخس قيمته. ثاني الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها هو أننا رغم التقدم الكبير الذي حصل في طريقة نقاش والتعاطي مع القضايا الاجتماعية والسياسية إلاّ أنه مازالت بعض الرواسب تنطّ من لاوعينا وتحاول أن تسيّج النقاش بما تشتهيه الذات لا ما يقتضيه الموضوع، فدفاعاً عن موقفنا قد نضطر إلى تسفيه الموقف الاخر، ونصوّره بشكل كاريكاتوري حتى تكون حجتنا أقوى وأسلم، فتخوين أصحاب مبادرة الاحتجاج على مزوار أو رميهم بأنه موقف صبياني يفتقر الى النضج والفهم الكلي للوضع السياسي هي “فرية” لا يصحّ أن نلوكها إن كنا فعلاً نريد نقاشاً مثمراً، وأيضا اتهام رافضي المبادرة أنهم “يسراويين” و”ثورجيين” فقط يعشقون الجمل الثورية والكلام الغليظ ولا يفعلون شيئاً في الواقع وقد يصبّ موقفهم في طاحونة الاستبداد من حيث يدرون أو لا يدرون، ويعملون على التعايش مع الفساد والاستبداد، هو أيضا كلام متحامل قد يصل إلى حدّ التجريح، لذلك سأحاول أن أدلي بموقفي دون أن اتهم أحداً بالتخوين ولا غيره ب”الاستمناء الثوري” بل سأقول موقفي كما أراه وسأحاول أن أتفاعل مع بعض الأفكار التي طرحها الأصدقاء والصديقات دون الاشارة إلى الأسماء، فالأفكار بالنسبة إليّ تدل على أصحابها،

وسيكون بيان ذلك الآتي:

– إن رفضي للاحتجاج ضدّ تعين مزوار ليس هو رفض للمنهج بل هو رفض للموضوع، للشرح أكثر، يعني الفكرة التي يؤسس عليها رفاقي ورفيقاتي خروجهم ضدّ مزوار هي فكرة صحيحة وعملية، أي ضرورة فتح جبهات متعددة مع الفساد، ولا يُستحبُّ أن ننتظر المعركة الكبرى فقط ونبرر تقاعسنا وقعودنا عن النضال، بل علينا أن نقتنص كلّ الفرص التي تتيح لنا توجيه ضربات لجسد الفساد المتغوّل حتى وإن كانت هذه الضربات لا تصيبه في مقتل لكنها أكيد تضعفه، كما أنها تربي الجماهير على التمرس النضالي، كل هذا صحيح لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل معركة “الاحتجاج ضدّ تعين مزوار” هي المعركة المناسبة التي ينطبق عليها هذا التوصيف؟ أليس ثمة معارك أدق وتحوز اجماعاً أكثر، قد تحقق أهداف الفكرة، لكننا نتقاعس عن القيام بها، مثلا رفع أسعار الحليب، وربما باقي الأسعار فيما يستقبل من الأيام، مثلا ملف التعليم ونحن على أبواب الدخول المدرسي وفي حوزتنا اعتراف رسمي من رئيس الدولة بالكارثة التي حلّت بهذا القطاع، يمكن أن نفتح معركة في الموضوع لأسبوع أو أسبوعين نخصصه لموضوع التعليم فقط ونحاول أن نتواصل مع التلاميذ والطلبة ونقابات الاساتذة، أكيد بالنسبة إليّ ستكون خطوة مهمة على درب تحقيق التراكم النضالي المطلوب…وكذا العديد من الملفات التي لا يسمح المقام بذكرها قاطبة، إذن من حيث المبدأ مع الفكرة، وبل هي فكرة جوهرية علينا أن نقتنع بها ونبحث لها عن توطين في واقعنا السياسي والاجتماعي، لكن فقط علينا أن نختار المعركة المناسبة.

– يجب الانتباه جيداً أن المغرب ليس حدوده الرباط ولا البيضاء ولا حتى طنجة وتطوان، وعندما نناقش هذه الأمور يجب علينا أن نستحضر هذا المعطى جيداً وأن لا نضع في أذهاننا فقط الساحة المقابلة للبرلمان أو ساحة الحمام أو ساحة التغيير فقط ،بل أن نفكر في هوامش الوطن، في المغرب العميق، حيث جماهير شعبية متأهبة ومستعدة للتضحية إذا ما وجدت بجانبها من تثق فيه. فنحن المنخرطون في الفايس، لنا امكانية الاطلاع اليومي على ما يدور في النت قد نفهم أو نتفهم بعض مبررات الخروج للاحتجاج على تعيين مزوار، لكن أكيد أن هذه الفكرة صعب جداً أن تُقنع بها مواطنا في الريف أو الاطلس أو الشرق، ومهما شرحت له لن يفهم قصدك ولا هدفك، بالمقابل يمكن لك أن تُفهمه جيّداً بالانطلاق من الاحتجاج على عدم توفر مدرسة، على ارتفاع الاسعار، على افتقار المستشفى لأدنى التجهيزات، وعليه إن كانت الغاية الأساس هو التراكم لبناء فعل نضالي قوي لا يجب أن يقتصر الأمر على المركز فقط، إلا إذا كان الاحتجاج عن تعيين مزوار هو نضال كفاية (قد يقوم به البعض ويسقط عن الاخريين) قد نقوم به نحن في المدن الكبيرة الرباط والبيضاء وطنجة وتطوان…وليس بالضرورة أن تنخرط فيه كل مناطق المغرب، حينئذ يكون للنقاش مسار آخر. لكن ما أظن أن هذا هو القصد، مادام هناك حديث عن التراكم النضالي من أجل فتح كوة في جدار الفساد والاستبداد.

 

-إن محاولة مقارنة معركة إلغاء العفو الملكي بمعركة الاحتجاج على تعيين مزوار هي مقارنة خاطئة وتترتب عليها بالضرورة خلاصات خاطئة، فإلغاء العفو الملكي كان محط اجماع عكس معركة “مزوار”. العفو الملكي مرتبط بكرامة المغاربة، والمغربي مستعد للانتفاض إذا مست كرامته بشكل مباشر أم مُسّت “بطنه” (القوت اليومي)، فالجماهير الحاشدة التي شاركت في معركة الالغاء لم تشارك لأننا نحن أقنعناها أو بفضل التعبئة الواسعة التي باشرناها بل خرجت لأن أصلا القضية كانت “مجمّعة” مثل العدسة “المجمّعة” تلتقي كل روافدها في نقطة واحدة تمس كرامة الانسان. ولذلك أستبعد جداً أن تكون لمعركة الاحتجاج ضدّ تعين مزوار قوة الحشد الجماهيري التي كانت لمعركة الالغاء، لأن المواطن العادي لا يرى في تعيين مزوار مساساً مباشراً بكرامته وهو عنده “كي مزوار كي ولعلو مصاب غي الصحة والسلامة”.

– من بين الدروس التي علمتنا إياه حركة 20 فبراير هو أنه ليس بمكنة تيار سياسي مغربي أن يقوم لوحده بفتح معركة ناجحة مهما بلغت قوة هذا التنظيم، المعارك الناجحة في المغرب هي بحاجة إلى حدّ أدنى من الاجماع النضالي وإلى رصّ الجهود النضالية، ومعركة “الاحتجاج على تعيين مزوار” تفتقر إلى هذه الشروط مما قد يجعلها معركة قد تجني على الفعل النضالي أكثر مما ستغنيه.

– أغلب الأصدقاء والصديقات الذين كتبوا ينافحون عن جدوى خوض هذه المعركة، يؤكدون على أن مزوار ليس هو المقصود لذاته بل هو مدخل لتحقيق أهداف أسمى لا تخرج عن نطاق مواجهة الفساد والاستبداد. طيب، لكن الذي حدث هو أن معركة مزوار لم تحز الاجماع النضالي المطلوب، إذن فلنبقي على نفس الاهداف ولنغير العنوان الخارجي فقط، لنضمن النجاح للمعركة، ونضمن تحقيق الاهداف التي نصبو إليها، فليس مطلوباً الاصرار على “مزوار” مادام قد نجد معارك أخرى تحقق نفس الاهداف، وإلاّ تحول “مزوار” هنا إلى أنه مقصود لذاته وليس القصد الأهداف التي قد تحققها معركة “الاحتجاج على تعيينه”، وحينها سيكون للنقاش وجهة أخرى.

هذه بعض الافكار الأولية مساهمة مني في النقاش الجدي والمهم حول هذا الموضوع، أتمنى أن تكون قد وصلت كما هي وللنقاش بقية.

التعاليق (0)
أضف تعليق