محمد جلول : “المنجل هو المنجل يتم تغيير قبضته فحسب”


لاشئ تغير في الجوهر على المستوى السياسات و التوجيهات الرسمية العامة ما بين مغرب ماقبل دستور 2011 وما بعده، وما بين مغرب اليوم و المغرب الذي ولد سنة 1956، فلا زال المنجل هو المنجل نفسه وما يتم تغييره هو قبضة يده فقط : تتغير المكونات وتتعاقب ، تذهب القديمة على ايقاع الأزمة و الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان و تأتي أخرى بشعارات ووعود جديدة و لكن الحالة هي هي ففي كل مرة على مدى 57 سنةمن التجربة في إطار الحكم المركزي تتبخر آمال المغاربة التي كانت معقودة على احدى النخب السياسية و ما كان منتظرا ومرحوا، حيث مباشرة و إن تصل إلى السلطة تتخلى عن شعاراتها التي كانت ترفعها عندما كانت في المعارضةوتصبح مثلها مثل سابقتها متماهية مع التوجه اللاوطني اللاديموقراطي اللاشعبي للنظام الذي يحصد خيرات المغاربة ورقابهم خدمة لأقلية مركزية احتكارية تبعية مخلة بكل وعودها، ومتنكرة حتى لقواعدها التي ساهمت في اصالها إلى السلطة ، كأن ذلك كله لم يكن سوى مضية لبلوغ السلطة و الثروة. ولا يقف الأمر إلى هذا الحد بل أكثر من ذلك فهي تعمل جاهدة على حشد مختلف المسوغات و المبررات للدفاع عن هذه السياسات و امتصاص ردود الفعل الغاضبة للجماهير أو ردعها و التغطية على الإنتهاكات التي ترتكب ضدها أو المشاركة فيها.

فكما لم تشكل تجربة التناوب و التوافق استثناء و لم تخرج عن هذه القاعدة بعدما كان جزء مهم من الشعب المراكشي وقواه المناضلة في الماضي يراهن على جزء نخبة « الحركة الوطنية » وعلى شعاراتها وقدم من أجل ايصالها إلى الحكم عدة تضحيات ، فإن التجربة الحالية التي مر عليها إلى حد الأن أزيد من سنتين كرست نفس المنهجية ولم تكن أقل سوء من سابقتها ، و خاب ضن الكثيرين ممن كانوا يراهنون عليها في ما يتعلق بالتصدي للفساد و الإستجابة للإنتظارات الشعبية الإجتماعية و الحقوقية ، حيث أن عكس ماكان مرجوا هو الذي يتحدث على أرض الواقع من خلال سياسات لاشعبية ليست كونها فقط تتجنب استهداف أوكار الفساد أو حتى الإقتراب منها ولكنها يصل تغازلها و تعمل على استهداف ما تبقى من لقمة عيش الشعب المراكشي الكادح لتحميه فاتورة الأزمة التي يتسبب فيها الناهبون و العابثون بأموالنا العمومية و الذين يوجدون في منآى عن أية محاسبة ، حيث أن هذه السياسات تعمل على توجيه الانفاق العمومي من المداخيل و المموارد المالية المستخلصة من عرق جبين الشعب الكادح نحو المقاربة الأمنية ليست المقاربة التي تسعى طبعا إلى توفير الأمن و الطمأنينة للمواطنين و إنما تستهدف إخضاع الشعب وترهيبه و لجم ارادته عن الإحتجاج ضد هذه السياسات الفاسدة و ثنيه عن المطالبة بحقوقه المشروعة ، و ذلك من أجل ضمان مايسمى » بالإستقرار » الاستقرار الذي يعني أن تنام الأقلية المحتكرة للسلطة و الثروة مرتاحة البال ولاخوف عليها من غضب الجماهير : الجماهير التي لا يعني لها بالمقابل هذا الإستقرار سوى تطبيعا مع واقع الفساد و اتفاقا مع المنكر أو السلم مقابل التخلي عن الكرامة ، كما يتم تبذير امكانيات هائلة من الأموال العمومية على ولائم و حفلات و مهرجانات باذخة و كماليات و مظاهر جد مكلفة من أجل إلهاء الناس و لفت الأنظار و الإلتفاف حول مطالب الشعب. أموال طائلة تتبخر في بضع ليالي و ساعات بعد أن تم امتصاصها غضب من دماء الكادحين و الفلاحين و العمال الذين يكابدون و يجهدون كثيرا لتحصيل بالكاد ما يعيلون به أسرهم و يخوضون صراعات مريرة و مزمنة مع فواتير الماء و الكهرباء و الأعباء الأخرى التي تثقل كاهلهم .هذه الإمكانات كان من المفروض أن تصرف من أجل فك العزلة و التهميش عن المناطق و الجهات المنسية ، حيث يقضي أبناؤها بالبرد و الحرمان ، و حيث تلد النساء على ضهور البغال وهن يتلمسن طريقهن عبر مسالك الوعرة الملتوية وقطع الوديان لمسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي ، هذه النفقات كانت لتخصص لتوفير العديد من مناصب الشغل للعاطلين ، و السكن اللائق لقاطني دور الصفيح ، و انقاذ الالاف من المشردين الذين يتخذون من أرصفة الشوارع بيتا لهم، و توفير العلاج و الدواء للعديد من المرضى الذين يصطفون في طوابير طويلة أمام المستشفيات في انتظار من يغيثهم و و و ، يحير المرء في تعداد مظاهر الخاص و الحاجيات الإستعجالية لأبناء الشعب المحرومين…

إن هذا النفاق الهائل الذي يصرف من أجل اخضاع الشعب وإلهائه بدل خدمة حاجياته و توعيته يعتبر نموذجا صارخا لتواصل مسلسل اهدار المال العمومي و الذي لايمثل في حد ذاته سوى نسبة يتم توظيفها للتغطية على العديد من أشكال النزيف الخطيرة التي تتعرض له موارد البلاد المالية على غرار الألاف الملايير التي صرفت و تصرف حول إصلاح التعليم و أدت إلى افلاسه ، و الملايير التي تتم اختلاسها من صناديق الإحتياط الإجتماعي للشعب و مختلف قطاعاته و مؤسساته العمومية و الملايير التي تم و يتم تهريبها إلى البنوك الأجنبية و الملايير التي تصرف على الأجور الخيالية المخصصة للوضائف السامية و المناصب الحكومية و الميزانيات التي تم تخصيصها لتنمية الريف و الصحراء و ذهبت إلى غير محلها … و للتغطية على العديد من الصفقات الضخمة و التفويتات المشبوهة للأملاك و القطاعات العمومية و لرخص الإمتياز لإستغلال البحار و البراري بثرواتها الحيوانية و التباتية و المعدنية… و النماذج لا تعد و لا تحصى من صنوف التبذير و سوء التسيير و التدبير بلاحسيب و لا رقيب، هذا في الوقت الذي يتم فيه رسميا الإعلان عن الأزمة الإقتصادية و يفرض فيه على الشعب تحمل سلسلة من الخطط التقشفية و يطالب منه الإستعداد لتحمل المزيد منها في أكبر احتقار لهذا الشعب و في أكبر سخرية بأناته و ببراءته ، فهناك ثلة قليلة تعبث بخيراتنا و تخريب البلد و نحن من علينا أن نؤدي الفاتورات فأي منطق و أي عدل هذا ؟
إن ما يفرغ الخطابات الرسمية من مصداقيتها حينما تحاول اقناع المواطن بضرورة اللجوء إلى الخطط التقشفية التي تعني أن يتحمل الشعب أعباء الأزمة و العجز في المزانية أو إكراهاتها و يتخلى من أجل ذلك عن مجموعة من مكتسباته الإجتماعية و تتخلى شرائح واسعة من المجتمع عن جزء من لقمة عيشها على هزالتها أصلا، هو أنها تبني هذه الخطابات على معطيات عامة لا تحدد أسباب العجز الحاصل و المسؤول أو المسؤولين عن ذلك، مما يعني استبعاد أي ربط للمسؤوليةبالمحاسبة حيث يتم اعتبار الأزمة مجرد معطى ظرفي ناتج عن تأثيرات الأزمة العالمية أو كمعطى طبيعي حتمي باعتبار المغرب ينتمي إلى العالم الثالث ويعاني من نفس الإكراهات التي تعيشها هذه البلدان ، وهي تعمل على استبعاد مسؤولية الفساد و سوء التسيير و التدبير و الإختيارات غير الصائبة في مجالات شتى و عوامل محددة في انتاج هذه الأزمة و تعمل على التسويغ لتمرير المخططات التقشفية و اقناع الشعب بقبولها كأمر واقع لا مفر منه.
إن هذه السياسات الممنهجة منذ 1956 ليس كونها فقط سياسات ظالمة و غير عادية كونها تحمل ثمن أخطاء جهة مذنبة لجهة غير مذنبة و لكن أكثر من ذلك تجعل الجهة المذنبة في منآى عن أية محاسبة و تتيح لها الطريق لمعاودة نفس الأخطاء لتكون الجهة الغير المذنبة هي الضحية مرة أخرى وهكذا دواليك في دورة مغلقة ومتستمرة يزرع فيها الشعب و يحرث ويشقى و تأتي أقلية مهيمنة لتحصد كل شيئ لنفسها، و ليس هذا فحسب بل أن هذه الأقلية المسيطرة و خوفا من فقدانها لهذا الإمتياز و لكي يبقى الأمر على ما هو علية فهي من جهة تقاوم كل نزوع نحو التغيير و تكون مختلفة اختياراتها محكومة بهذا الهاجس و تضع في قائمة أولوياتها السياسات الأمنية التي تستهدف اخضاع الشعب و لجم ارادته، و السياسات التي تحول دون توعية حتى لا يفكر في الخروج من هذه القوقعة ، و من جهة أخرى تكون مضطرة للرضوخ لابتزازات واملاءات اللوبيات المالية العالمية و المساومة على حساب ثروات البلاد و مستقبل شعبنا مقابل نيل رضاها أو لغض النظر عن تجاوزاتها و انتهاكاتها في حين تبقى النخب و الحكومات التي تشارك فيها مجرد أدوات لتدبير هذه السياسات و ليس لتغييرها ، ليبقى المنجل هو المنجل ، و معه فإن الظلم الإجتماعي و الفساد و مختلف مظاهر الأزمة ستظل قائمة ظالما بقيت هذه البنية المركزية ، الإحتكارية ، الإستبدادبة قائمة.

 

محمد جلول معتقل سياسي بالسجن المحلي بالحسيمة

التعاليق (0)
أضف تعليق