ملاحظات من أجل استنهاض الفعل التضامني مع معتقلي حراك الريف

جابر الخطيب

مرت ثلاث سنوات عن انطلاق حملة الاعتقالات التي طالت شباب حراك الريف، اعتقل وحوكم المئات من النشطاء على عجل، وتم توزيعهم على سجون عدة، مقابل امتداد أطوارمحاكمة مجموعة عكاشة التي يوجد على رأسها قائد الحراك ناصر الزفزافي لحوالي سنتين، لتسفر في الأخير عن أحكام سوريالية.
انطلق حراك الريف عقب حادث مقتل محسن فكري المأساوي، ليمتد الحراك لكل مناطق الريف، ويستمر لحوالي ثمان أشهر، هذا الحراك الذي شد انتباه الجميع وأبهر الرأي المتتبع بزخمه، وسلميته، وطبيعة أشكال التعبير والاحتجاج الجديدة، وأيضا تمكنه من استيعاب مختلف الأجيال والشرائح.
ولاقى حراك الريف تضامن واسع، عم الداخل والخارج، وتنديدا بالاعتقالات والبطش بحراك ظل سلميا، مرددا مطالب اجتماعية. تم قمع العديد من الأشكال التضامنية، خاصة المتمركزة بمناطق الشمال حيث حظر فيها اي شكل من أشكال التضامن، وغظ القمع على أخرى لتنفيس الغضب والاحتقان، حيث سمح بمسيرات ضخمة بكل من الرباط والدار البيضاء، عقب الاعتقالات، وبعد صدور الأحكام.
في أوربا حيث تتمركز الجالية المغربية، والريفية منها بالخصوص، عرفت حملة تضامن واسعة، وسجل لأول مرة انخراط أجيال جديدة بكثافة وحماس في الاشكال التي عمت كل مدن وعواصم أوربا لتعبر عن ارتباطها وتضامنها مع قضايا البلد الأصل المصيرية وتطورات حراك الريف.
امتدت مدة محاكمة نشطاء الريف لحوالي سنتين، واستمرت الاعتقالات في صفوف النشطاء والمتضامنين، وتشكلت لجان وتنسيقيات بالداخل والخارج لحشد التضامن والدعم، والضغط من أجل سراح المعتقلين، كما تم تأسيس جمعية “ثافر” من قبل عائلات المعتقلين، فتوالت الأشكال والمواقف والتقارير المحملة المسؤولية للنظام لكل ما جرى، وفضح كل التجاوزات والانتهاكات التي طالت حراك الريف ومعتقليه.
كما تعالت أصوات ” اللايف” الحادة والمشحونة بدول أوربا، وهو خطاب جديد يفتقد بوصلة الفعل الحقوقي ولباقة الصراع السياسي، يكيل السب لمسؤولي الدولة، مولدا ردود الفعل المجانية، وموزعا الاتهامات والتخوينات اتجاه النشطاء المختلفين في التقدير والرأي، فكان لهذه الظاهرة اللايفية الأثر السلبي، نفر فئات واسعة كانت قد انخرطت بحماس في أشكال الدعم والتضامن.
استمرت حملة التضامن بالداخل والخارج، فتشكلت لجان وتمسيقيات بمختلف المدن، غير أن أغلب هذه اللجان لم تتمكن من الاستمرار في الاشتغال وتطوير آدائها، ليقتصر دورها في بيانات وتوقيع عرائض، والدعوة لأشكال تضامن بعد صدور أحكام، أو عند توتر الوضع بين المعتقلين وإدارة السجون ودخولهم في إضرابات طعامية.
الإطارات الحقوقية بدورها أطلقت مبادرات عدة في محاولة لتجميع الفعل التضامني وتطويره، ومن أجل تجاوز ردود الفعل اللحظية، غير أنه لحدود الآن لم تتمكن كل هذه المبادرات من الاستمرار فيما تم تسطيره من أهداف تتوخى توحيد الجهود وتجميعها والنضال لإطلاق سراح المعتقلين.
تضاعفت معاناة المعتقلين بعدما تم توزيعهم على سجون عدة، وضرب مكتسبات انتزعوها بنضالاتهم من داخل السجن، ولم يلقى المفرج عنهم من معتقلي الحراك الحاضنة والدعم خارج أسرهم القصير اليد، بينما هم في حاجة لرد الاعتبار والاعتراف بتضحياتهم، والأخذ بأيديهم من أجل الانخراط من جديد في الحياة العامة الذي يبقى أساسه فرص شغل. غياب الحضن والدعم بالشكل الكافي ولد الإحباط والخيبة لدى أغلب المفرج عنهم من المعتقلين، وضيع منسوب الأمل الذي زرعه الحراك لدى أغلب شباب الريف، فبات أغلب معتقلي الحراك المفرج عنهم ينتظرون فرصتهم للهجرة والانسلال نحو أوروبا.
حرمت جمعية “ثافرا” من وصل الإيداع عند تأسيسها، غير أنها تمكنت من الاعتراف الضمني كممثل للعائلات ومطالب أبنائها المعتقلين، وذلك بمشاركتها في لقاءات ذات أطراف عدة ( دعوة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المندوب السامي لحقوق الانسان…).
غير أن جمعية عائلات معتقلي الحراك الشعبي “ثافرا” وباستحضار دورها ومجهودها المحمود للتعريف والترافع حول قضية المعتقلين وظروف اعتقالهم ومطالبهم، كان يمكن أن تلعب دورا محوريا في توحيد وتنسيق الفعل التضامني بالداخل والخارج والمساهمة في تطويره، والعمل بشكل أفضل على تجميع عائلات المعتقلين وتطوير أدائهم، والتكفل بمتطلباتهم ، وأيضا استيعاب المعتقلين المفرج عنهم واحتضانهم، ، ثم ليساهموا في مسيرة النضال من أجل إطلاق سراح رفاقهم.
تستمر بعد ثلاث سنوات معاناة معتقلي الحراك الشعبي وعائلاتهم ، غير أن صوت التضامن بات خافتا وأصابه الإنهاك، الأمر الذي يستدعي استنهاض وتجديد الفعل التضامني، وذلك بالوقوف على تقييم تجربة الثلاث سنوات الزاخرة بمحطات تضامنية نضالية مشرقة ، غير أن هذه المجهودات ظلت مشتتة ولم تنجح في بناء التراكم المطلوب، وتلك مهمة ومسؤولية الجميع من دون انتظار أو تردد إطارات حقوقية، لجان دعم، فاعلين، جمعية العائلات ..

جابر الخطيب