مؤرخون مغاربة في الفترة المعاصرة: إصدار يغوص في التاريخ البيوغرافي

 نظمت مقاطعة طنجة المدينة يوم 25/ 01/ 2019 م بالمركز الثقافي بوكماخ، قراءة في كتاب مؤرخون مغاربة في الفترة المعاصرة (النصف الأول من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين)، وهو إصدار لباحثين في التاريخ: د: خالد طحطح وذ. محمد بكور، والكتاب صادر عن منشورات مجلة أمل التاريخية، في حوالي 300 صفحة من الحجم الكبير، وهو عمل ينتمي إلى حقل الدراسات الجديدة التي تهتم بالتأريخ للمؤرخين من زاوية سيرتهم وأعمالهم.

وهذه قراءة في الكتاب من قبل الدكتور خالد طحطح: مؤرخون مغاربة في الفترة المعاصرة: إصدار يغوص في التاريخ البيوغرافي

ما السياق العام الذي يمنح مشروعية تناول كتابة السير الفكرية الموجزة لشخصيات تنتمي إلى قرن عالجته العديد من الدراسات الأكاديمية بكثير من الأبحاث المونوغرافية والموضوعاتية؟ ذلك ما تناولته بتفصيل مداخلات المشاركين في القراءة، فقد قدم أستاذ التاريخ بجامعة عبد الملك السعدي الدكتور عبد الحفيظ حمان مميزات الكتاب، وأبرز بعض القضايا الرئيسية التي تطرق إليها الباحثان، في حين وضع الباحث أسامة الزكاري الكتاب في سياقه العام، باعتباره كتابا تجديديا في حقل الكتابة التاريخية المغربية، حيث أبرز أهمية المدخل البيوغرافي في دراسة التاريخ.

وبعدهما تناول الكاتبان محمد بكور وخالد طحطح الكلمة، ليفتح المسير د. عبد السلام المنصوري باب النقاش. ما السِّرُّ في العودة إلى الاهتمام بالتاريخ البيوغرافي والبروسوبوغرافي مجددا؟ يتساءل المؤلفان في كتابهما؟ لقد عادت السيرة إلى العلم التاريخي -حسب جاك رانسيير- فبعد مرحلة طويلة من الشك بدأتها مدرسة الحوليات الفرنسية، عاد المؤرخون فأنصفوها وكرَّس لها عدد منهم، خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ما لديهم من طاقة، وترافقت هذه الحظوة الجديدة بتبريرات مختلفة تثبت شرعية هذا الجنس الأدبي بين الأعمال التاريخية العلمية.

إن الأمر يتعلق بعودة الاهتمام بالفرد بعد أزمة تيار البنيوية الذي هيمن على الحقول المعرفية لعقود، وقد ساهمت السوسيولوجيا والاثنولوجيا بقوة في النجاحات التي بدأ يعرفها النوع البيوغرافي خلال مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث بثَّت السوسيولوجيا الجديدة بالإضافة إلى أنصار تيار الميكروتاريخ (التاريخ المجهري المصغر) الروح من جديد في كتابة السير وإعادة الاعتبار للحياة ومعانيها، فالفرد كان يعتبر إلى ذلك الوقت خارجا ومبعدا عن ساحة الخطاب العالم، وقد ردَّت السوسيولوجيا والاثنولوجيا الاعتبار له. بل يمكن اعتبار السيرة الحل الفعلي لكل التناقضات السالفة، فهي تستحضر الفرد والجماعة، والزمن القصير والزمن الطويل، والعالم الخاص والعالم العام. يتعلق الأمر أيضا بتجديد شروط مهنة المؤرخ وأدواته ومناهجه في ظل الأزمة التي عرفها التاريخ منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، فهناك اليوم عودة قوية ومكثفة إلى البيوغرافيا والبروسوبوغرافيا وإلى الوقائع والأحداث السياسية، لكن من منظور جديد وبرؤية مختلفة، ففي كتابة السيرة، مثلا، لم يعد التركيز على الجوانب الشخصية للفرد هو الهدف الرئيسي، وإنما تبيان سياقات أحداث العصر، وطريقة تفاعل هؤلاء الأفراد معها كتابة وفكرا وانخراطا.

من جهة أخرى فإن الاهتمام بالمؤرخين واتخاذهم موضوعا للبحث التاريخي يستند إلى تصور منهجي ورؤية عميقة تأخذ بعين الاعتبار الدور الوظيفي للتأريخ والمؤرخ، وبالتالي أهميته في الكشف عن ثقافة العصر التي عاش فيه المؤلفون وكُتَّاب التاريخ، والكشف أيضا عن المواقف العامة التي تتصل بتلك الثقافة؛ إذ لا تنحصر الغاية في الاطلاع على حياة المؤرخين وإنتاجاتهم فقط، بل الأهم من ذلك سبر أغوار المكون السوسيو- ثقافي والاقتصادي والسياسي للمرحلة انطلاقا من رصد مكونات أجزاء الخطاب التاريخي باعتباره جزءا غير منفصل عن ذلك الواقع. هناك ثلاث أسباب تدعو لكتابة سيرة حياة المؤرخين حاليا.

الأول يتمثل في الحاجة الملحة لفهم أعمق وجيد لأعمالهم مرورا بمشوار حياتهم. والثاني: للحُكْمِ جيِّدا على أعمالهم من خلال قراءة تنبَنِي على الشك والريبة وتبحث عن النشاز والتنافر بين ما هو معلن وبين الواقع المعاش. الثالث: أن بيوغرافيتهم لا تكون موجهة بالضرورة للمختصين الأكاديميين والباحثين الجامعيين فقط، وإنما للقُرَّاء العاديين لمساعدتهم على فهم جيد لأفكارهم، هُنَا تًصبح السيرة بديلا عن قراءة أعمالهم الكاملة بالنسبة لغير المتخصص. ويمكن القول إن محصلة المقاربات المقترحة في هذا العمل، والتي مَتَحَتْ مِنْ متن مصدري متنوع شمل المدونات التاريخية لهؤلاء المؤرخين والأعمال التي أُنتجت على هامش الاحتفاء بهم، مكنت من تعقب علاقة التأريخ بتمثل الماضي والحاضر وربطهما برهانات المستقبل.

لا يطمح الكتاب كما صرح المؤلفان في التقديم إلى الإحاطة بجميع المؤرخين الذين عاشوا خلال المرحلة المدروسة، لأن أعدادهم تصل بضع عشرات، وقد تأتي الفرصة لاستكمال المشروع بأجزاء أخرى حسب ما يستشف من مقدمة وخاتمة الكتاب. نقف في الفصل الأول مع نماذج من مؤرخي القرن التاسع عشر، وقد وقع الاختيار على محمد بن أحمد أكنسوس وعلي بن محمد السوسي السملالي وأحمد بن الحاج السلمي وأحمد بن خالد الناصري ومحمد بن إبراهيم السباعي وعبد السلام اللجائي العمراني، ومحمد المشرفي وركَّز المؤلفان على استوضاح مواقفهم ومنظورهم لقضايا الإصلاح في تلك الفترة العويصة من تاريخ المغرب التي تميزت بتزايد الضغوط الأجنبية، وخضع الترتيب للمبدأ الكرونولوجي. بينما تناول الفصل الثاني فترة النصف الأول من القرن العشرين، وهي الفترة المهمة التي وجد فيها مؤرخو تلك الفترة أنفسهم وجها لوجه أما الحماية الأجنبية. وقد اختلفت منظوراتهم لقضايا المرحلة بين مواكب لأحداثها وبين من ركن للبحث في فترة الماضي تهربا من الواقع، فالفترة التي عالجها هذا الفصل اتسمت بالعمق وسرعة التحول من مجتمع مستقل مُكْتَفٍ بما عنده، راض بثقافته التقليدية الموروثة، إلى مجتمع مُسْتَعْمَر، مُقبل على ما عند الآخر من منتوج مادي وثقافي مختلف، متعطش لأسباب النهضة والارتقاء.

هذه الظروف كانت مدعاة لانتعاش الكتابة التاريخية بشتى تلاوينها، وإقبال النخبة العالمة على البحث في الماضي القريب والبعيد، للاطلاع على تجارب الأجداد، وأخذ العظة والعبرة كما هو معلوم من خلال مقدمات كتاباتهم. وقد تعقبا المؤلفان الكيفية التي أفصحت بها مدونات هؤلاء المؤرخين عن انقلاب الظرف وانكسار مسار التاريخ الذي انقلب على قوانينه حين غدر بالمسلمين ومكَّن للأعداء من النصارى. ومن ثم فإن هذه المتون تُساعد على تركيب صُوَرٍ متنوعة بخصوص مدلول الأزمة التي اعْتَرت مسيرة المجتمع المغربي، وهي صور تعكس “الحراك الاجتماعي” آنذاك وخلفياته المتباينة.

إن الشخصيات التي تناولها المؤلفان في كتابهما مؤرخون مغاربة في الفترة المعاصرة بالبحث تفاعلت بشكل كبير مع قضايا العصر ومستلزماته، وهي وإن كانت تتوافق على نفس الغايات والأهداف، فقد اختلفت في المنطلقات استنادا إلى أصولها الاجتماعية ومواقفها السياسية ومواقعها من السلطة. ومن هذا المنظور خلفت تراثا غزيرا ومتشعبا، لا زال لم يُتعامل معه كموضوع للدراسة. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب النوعية.

التعاليق (0)
أضف تعليق