لا للتطبيع مع الفساد

     اختار السيد عبد الإله بنكيران أن يبدأ سنة 2014 على إيقاع خرجاته الإعلامية المثيرة للجدل، وبعفويته المعهودة وانفعاله الحماسي وجه اتهامات لشخصيات حزبية لم يأتي على ذكر أسمائها بتهريب الأموال إلى الخارج. وبالرغم من أن كلام رئيس الحكومة يأتي في سياق لعبة شد الحبل بينه وبين أطياف المعارضة وعلى رأسها حزب الاستقلال، فإن صدوره في جلسة برلمانية وعلى مرأى ومسمع من ملايين المغاربة، ينبغي أن لا يمر مرور الكرام، فهل يمتلك بنكيران الشجاعة الكافية ويكشف للرأي العام البيانات والأدلة التي تدين هؤلاء؟. وهل يتحول شعار محاربة الفساد إلى واقع عملي بعيدا عن المزايدات السياسية؟.

   لقد أثبتت التجربة الحكومية التي أفرزتها انتخابات 25 نونبر 2011 أن البيجيدي- الذي يتباهى بالشرعية الانتخابية والثقة الشعبية – لا يمتلك أية رؤية سياسية واقتصادية واضحة المعالم لمواجهة الاستحقاقات والتحديات التي تواجه المغاربة. لذلك تمثلت أهم الإنجازات التي حققتها الحكومة (بنسختيها الاثنتين حتى الآن) في نقل لغة الشتم والسب و” المعيور” من مستواها العامي إلى قبة البرلمان في الرد على خصومها السياسيين في المعارضة، وهي لغة متبادلة على كل حال. لكن بنكيران كان موقدها ووقودها أيضا في كثير من المواقف. فقد اشتهر في بداية ولايته الحكومية باتهام “العفاريت والتماسيح” بعرقلة خيار الإصلاح الذي قدم نفسه كمدافع عنه، غير أن حرصه على الحديث بالمرموز لم يشفع لطبعته الحكومية الأولى بالاستمرار، ومنذ القرار الذي اتخذه حزب الإستقلال بالإنسحاب من الحكومة والإنضمام للمعارضة، لم يفوت بنكيران وشباط أية فرصة للنيل من بعضهما البعض بمناسبة أوبدونها.

    واليوم يعود الصراع بين الرجلين إلى الواجهة من جديد على خلفية تصريحات بنكيران الأخيرة التي وجه فيها تهما خطيرة لقيادات سياسية تنتمي لحزب الميزان. وبغض النظر عن التداعيات القانونية التي يمكن أن تنتج عن خرجة بنكيران، فإن للشارع المغربي كل الحق في فهم حقيقة تصريحات رئيس الحكومة، لأن الموضوع يهم كل المغاربة، ويتعلق بقضية فساد يعلن عنها مسؤول حكومي رفيع المستوى. فهل آن الأوان ليغير بنكيران خطابه من المرموز إلى الواضح؟. وهل كان بنكيران قادرا على توجيه اتهامه هذا لو ظل حزب الإستقلال طرفا في الفريق الحكومي؟. يبدو إذن أن الأمر يتعلق بعملية تصفية حسابات سياسية تندرج ضمن نفس القاموس الذي تعود المغاربة على متابعته في كل جلسة برلمانية يحضرها بنكيران. لكن رئيس الحكومة( الذي منح لنفسه الحق في ممارسة “التبوريدة” في البرلمان) مطالب اليوم بتقديم التوضيحات اللازمة لعموم الشعب المغربي، وعليه أن يضع نفسه رهن إشارة القضاء ليدلي بكل المعلومات التي يمتلكها في هذه القضية، كما ينبغي على وزير العدل أن يسارع بتحريك مساطر المتابعة القضائية في حق كل المعنيين باتهامات بنكيران. أما إذا كان كلامه مجردا من أي دليل مادي للإدانة، فإن تقاليد الفعل الديموقراطي تحتم على بنكيران أن يتقدم باستقالته، لأن ما صدر عنه ليس مجرد حرب كلامية عادية بين خصوم سياسيين، خصوصا وأنه تم داخل مؤسسة دستورية.

   لقد عودنا وزراء بنكيران خلال السنتين الأخيرتين على إصدار اللوائح، دون أن يصاحبها أي سلوك عملي يظهر عزم الحكومة على محاربة الريع والامتيازات، ويبدو أن قصة العفاريت والتماسيح قد عادت إلى التداول من جديد… لكن يبدو جليا أن بنكيران لن يصدر لائحة بأسماء ناهبي المال العام ومهربيه كما ادعى في خرجته البرلمانية، لأنه ببساطة لا يمتلك الجرأة والإرادة اللازمتين، ولأنه اختار التطبيع مع الفساد منذ أن أصدر فتوى: ” عفا الله عما سلف”. ومع ذلك يجب على كل الهيئات والتنظيمات الجمعوية المهتمة بالشأن العام أن لا تسكت عن الموضوع، مادامت حكومة “إسقاط الفساد” لا تمتلك القدرة على مواجهته عمليا. ومادام كلام بنكيران لا يعدو أن يكون جعجعة بدون طحين

التعاليق (0)
أضف تعليق