محاولات…في التنظيم

إن التنظيم هو تراكم، في النضال و في وعي النضال/الحراك. فهو (التنظيم) ليس عملية تقنية يراد منها تجميع أشخاص لفرز اجهزة ما للقيام بدور ما داخل النسق. فالتنظيم، انطلاقا من أشكاله المتنوعة: اللجنة، تنسيقية، فدرالية، مؤتمر، منظمة، جبهة…حزب، اذا لم يكن مسنود الى وعيه/مستوى متقدم من النضج في بوصلة الصراع و فهمه و ترسيخ ثقافة النقد/الاختلاف و تأبيدها ضد ثقافة التجهيل و القطيع/ الزعيم و الاتباع … على أسس و قواعد تشكل الديموقراطية قطب الرحى في تحديد مساره. سيندثر مع مرور اول هبة ريح خفيفة. و ولادته الحقيقية دائما هي عسيرة، مخاض و مسار مليئ بالتراكمات الكمية، تخضع للغربلة و الفرز عن طريق الممارسة الميدانية و الممارسة النقدية تؤسس جدليا لتلك الطفرات النوعية، إنه الصراع بأم عينيه و شروط خوض غماره هي نفسها المولدة للتنظيم المأمول.””””
استمرار وهج الحراك رهين بالتحول في وعيه، و ما يطرحه من رهانات في تحصينه تنظيميا.
بعد هذه المقدمة ” النظرية” في تحديد أسس التنظيم، دواعيه و متطلباته، سأعود الى تناول و بشكل مقتضب التجارب التنظيمية في الدياسبورا في إطار تنظيم الفعل الحراكي الداعم للحراك الشعبي في الريف و للمعتقلين السياسيين.

تعتبر اللجن المحلية في مختلف مدن اوربا، الاشكال/ القنوات التنظيمية الاولية و الاولى التجأ المناضلون و النشطاء الحراكيون الى الانتظام فيه، للتفاعل نضاليا و إشعاعيا مع حراك الداخل و العمل على فضح جرائم النظام في الريف، حيث تم تحقيق تراكم لا بأس به كميا، في حجم الاشكال الاحتجاجية و بعض مظاهر الاشعاع…لكن افتقاد معظمها الى تصور واضح للعمل و برامج عمل مضببة جعلها تعيش حلات من التذبذب في استمراريتها و انقراض بعض منها، و تواجد بعض آخر على شكل مكاتب فقط في غياب بعدها الجماهيري، أي أصبحت لجانا لذاتها و في ذاتها.

شكلت تجربة التنسيقية الاوروبية مرحلة متقدمة في محاولة تنظيم و تأطير المهجرين/ات في اطار توحيد جهودهم و قواتهم الاقتراحية، آدائهم النضالي و التنظيمي، الا أن هذه التجربة تعثرت بفعل عوامل ذاتية و أخرى موضوعية، يمكن تلخيصها في فتوتها، ضعف و ضبابية تجربة أغلبية ممثلي اللجان المنظوية تحت لوائها مما أفرز و بشكل مرضي النزوع نحو الاتكالية و ترسيخ ” ثقافة” اللاتنظيم و ضعف القوة الاقتراحية، و هذا في غياب واضح لهيكلة التنسيقية و تلجينها و تقسيم و تحديد للمسؤوليات لتكون المحاسبة على أسس و ضوابط تنظيمية،… في الجانب الموضوعي يجب استحضار الدعاية المسموعة لابواق المخزن من مختلف التلاوين، و يمكن اعتبار دعاية بعض “إخواننا” المختلفين مع تجربة التنسيقية منذ بدايتها أكثر ضررا من دعايات النظام نفسه حيث عملوا على تشويهها و التشهير بها و بأعضائها و التعبئة من أجل ذلك، حيث يمكن اعتبار انسحاب بعض اللجان من التنسيقية كان يخدم استراتيجية التشويه و مأزقتها… و كذا صعوبة و تعذر تنسيق جميع المواقع لغياب تصور تنظيمي واضح يؤطر فعل و ممارسة اللجان المحلية في علاقتها “التنظيمية” مع الجهاز التنفيذي اي التنسيقية…
عموما كانت تجربة متميزة جمعت لجانا و مواقع مختلفة و متنوعة، جمعت وجهات نظر متباينة و متقاربة، ما زلنا نعيش تداعياتها السلبية و الاجابية، و لم نستطع انتاج صيغا تنظيمية توازي تجربة التنسيقية، و الاجابة عن سؤال الوحدة. و يمكن اعتبار لقاء فرانكفورت محاولة جريئة للاجابة عن هذا السؤال. فقد حاول ان يكون منسجما مع منطلقاته المبدئية المتجلية في الانفتاح على جميع الفعاليات الحراكية، من لجان و نشطاء …و يشهد له اعتماده الطرق الدموقراطية و القاعدية في مناقشة و صياغة جميع الاوراق: في التنظيم، التصور، برنامج عمل و ميثاق شرف. هذه الاوراق يمكن اعتبارها عصارة أكثر من سنة من النضال تضمنت تجربة التنسيقية، جددت و طورت الافكار المحورية المشكلة للتصور و التنظيم، غيرأنه في اعتقادي ان لقاء فرانكفورت كان سابقا لآوانه، كان يتحتم علينا إنضاج شروطه حتى تستمر أفكاره و تتحقق بعض أحلامه/نا…

و يمكن إدراج المجموعة عمل التي اقترحت نفسها للتحضير للمؤتمر كإحدى الحلقات الاضعف لتداعيات هذا اللقاء، حيث لم تكن لا في مستوى ذلك اللقاء و لا في مستوى و حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، بسبب غياب عنصر الكفاءة ، بل فقط هاجس الحضور من اجل حجز مكان ما داخل المجموعة، الذي لم يكن كافيا لتفعيل أفكار اللقاء، هذا مع غياب بوصلة العمل و عدم استيعاب جدوى تواجد الاغلبية في هذه المجموعة، مما يتراءى و للوهلة الاولى اننا بصدد اعادة تجربة التنسيقية الاوروبية في ابشع و افقر ممارساتها. هذا الفراغ الذي تركته هذه المجموعة و التأجيل المبهم لتحديد تاريخ انعقاد المؤتمر بعد ان دخلت فدرالية فرنسا على الخط في تعزيز فكرة التأجيل لتحملها مسؤولية التحضير اللوجيستيكي للمؤتمر، و اعتبره قرارا صائبا …اصبحنا نعيش فراغا تنظيميا و ترقبا لتحولات ما قد تحدث بين الفينة و الاخرى للعودة الى الاستمرارية في البحث عن إمكانيات العمل الوحدوي بين الجميع في الدياسبورا، في هذا الجانب سيتفاعل الجميع مع مقترح عقد لقاء بروكسيل التشاوري للجنة بروكسيل، كمحطة للنقاش و التداول في ما العمل، تلاه لقاء آخر في برشلونة على هامش مسيرة 21 يوليوز التاريخية. هذه اللقاءات تعتبر مهمة، فهي تشكل صيرورة البحث عن آليات الاشتغال وفق المشترك بين لجان و نشطاء الداعمين للحراك الشعبي و المعتقلين السياسيين. ما دام هي لقاءات تشاورية يتم التداول غالبا في مقترحات الجميع، و بشكل مفتوح، دون اللجوء الى الاوراق، التي تستهدف خلق دينامية الحوار و النقاش مع مختلف الفاعلين على أرضية الحراك و معتقليه، مما شكل استمرارية في محاولات الاجابة عن سؤال التنظيم و التنسيق الميداني. لكن من مظاهره السلبية و التي يجب تجاوزها في المحطات المقبلة، هي الاعتقاد بأن هذه اللقاءات تمتلك منطلقا مغايرا لكل ما تراكم لحد الآن في الدياسبورا، في التنظيم و النضال. هذا الاعتقاد يتجلى في بعض النقاشات التي تحاول الانطلاق من الصفر الكلي للحراك في اوروبا، حيث تعتبر هذه اللقاءات التشاورية، و لو بشكل ضمني بديلا تنظيميا، يمتلك الصبغة التقريرية. و هذا في نظري، يعد خطأ فادحا، يزيد من فداحته بعض ” البيانات” التي خرجت منها هذه اللقاءات، التي لا تعكس بالبتة طبيعة و ماهية اللقاء التشاوري.
اللقاءات التشاورية و التنسيقات الميدانية، طريقتان مهمتان للعمل و النضال. مردوديتها مرتبطة بمستوى التأطير النظري لمنطلقاتها و أهدافها، أي تحتاج لتصور يؤطرها، قصد معرفة أساليب الإستثمار و التوظيف الفعال لها في صيرورة نضالاتنا في أوروبا، لتكون داعمة بالفعل للحراك، لقضية المعتقلين السياسيين، للريف بشكل عام. و كذلك تحتاج الى إنتاج صيغ تنظيمية موازية لكل مرحلة إعدادية أو نضالية، حتى تنضج شروط المؤتمر المأمول، و لا أعتقد أن عن طريق التراكمات الجزئية الحالية، المنجزة عبر هذه اللقاءات، ستهيئ الشروط اللازمة لانعقاد هذا المؤتمر، بل سيكون تسرعا قاتلا، إن لم تتضح رؤيتنا لطبيعة و أهداف مشاريع المؤتمر، حتى لا يُعتبر هدفا في حد ذاته، و نتصارع على فرز زعامات و قيادات، في غياب القاعدة الجماهيرية و تضبيب فلسفة الحراك…

ملاحظة:
سأعود لتناول الشكل “التنظيمي” الصيفي، الجمهوري الريفي في مقال آخر…

عبد الحق بوعزيز

التعاليق (0)
أضف تعليق