مانديلا الكافر.

    مات مانديلا، ووقف العالم بأسره تحية واحتراما لروح هذا المناضل الكبير، الذي أطفأ أكثر من ربع قرن من حياته خلف القضبان من أجل قضية شعب بأسره عانى كثيرا من الويلات تحت نير سياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. رحل ماديبا وجمع حوله كل الفرقاء من مختلف دول العالم حتى بعدما فارق الحياة. وقد كان حفل التأبين الذي نظم في وداعه قبل أيام شاهدا على قيمة الرجل وعلى الإجماع الدولي الذي تحظى به هذه الشخصية المناضلة الفذة.

مانديلا أيقونة حقيقية. إنه رمز من رموز الحرية والإصرار على الإنعتاق من العبودية. هو واحد من الشخصيات التي طبعت القرن العشرين بطابعها الخاص، بل إنه واحد من عظماء التاريخ عبر العصور، لأن قضيته كانت إنسانية بامتياز، وقصته تستحق أن تكتب بمداد من ذهب، وتحكى للأجيال المقبلة. وسيظل اسمه ساطعا حتما، كما ستظل تجربته مثالا يستعصي على التكرار والمحاكاة، لأن معدن مانديلا نادر جدا في هذا العالم. لذلك إذن يحق لكل إنسان، بل ينبغي له، أن يفتخر بقيمة مانديلا ويحتفي بإنجازاته، ويمجد بطولته وتفانيه في خدمة قضية السود في بلاده وفي كل بلاد الدنيا أيضا. والواقع أن موت مانديلا كان مناسبة عالمية لاسترجاع مناقب الرجل واستذكار نضالاته الكبيرة ضد التمييز العنصري. وحدهم المسلمون دون العالمين اختلفوا حول مانديلا. ومرة أخرى أطل علينا بعض شيوخ فتاوى التكفير والإرهاب ليعبروا عن الوجه الحضاري للإسلام والمسلمين على طريقتهم الخاصة. إذ ذهب بعضهم إلى استنكار مظاهر التأثر العالمي بموت ماديبا، ورفض كل أشكال التمجيد والإعجاب التي انهالت على الرجل بدعوى أنه كافر لا يستحق الإستغفار أو الرحمة. بل إن أحد هؤلاء الشيوخ، وهو ” الداعية” السعودي عبد الرحمان البراك أصدر بيانا في الموضوع قال فيه: ” إن مانديلا نصراني كافر، ومن يمجده كافر مثله.” 

     هذا هو النموذج الإسلامي الذي يريد بعض شيوخ الفتنة أن يعبر عن حقيقة الإسلام والمسلمين. وهذه هي خصال الرحمة والتسامح والإحترام التي جاء هذا الدين ليعلمها للبشرية جمعاء. فخرجة البراك لا تعبر، للأسف، عن موقف معزول وشخصي يخص صاحبه وحده، بل تقدم نفسها ناطقا باسم هذا الدين، فلا صوت يعلو هذه الأيام على الغلو والكراهية والتطرف، حتى أصبح الإسلام – بسبب السلوكات التي أنتجها خطاب التشدد – مرادفا في العقل الجمعي لغير المسلمين لكل ما هو غير إنساني وغير حضاري وغير عقلاني، لأن دعاة الوهابية اختاروا أن يسوقوا الإسلام للعالم في صورة قاتمة ومخيفة، يملأها الشر وتلونها دماء الكراهية والحقد. فلماذا يصر تفكير التكفير على تصدير صورة الإسلام بهذه الطريقة؟. لماذا يصر على تقديم القناعات الدينية الضيقة على المشترك الإنساني؟. ألا تستحق التضحيات التي قدمها مانديلا طيلة مساره النضالي قبل السجن وخلاله وبعده أيضا التحية والإحترام من الجميع؟. لماذا يتمادى هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم وكلاء لله في الأرض في الحديث باسم الإسلام والمسلمين؟.

    مانديلا، رمز التسامح والمحبة والسلام يرقد بسلام، والعالم كله يودعه في حزن واحترام، أما شيوخ الفتاوى العجيبة ودعاة الكراهية، فهم في شغل عن كل ما يجري حولهم. إنهم يصنعون الجنة والنار على مقاسهم، ويوزعون صكوك الغفران على كل قاتل ومنفجر كبر باسم الله، أما من يدافع عن القيم الكونية المتمثلة في الإختلاف والحوار والتسامح والسلام والحرية والخير… فهو في الدنيا عميل للغرب والشيطان، وفي الآخرة حطب لجهنم.

وداعا، مانديلا.

محمد مغوتي. 13 – 12 – 2013

التعاليق (0)
أضف تعليق