* في صحبة “الكاتب المشرد” *

” الكاتب المشرد”* باقة نصوص إبداعية التأمت في جسد كتاب…لكنها نصوص متميزة بتحررها و تمردها، لذلك يصعب القبض عليها لتجنيسها أدبيا. و على الأدق – و هذه هي الصفة الأساسية التي بدت لي تنطبق أكثر من غيرها على أغلب هذه النصوص – فهي نصوص حلمية Textes oniriques..أي هاربة و مخاتلة.
ذلك أنها لا تخضع،رغم طابعها السردي، لتسلسل خطي، بل قد تفاجئ أفق انتظار القارئ في أي وقت. و هي تتخذ أحيانا شكل التماعات وضاءة أقرب إلى الرؤيا الشعرية منها إلى الحكي القصصي. لذلك تتجلى قوة علي العبوتي الأدبية في قدرته على جعل خياله المنفلت من عقاله يستريح عندما يهده التعب على رصيف الكلمات، و القراء/المارة يتوقفون محملقين فيه و هم ينظرون إلى بعضهم البعض.
إنها نصوص مدرحة في “جنات اصطناعية” تتحول أحيانا إلى حمم بركانية يقذف بها الكاتب كجمرات صادرة من قلبه. و هكذا نجده موزعا و مشردا بين متابعة الأحداث التي تجري على خشبة مسرحه الداخلي؛ و تلك التي تحصل خارجه، و لا يجد بدا من التفاعل معها بحساسيته المرهفة و هو يحاول أن لا يصادر أصوات الآخرين بمبرر وصاية أو تعالي وهميين.
و هذا الترحل بين الداخل و الخارج، بين الإنطباع impression و التعبير expression ، بين الأحاسيس و الإحساسات يشرده حد الغجرية، إذ يفرض عليه عدم الإستقرار في مكان واحد Ecrivain SDF . كل هذا يجعل العوالم التي يحكي عنها متأرجحة حد الترنح بين الوضوح أحيانا و الغموض غالبا، إذ تغشاها رمادية و ضبابية تجعل الكاتب نفسه يتيه.
و لعل نص “ضباب” أبلغ تعبيرا في هذا المقام، حيث يقول فيه : ” ضباب..ضباب يسير على أقدام سبع، شمس بين الأقدام، أين رماد الشمس؟ أينني؟…قبل أن أنام خشيت من حلم داخل الحلم. ” (ص27).
لكن رغم ذلك يحرص الكاتب على الوضوح في علاقته بمن يسميه “جلالة القارئ” و ينبهه إلى أن الكتابة عنده مجرد لعبة، لكنها لعبة جدية يواجه/يبارز فيها ذاته كلاعب نرد وحيد في مواجهة الرقعة/الورقة و أقراص اللعب/الكلمات ( نص “الكاتب المشرد يلعب البارشي”. ص5 ط2). لكنه يذهب أبعد في توضيح ميثاقه مع المتلقي و يكشف عن دافع الكتابة لديه إذ يقول : ” أنا شخصيا لا أكتب لأداوي جروح الناس، بل أعبر عن جروحي لهم كي لا يدوسوها عن غير قصد، لأنهم عميان” (ص76).
بمعنى أن الكتابة عنده بوح يطفئ الحرائق الداخلية و ترياق ضد الجروح النازفة للذات المرهفة و العاجزة عن السكوت عن بؤس الواقع و انسحاق الذات بين سندان الألم الذي لا يريد أن يمضي و مطرقة الأمل الذي لا يريد أن يتحقق. و يعبر عن هذا المعطى في أحد المقاطع بقوله : ” لا تسأل يا صديقي، و لا تلح على سماع الجواب، فكل ما في الأمر أنني جرحت مرتين: مرة حين مشيت نحو الحب على حد السيف، و مرة حين لم أصل و عدت إلي زاحفا…و الحب قفص كبير ظننته مرادفا للحرية” (ص53/54)…
و إجمالا يمكن تقسيم نصوص هذا الكتاب إلى نوعين : نصوص خارجية ينسحب فيها الكاتب إلى الوراء ليترك الواقع يتكلم كما تنقله له حواسه ( “زيتوننا أولا”، “الأيادي الجديدة”، “الكلاب و الغابة”، ” الكاتب المشرد”…). و نصوص داخلية كتبها – كما يقول – بعقل جامح و قلب طافح (ص72) حيث يغوص في متاهات ذاته ليخفف من وطأة خيباته الحارقة و يتخلص من رمادها ( “ضباب”، “ومضات سوداء عن حب بلا لون”، “بوح ما بعد القصيدة” …).
لكن ما يضفي على هذه النصوص رونقا خاصا هو أسلوبها الباذخ في أناقته، إضافة إلى الإنزياحات الدلالية التي تجعل الكاتب يرى الكائنات بطريقته الخاصة التي لا تخلو من شعرية، حيث تغدو ” القبلة نار تشتعل بين الشفتين” (ص54) و يبدو القمر ” شماعة أعلق عليها تفاصيل حزني” (ص15).
رشيد المساوي

  • توضيح : هذه القراءة – مع بعض التصرف – هي في الأصل تقديم لهذا الكتاب في المعرض الجهوي للكتاب بالحسيمة بتاريخ 3 يوليوز 2019 .
  • علي العبوتي : الكاتب المشرد . منشورات سليكي أخوين-طنجة .الطبعة الأولى 2016. الطبعة الثانية 2018.

رشيد الموساوي

التعاليق (0)
أضف تعليق