مصير قُبلة

ونحن صغار نتلقف القبل من كل الأحبة، بدءا بالوالدين وكل المحيط العائلي الذي يفرح بقدومنا لعالمهم، بعدها يتم تعليمنا كيف نرسم قبل على خدودهم أمام تلك الاندهاش الطفولي وإعجاب الكبار بذالك، تمتد السنين قليلا فيحضر شرطي الأخلاق ليبدأ في توجيهنا نحو ما يجوز ولا يجوز من دون تقديم تبرير لذالك الفعل من عدمه.

بعدها نودع الطفولة “البريئة” لنلج مرحلة من العمر قد تبدو دقيقة وانتقالية نحو عالم الكبار، نحاول عندها اكتشاف ذواتنا وأعضائنا التي تنمو وتتفتح،  نتطلع للكبار فنحاول تقمص تصرفاتهم أحيانا، ونعصي أوامرهم ونتمرد عليها حينا تطلعا نحو الاستقلال، حيث تبدأ شخصية المراهق في التشكل وترسم خطوطها العريضة.

 هذا الحديث مرده قبلة بين طفلين لم يتجاوزا سن الخامسة عشر بمدينة الناظور،تسربت صورة القبلة لمواقع التواصل الاجتماعي فوجدا التلميذين نفسيهما أمام شرطة التحقيق، ليتم احتجازهم ومعهم ملتقط الصورة.

في زمن آخر أصبح من الماضي  وعندما كنا في مثل سن المتابعين على خلفية قبلة افتراضية، ومع البدء في اكتشاف ذواتنا والتطلع بشغف نحو اكتشاف الآخر المختلف عنا عضويا، نتذكر كيف كنا نسترق النظر لأعضاء حميمية من أجساد زميلاتنا  بالقسم وغيرها من الفضاءات المتاحة للاختلاط، وعندما ننجح في الظفر بقبلة خاطفة بأماكن معتمة خوفا من أعين الفضوليين، يصبح لهذه القبلة تاريخ وذكرى منقوش في ذاكرتنا لطعمها الخاص.

نكبر أكثر ويمتد بنا الحال إلى حين ولوج فضاء الجامعة الرحب، عندها تتردد السلط والرقابات في ملاحقتنا بداخل الحرم الجامعي كما كان يطلق عليه، لكنها تنتظرنا خارج أسوار الجامعة متربصة بنا، فنندفع في القبض على أحلامنا الكبرى، والممزوجة برغباتنا الخاصة ليصبح موضوع المرأة والعلاقات الخاصة مشحون بنزعات إديولوجية تحررية، وتلك حكاية أخرى.

لعل الحديث عن هذا جيلنا أصبح من باب النوستالجيا فقط، مقارنة بجيل جديد تعددت عنده وسائط التواصل، وساهمت بشكل كبير في بناء تمثلاته وتشكل هويته، حيث أضحت تجارب حياتهم شفافة ومباشرة، ولا تتطلب كل ذالك العناء السابق، ولا حرج عندهم في نشر كل خصوصياتهم وإشراك الآخرين في الاطلاع عليها عبرالوسائط الجديدة.

عند هذا الجيل الجديد اختفت رسائل الحب المدسوسة، الذي علمتنا عند تدبيجها في البحث عن أرقى العبارات وأرهفها، نعطرها بوردة، فنبحث عن وسيط لإيصالها وننتظر جوابا قد يعود وغالبا لا يعود.

الجيل الجديد باتت عنده وسائل التواصل والتعارف أسهل وأسرع، فأصبحت فرص تعارفه أوفر واكتشاف الآخر في أبعاده المختلفة، حيث الاطلاع على كل شيء وقد يتم حرق المراحل حتى. هذه الامكانيات الهائلة وإن كانت تساعد وتفتح المجال لإعداد أطفالنا وتهيئتهم في أحسن الظروف،  ففي جانبها الآخر مفتوح على متاهات ومخاطر أكبر.

فمثلا أصبحت الصورة سهلة الالتقاط والتداول، وقدرتها على تكثيف التعبير والتحسيس بقضايا عجزت الوسائل الأخرى على محاكاتها، لكنها  قد تسبب في متاعب وتساهم في تدمير أصحابها والأمثلة كثيرة على ذالك.

عود على مدينة الناظور وتداعيات حادث قبلة  بين تلميذين جنت على أصحابها الاستنطاق والاعتقال، مما أصبح يطرح معه بحدة إشكال وحدود الحريات بالمغرب وآليات تطبيقها، ويكشف عن قوانين متجاوزة وبالية لا زالت تؤطر القانون المغربي، ولا تنسجم والمعاهدات الدولية التي تم المصادقة عليها، كما تكشف عن الكيل بمكيالين في التعاطي مع هذه القوانين ومدى تطبيقها، حيث يساق تلميذين للتحقيق والحجز فقط لقبلة افتراضية، بينما نعلم ونسمع عن مدى الانغماس والانطلاق في الحريات الفردية لأقصى الحدود  لتلميذات وتلاميذ المدارس والمعاهد الخاصة جدا، فهل يتعال الخاصة وأبنائهم عن أخلاق وقوانين العامة من هذا البلد، وتبقى قوانين الحياء العام وغيرها والتي تحد من الحريات الفردية مسلط فقط على عامة وبسطاء هذا الوطن، ربما لأنهم ليس أهل لممارستها؟

لعل إشكال تربية وإعداد أجيالنا الجديدة في مناحيها المتعددة تحتاج لدراسة وتقييم شامل، عليها أن تنفتح على القيم الكونية الحضارية، مع مراجعة قوانين وطرق تربوية أصبح اعتمادها في التأطير والتوجيه متجاوزة، حتى نتدارك ونتجنب إفلاس وضياع جيل مستقبلنا الصاعد، ومن أجل تمكينهم كذالك من الحضور في عالمهم الجديد والمتجدد بشكل فاعل إيجابي ومبدع، بعيدا عن منطق الحسبة وثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الممارس في حقهم كما حصل مع التلميذين.

التعاليق (0)
أضف تعليق