في الرد على دعوات إلغاء أحكام الإعدام بالمغرب.

لا زال الاختلاف في الرؤى والتصورات حول تطبيق مجموعة من الشرائع والقوانين قائما بين مجموعة من المهتمين بالشأن الفقهي والقانوني والتشريعي في العديد من القضايا والمنازعات والسلوكات والجرائم، بداخل كل المجتمعات المعاصرة، في خطوة من جانب الفقهاء والحقوقيين والفلاسفة والمفكرين والباحثين، لأجل بناء حياة طبيعية، بعيدا عن استيهامات مثالية، مجتمعات تصان فيها الحقوق الطبيعية والمكتسبة والكرامة الإنسانية، مجتمعات لا تهدر فيها حقوق الفرد والجماعة والمؤسسة، ومبنية على إطار من الالتزامات والواجبات والمسؤوليات، مع البحث عن آليات تكريس إرساء قضاء وعدالة اجتماعية ، كل من وجهة نظره، لتتأرجح تلك أو أخرى بين الإبقاء أو الإلغاء أو التسويغ أو التعديل أو الاجتهاد في إحلال العقوبات والحدود على كل جريمة أو سلوك أو فعل مخالف للأنظمة الاجتماعية حسب كل مجتمع على حدة، وهو ما تشهد عليه حياة المجتمعات وفق التصورات الفقهية والفكرية والثقافية والأيديولوجية من جهة ، ووفق التطورات التي تعرفها على مر أزمنتها، من جهة أخرى .

   ففي هذا الإطار، فالمجتمع المغربي لا يخرج عن دوائر وسياقات التفاعلات والتجاذبات والنقاشات في ما يخص التشريعات على مختلف الجبهات، وخاصة أنه انخرط ، بشكل واسع النطاق، في الثقافة الحقوقية على مستويات عدة، الوطني والإقليمي والدولي، مما جعل المغرب يقطع على نفسه ويتعهد بمجموعة من الالتزامات، بالرغم من التضارب والتناقض والتحفظ  في كثير من التشريعات والقوانين والمدونات على اختلاف مجالاتها، إلا انه يجب على الدولة والمجتمع أن يعملا على سن  قوانين وتشريعات تحفظ المصالح العليا المقدسة للبلاد وكل المواطنين، ولا يجب التنازل عن أية قاعدة قانونية تكون بمثابة صمام الأمان أمام الاختراقات والتجاوزات الممكنة لها، بدعوى التقدمية والتمدن وشعارات الحداثة المتبناة من قبل من هم فعلا يحملون هم كل هذا أو من طرف من يريدون القفز على واقع يكرس ويؤسس التكييفات المناورة للتنصل من المسؤوليات الجنائية من دون تنزيل العقوبات الضاربة على أيدي الذين تسول لهم نفوسهم للنيل من الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحقوقي، وهنا تكون المطالبة بعدم الانجرار وراء الدعوات كيف ما كانت مرجعياتها وتياراتها وأشخاصها، والوقوف في وجه من يؤدلج كل التشريعات المناوئة لكل مصالح المجتمع العليا، وهو ما نلمسه في هذه الآونة من تأجيج للنقاش حول المطالبة بالإلغاء أو الإبقاء على عقوبة الإعدام بالمغرب، كل من موقعه الخاص ووفق التكييف النظري والثقافي الحقوقي لدى كل طرف من هذا أو ذاك، لتطرح التساؤلات العديدة بخصوص هذه العقوبة في علاقاتها بالحقوق الفردية والمؤسساتية والمجتمعية، وكذا بعلاقاتها بمجالات الانتهاكات الممكنة في حق المصالح المجتمعية برمتها والمهدمة لأركانها وأسسها، وبمدى التكييفات التشريعية الضامنة لقدسيتها، إذن، ما هي الجرائم التي تسحب بساط الأمن بكافة مستوياته من تحت أقدام المجتمع المغربي، وتنال من استقراره في مختلف حقوله، وتهدده بتقويض أركانه ؟ ما هي المجالات المجتمعية التي تكون عرضة التدمير لكل فعل جرمي يستهدف مصالح المواطنين وقداسة الحقوق الفردية والمجتمعية والحضارية  ؟ وهل الدعوات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام بالمغرب تخدم المغاربة في شيء، أم أن أصحاب هذه الدعوات يستثمرون عدم وعيهم بالقضايا الجوهرية في أمنهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي ؟ .

    للتشريعات أهداف تتوخى تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات لمجتمع ما و حفظ كياناته في كل مجالات حياتها وصونها من كل تهور أو انزلاق أو خرق لكل المبادئ والقواعد المتفق عليها، بنسبة ما، وذلك لأجل الاستقرار والبناء وتحقيق الأمن بكافة مستوياته، والعمل على بلوغ المقاصد السامية التي يهدف إليها الشارع بسنه لهذه النواميس والقواعد التشريعية، ومن ثمة تحقيق الأهداف الحضارية لأمة بأكملها، إذن، لنتساءل على ضوء هذه الفقرة الأخيرة، هل المشرع المغربي بإبقائه على عقوبة الإعدام في تشريعاته يخدم مصالح البلاد والعباد، أم أن هاته العقوبة يكون تنزيلها على جرائم بعينها ويلغيها في قضايا ونوازل أخرى أكثر وقعا على مسار الأمة بأكملها في تحقيق الرقي والتقدم انطلاقا من مفاهيم الشأن العام ؟ .

    إن المجتمع المغربي يعرف جرائم  عديدة، وخاصة أنه لم يرس مبادئ العدالة الاجتماعية بصورة كاملة، تجعله مهددا في أمنه العام، لذا يبقى مطالبا بتشريعات صلبة في مواجهته لهذه الجرائم بيد من حديد، وبأقسى العقوبات للردع والضرب على أيدي كل من خالفها ووقف في وجهها بشكل يخل بالسير الطبيعي والسليم لمسارات المجتمع في كل مجالاته عموما، ولو كان ثمنها حياة فرد، لا ينفع معها سلب الحرية بين جدران زنزانة، ومن هذه الجرائم ، جرائم المال العام ، وجرائم الاغتصاب التي تستهدف الأطفال ، وجرائم القتل العمد، كل هذه الجرائم تعمل على تقويض كل أركان المجتمع المغربي، وخاصة أنها عرفت انتشارا واسع النطاق، وفي كل ربوعه، تأتي على تدمير كل قاعدة تساهم في تصحيح الاختلالات والتوازنات العامة للمجتمع المغربي، في أفق شمولية الأمن الخاص والعام للأفراد والمؤسسات والمجتمع، ولذا نرى أن من الضروري الإبقاء على عقوبة الإعدام في هذه الجرائم، وأن تطبق بشكل صارم، وفق ضوابط محكمة لا تفسح مجالا في التكييف الجنائي للواقعة لأي غموض أو أية شبهة أو لبس قد يسمح لمرتكب الفعل الجرمي بالإفلات من العقوبة القاضية بثمن حياته جملة، لما في هذه الجرائم من أخطار مرتفعة الثمن على المجتمع كلية .

    لذا، فكل هذه الجرائم، كل على حدة، تنفي كل إمكانية للاطمئنان والسكينة والسلامة والأمن المجتمعي بكافة مستوياته،    فالجرائم ذات الطابع المالي والتي تستهدف العصب الرئيسي لحياة أمة بأكملها، والتي تكرس الفساد والاستبداد والفوارق الطبقية والتحكم والسيطرة والاستغلال البشع لكل الثروات والخيرات، وهو ما يعدم كل إمكانية للإقلاع التنموي والنهوض الحضاري، أما جرائم الاغتصاب التي تغتال القيمة الإنسانية الأولى والبذرة السامية والجوهرية في الوجود الإنساني الأولي المتمثلة في قيمة البراءة، والتي تنعكس سلبا على نفسيات الأطفال المستهدفين وعلى الكل المجتمعي عامة، مما يخلق فوبيا مرعبة في حياة الجسم الاجتماعي، وتعدم كل إمكانية للسلامة النفسية والاجتماعية، فإنها تستحق أحكام الإعدام لمرتكبي هذه الجرائم البشعة في حق براءة أسس وركائز المجتمع المغربي، وكذا جرائم القتل العمد التي تزهق أرواحا عن قصد وإصرار، بدافع الانتقام أو تصفية الحسابات أو غير ذلك من الدوافع الممكن تجاوزها، والتي تجعل الإنسان المغربي مهددا في حياته باستمرار، ولو بفلتة لسانية تكون عاقبتها القتل العمد من طرف من تسول له نفسه ذلك، وهو ما يدفع الإنسان المغربي للإنزواء خلف ردة سلبية في مواجهة خصمه خوفا على حياته وكل من له علاقة به، لذا وجب الوقوف أمام هذه الجرائم بأحكام لا تسمح بالتعليل الواهي في ارتكابها، ما دامت تقض مضجع حياة الأفراد والمجتمع معا في كل حركاته وسكناته ,

    ولذلك، فكل هذه الجرائم التي تم تناولها في هذه الورقة، جرائم المال العام وجرائم اغتصاب البراءة وجرائم القتل العمد، كلها جرائم لا تسمح لنا بالتسامح وسن تشريعات لا تحفظ كيان الأفراد والمؤسسات والمجتمع، ومن هنا لا نوافق الرأي القائل بإلغاء أحكام الإعدام ضد مرتكبي هذه الجرائم , لما تنتجه من أخطار هدامة، وخاصة أنها تعمل على تقويض كل ركائز ولبنات روح البناء السليم للمجتمع المغربي جملة وتفصيلا ..

التعاليق (0)
أضف تعليق