معنى أن تكون ماركسياً حتى النخاع، على هامش تدوينة الاستاذ محمد الناجي.

إن أهم مبدأ في الماركسية، والذي يتجنبه العديد من أدعيائها، هو مبدأ البراكسيس؛ أي تلازم الممارسة السياسية والنظرية السياسية، فالماركسية ليست ترفاً فكرياً يتسلّح به الواحد كي يكون كلامه غليظاً مبهماً يتقن فن الجدال، بل هي “طريقة” لفهم العالم ثم العمل على تغييره، وهو الحدّ الفاصل الذي رسمه ماركس بين الفلسفة الماركسية و فلسفة ما قبل الماركسية، حين أشار في الأطروحة الحادية عشر ضد فيوروباخ إلى أنه “لم يفعل الفلاسفة شيئاً غير أنهم حاولوا تفسير العالم بطرق مختلفة لكن الأهم هو تغييره”، الماركسية تفسّر العالم وتعمل على تغييره. لذلك لا معنى لقول السيد محمد الناجي في معرض شرحه لموقفه من أحداث مصر :”أنا اليوم إسلامي حتى وإن كنت ماركسيا حتى النخاع”، كان عليه أن يردّ على رفاقه وأصدقائه الحداثيين “سكّر زيادة” الداعمين للتدخل العسكري بوضوح و بساطة لا يتلبسان بكل هذا التشويش والتهويش، فعندما يقول أنا اليوم اسلامي بإزاء ما يحدث في مصر، يعلن أنه يدافع عن حق الإخوان دون خوف من أن يُتّهم من طرف رفاقه (أو أسياده) أنه أصبح إسلاميا يدافع عن الإخوان، وهذا من حقه، وواجب كل ديموقراطي حقيقي، لكن ما سرّ اقحام صفة “الماركسية حتى النخاع” في معرض حديثه، وما سرّ هذا الادعاء؟ فما معنى أن “تكون ماركسياً حتى النخاع” وأنت تعلم أو تجهل (النتيجة واحدة) أن ماركس نفسه كان قد سبق له أن قال في مقولة مشهورة :”كل ما أعرفه هو أنني لست ماركسياً”؟ ما معنى أن تكون “ماركسياً حتى النخاع” وأنت تدغدغ نرجسية الديكتاتور في وطنك وتشهد له بالزور أمام الآخر؟ ما معنى أن تكون “ماركسياً حتى النخاع” وتقبل بالإشراف على “مبادرات تمويهية” يقدم عليها هذا النظام لتجميل وجهه البشع؟ ما معنى أن تكون “ماركسياً حتى النخاع” وتكتب مقالات في عز الحراك الشعبي في وطنك ، تنشرها في جرائد ومجلات مشرقية باذخة التعويض لتتحدث في هذه المقالات عن فكرة واحدة هي أن “مشروعية الملك تنبع من جذوره الشريفة حيث يعود بنسبه إلى النبي محمد، وأخيراً من التاريخ والتقاليد التي تجعل من الملَكية العامل الموحِّد للأمة، والمدافع عن تماسكها”؟* ترى هل هو منطق “العبد والرعية” يفعل فعله؟…
الماركسية هي نظرية في المعرفة والتغيير، المعرفة والتغيير لا يرتكنا الى وثوقية “حتى النخاع” لأن التغيير معركة قائمة على الممارسة، والممارسة بطبعها متلبسة بالخطأ وبتجاوزه، وكذلك المعرفة هي منذورة للتطور باستمرار ولا يجدر بها أن تستكين لوثوقية “حتى النخاع”.
من جانب آخر قد يفهم من صيغة السي الناجي “أنا اليوم إسلامي حتى وإن كنت ماركسيا حتى النخاع” قد يفهم منها الغمز إلى مفارقة يتوهمها كائنة كما يتوهمها غيره من البسطاء، وحدّ المفارقة أن من عادة الماركسي أنه لا يدافع عن الإسلامي (أو بالأحرى عن الديموقراطية ما دام أن “أنا اسلامي “تعني في سياق كلام الناجي أنا ديموقراطي) وهذا خطأ قد يقول به بعض السذج عن قلة اطلاع لكن أن يقوله باحث مرموق هو محض تدليس لا غير، وإلاّ فإنه يعرف أن لينين مباشرة بعد انجاز الثورة خاطب المسلمين وطمأنهم أن لهم كامل الحق في استعادة مساجدهم وإقامة شعائرهم الدينية كما يشاؤون بعد أن كان القيصر قد أحرق المساجد وضيّق على المسلمين، بقي هذا الوضع في عهد لينين إلى أن جاء ستالين فانقلب على ذلك وأصدر مرسوماً “ثوريا” سماه “الحق في الاعلان عن الإلحاد” وكان مبرراً للتضيق على المسلمين وحرمانهم من ممارسة شعائرهم من جديد في انقلاب واضح على مرسوم لينين السابق، فهل الناجي هنا “لينينياً ماركسياً حتى النخاع” أم هو “ستالينياً ماركسياً حتى النخاع”؟
ولا حاجة للتذكير أيضاً أنه غداة الانقلاب العسكري في الجزائر ومسلسل محق حزب جبهة الانقاذ انزوت كل الأطياف بكل أنواعها وألوانها من الليبراليين واليساريين وخصوصاً الاسلاميين(حركة حماس الجزائرية وحزب النهضة) للتصفيق للعسكر وتبرير مجازرهم، وحدها من وقف ضدّ هذه المجازر بجرأة استثنائية هي الماركسية (ليست حتى النخاع) لويزة حنون بشهادة قادة جبهة الانقاذ أنفسهم.
إن “الانتهازية المفضوحة للمثقف” -على حدّ تعبير الناجي في تدوينته- من سماتها بالنسبة إليّ هي النزوع نحو التوظيف الاستعاري للحقيقة في زمن يتطلب الوضوح والتصريح لا التضمين والاضمار، وسبحان من أسرى بمحمد الناجي مثقف العهد الجديد الوفي لابن “رحامنة” “عالي الهمة” من “مثقف حداثي مخزني ” الى بطل لا يشق له غبار ولا يخاف لومة لائم في قول الحق عندم خرس الاخرون عن ذلك، الله يا زمن…

التعاليق (0)
أضف تعليق