مملكة الغضب.

ثمة ملاحظة عابرة تسم الممارسة السياسية في هذا الوطن الذي طالما سُميّ مجازاً ب”أجمل بلد في العالم”، ودائما في اطار المجاز يقولون عنه أيضاً “بلد الاستثناء”، أو بلد “ثورة الصناديق”.. وهلم جرّاً من الألقاب الفخمة الثقيلة في ميزان الغباء السياسي والتي تستحيل إلى أخف من ذبل الفئران في ميزان الفعل السياسي/التاريخي الحقيق، هذه الملاحظة العابرة في تمظهراتها الخارجية، والمستقرة الثابتة في تجلياتها الفعلية، أضحت سمة لا تنسحب على مؤسسة دون أخرى، بل صارت عصب الفعل السياسي المغربي..

إن الملاحظة المقصودة في هذا المقال –حتى لا يتشتت ذهن القارئ- هي الغضب الذي يعتري مسؤولي الدولة الكبار والذي تكون له نتائج وتبعات لها تأثير بالغ على عمل المؤسسات، فلقد جرت العادة أن تشير وسائل الإعلام في كل مرّة إلى غضب الملك الذي ترتّب عنه إقالة فلان وفرتلان أو في أحسن الأحوال توبيخه، أما في أسوء الأحوال فقد يكون التعبير عن الغضب بلكمة تدمي الشفتين وتُسقط الأسنان.. وأشهر غضبة للملك تناولتها الصحف (أما التي لم تتناولها فتلك قصة أخرى) هو ما قيل عن غضبه على مستشاره فؤاد عالي الهمة خلال فضيحة العفو الملكي عن البيدوفيل الاسباني دانيال كالفان، وقيل حينها أن الهمة هو من ورّط الملك في هذا العفو وسلّمه لائحة بأربعين سجينا اسبانيا للعفو عنهم نكاية ببنكيران الذي طلب منه الملك الاسباني العفو عن حالة سجنين اسبانيين يعيشان حالة مرضية متقدمة…بعدها بأيام قليلة سارعت بعض المواقع الالكترونية وبعض الجرائد إلى نشر صورة لسيارة فارهة (ديكابوتابل) تقلّ الملك وإلى جواره مستشاره السياسي المفضّل عالي الهمة…(دائما يجب التذكير أن هذه المعطيات هي على عهدة الصحف ليس بالضرورة أن تكون هي الحقيقة).

قبل أربع سنوات تقريبا وقبيل دوران عجلة الحراك الشعبي في المنطقة، وبينما كان الملك يقضي عطلته على شواطئ الحسيمة ستعتريه موجة غضب شديد كان من نتائجها حملة محاكمة واسعة في صفوف رجال الأمن وبعض الموظفين الكبار في الإقليم، وكانت عناوين الصحف تقريبا تغرف من عنوان واحد “غضبة ملكية تطيح برؤوس كبيرة في الحسيمة”..

لقد صار الغضب الملكي فاعلاً أساساً ومهماً له دوره الكبير في صنع مستقبل هذا الوطن وفي نسج سياساته، حتى بات المواطن من باب التنكيت يدعو في سرّه وجهره أن يديم الله غضب الملك حتى يصلح حال المواطن المكتوي بتسلط بعض الجاثمين على كراسي المسؤولية.
الجديد في القصّة هو أنه لم يعد الغضب سلوك ملكي يُنتج أثراً في الواقع قد يصل الى الاطاحة برؤوس كبيرة، بل صار حتى رئيس الحكومة/المحكومة عبد الاله بنكيران يغضب لكن غضبه دون آثر ايجابي، هو لا آثر له وإن حدث وأن كان له آثر يكون سلبياً مُعَطِّلاً لسيرورة الاصلاح، وهذا مفهومٌ ومنتظر لأن الرجل لا ينافس الملك ولا يرضى لنفسه أن يقارن غضبه بغضبه، وهكذا قبل يومين نشرت وسائل الاعلام أن الوزير “الجوكير” محمد الوفا قال معاتباً نواب “المعارضية” : “حشومة عليكم عصّبتم السيد أودابا هادي ربعيام مخدمنا” يعني أن السي بنكيران غضب بسبب الهجوم الذي حملته مداخلات نواب البرلمان بمناسبة المساءلة الشهرية وكان من نتائج غضبه تعطل مؤسسة الحكومة لأربعة أيام متتالية بشهادة أحد أظرف وأحبّ الوزراء إلى قلبه..

لو خففنا شيئا ما من نبرة السخرية وتسلحنا بشيء من الجدّية في النظر إلى الموضوع سنكتشف جوانب كثيرة من الطريقة التي تُسيّر بها الأمور في هذا البلد غير الآمن، فحينما يكون المزاج هو المتحكم في انتاج آثر سياسي فاقرأ السلام على شيء اسمه عمل المؤسسات أو الديموقراطية أو البرلمان… عندما يصبح الغضب فاعلاً مهما وأهم من البرلمان ومن لجن تقصي الحقائق ومن المجلس الدستوري ومن المجلس الأعلى للحسابات.. فلا تتحدث عن دولة المؤسسات، فكم من قرارات صدرت عن هذه المؤسسات لكنها لم ولن تُنفّذ في حين تكفي غضبة ملكية ليكون التنفيذ في الحين دون تماطل ولا تسويف.. لكن الغضب ليس برنامجا يصلح ليكون نبراسا في العمل، فساعة الغضب لا عقارب لها كما قال المهاتما غاندي فهل نرهن الاصلاح لساعة بلا عقارب؟ والعجب العجاب هو أنه لا أحد يتحدث عن هذا التسيّب والميوعة، لا أساتذة القانون الدستوري ولا الصحافة ولا الاحزاب، مؤسسات الدولة يا سادة لا تُسيّر بالمزاج الشخصي بل بقوانين وقرارات لها مشروعية مستمدة من النص الدستوري، وإلا كفت عن أن تكون دولة وتحولت إلى زريبة أو ما شئتم من الأماكن، فدولة مثل هذه قد أبنيها أنا أيضا وفق هواي كما قال الحكيم “عدّنبي نسوق”* (الدّولة أَمْثا أتكغ رنّش).

*عدنبي نسوق: حكيمٌ ريفي عاصر مقاومة محمد بن الكريم الخطابي وكان حينها طفل يقوم بمساعدة المجاهدين بنقل المعونة وسقي الماء، انتهت به حياته شريدا بدون بطاقة مقاوم ولا من يعيله، فكان يتسوّل لقمة عيشه بأنفة كبيرة وكبرياء، كما عُرف بدرر حكمه التي كان يطلقها وما زالت الذاكرة الشعبية في المنطقة تحتفظ بالعديد منها.

التعاليق (0)
أضف تعليق