فيروس كورونا، تفشي الجوع قبل الجائحة

عاصم العبوتي

بدت ملامح مدير منظمة الصحة العالمية “تيدروس أدهانوم غيبريسوس” واجمة، حاجبيه منخفضان، مقطب الجبين وبنبرة خافتة تخفي وراءها هلع وخوف؛ أن فيروس كورونا “كوفيد 19 المستجد” وباء عالمي، كنتُ ممن يتابع الأخبار العالمية والوطنية والمحلية بانتظام عبر القنوات الرسمية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قرأت أن منبع الوباء “ووهان” الصينية ومنها انتقل وانتشر الفيروس الغير المرئي إلى باقي بلدان العالم القريبة والبعيدة، تعددت أساليب انتقال العدوى؛ عن طريق القُطيرات الصغيرة التي يفرزها الشخص المصاب بكوفيد-19 من أنفه أو فمه عندما يسعل أو يعطس أو يتكلم، عبر المصافحة، عبر التقبيل، وغيرها من وسائل انتقال العدوى التي حددتها منظمة الصحة العالمية، مع حرصها على إبقاء مسافة أمان حددت في متر واحد أي مسافة ثلاثة أقدام بين شخص وآخر، مع إلزامية وضع الكمامة وقاية من تفشي الفيروس، كل هذا يعرفه كل شخص في أقصى بقاع العالم، تناولتُ الخبر و الأخبار المتناسلة يوما بعد يوم بنوع من الهدوء والتروي في الحكم أولا: هل هو بلاء من عند الله أم أنه وباء من صنع البشر؟

تذكرتُ حدثا استأثر حينها بحديث الصحف العالمية الرياضية منها بالخصوص، المتمثل في التصريح الذي أدلى به لاعب نادي أرسنال الإنجليزي الألماني-التركي مسعود أوزيل الذي تضامن فيه مع الأقلية المسلمة في الصين “الإيغور”؛ وقد تلى هذا التصريح تغريدات وتصريحات كثيرة من كل بقاع العالم تؤيد في مجملها ما أدلى به اللاعب الألماني المسلم ونال حقه من الثناء ما لم ينله في رقعة الملعب كلاعب كرة قدم، أسابيع قليلة بعد هذا التصريح ظهر الوباء وأعلنت الصين حالة استنفار قصوى وأنها دخلت مرحلة الخطر، حينها طفت على الساحة الافتراضية تدوينات وتغريدات تشابهت فحواها وإن اختلفت صياغتها؛ أن ما حدث في الصين هو بلاء من الله تعالى عقابا على الاضطهاد الذي يعانيه المسلمون في الصين، لكن وفور انتشار العدوى في كافة البلدان العربية- الإسلامية، التزم الجميع الصمت ونسوا توظيف نعت الداء بالبلاء واتفقوا على تسميته بالوباء كما سمته منظمة الصحة العالمية، مع اختلاف في تفسير ما يحدث أنها حرب بيولوجية، مؤامرة، حرب عالمية ثالثة بلا أسلحة، صراع صيني أمريكي على من يحكم العالم؛ بعدها تفاعلت من منطلق الوقاية خير من ألف علاج مع الوباء وقيدت نفسي في الشقة التي أكتريها بمدينة مرتيل وتفانيت من إيماني التام أن كورونا أكانت مؤامرة أم بلاء أو وباء، فهي تردي ضحاياها الواحد تلوى الآخر غير مكترثة أحيانا بالسن ولا الصفة رغم أن ما تناولته المعطيات أن كوفيد 19 يقتل الشيوخ ويعزز من فرص الشباب في النجاة وأن نسبة وفيات النساء ضئيلة مقارنة بالرجال، لا أدري لأي مسند علمي طبي يمكن أن نربط هذا المعطى غير أننا نتقبله مادام صادرا عن منظمة صحة عالمية لا يمكن أن نطعن في معطياتها، ولا يهمنا حاليا إلا أن نتفادى الفيروس ونقي ذواتنا منه علنا ننجو منه وتكون لنا فرصة أخرى للنجاة.

لقد شكلت كورونا منعرجا هاما في حياتنا، تمخض الفيروس فولد ملامح جديدة لم يكن المجتمع المغربي قد استعد لها بل كان يعيش حياته الطبيعية التي عهد تفاصيلها اليومية الروتينية المملة أحيانا لكنه لم يدرك أن الحياة ستتغير وسيكون لزاما عليه أن يتكيف مع حياة جديدة جل ساعات أيامها عزوف عن الخارج ومكوث طوعي إلزامي في الداخل، البعض استصاغ الأمر من زاوية أنها مجرد أيام وتعود الحياة إلى طبيعتها، لكن ومع تمديد حالة الطوارىء وحين استشعرت غالبية الأسر وبالأخص المعيل الأول للأسر بصعوبة الأمر خصوصا مع توقف دخلهم الشهري عن عملهم الغير المهيكل؛ مما يشكل بالنسبة لهم حالة خطر يتمثل في نفاذ المؤونة والحاجيات الضرورية للعيش، الشيء الذي ينذر بالجوع رغم التطمينات التي تبقى رغم ما يقال أنها ناجعة؛ إلا أنها لا تفي بالغرض وتبقى مساعدات يتيمة لا تغطي كل الحاجيات مما سيخلق مشكلا خطير إذا لم يتم تداركه خصوصا بالنسبة للعائلات التي تعيش تحت عتبة الفقر وتعاني من الهشاشة الإجتماعية، إذا لم تأخذ التدابير العاجلة ومعها لن يشكل تمديد حالة الطوارىء أي مشكل للعائلات الفقيرة، وكل هذا في صالح الجميع للحد من انتشار هذا الفيروس والقضاء عليه، أو على الأقل التفكير في الرفع منه تدريجيا وفق استراتيجية واضحة تقوم على الجهوية أو الإقليمية في بادىء الأمر، لأن القفف الغذائية تبقى يتيمة ولا يمكن أن تفي بالحاجة خصوصا للعائلات التي يتعدى عدد أفرادها الخمس أو الست أفراد.

حين تم الإعلان عن توقف الدراسة في السادس عشر من مارس وما تلى ذلك من بيانات وتوضيحات من وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي التي أعلنت الانتقال إلى التعليم عن بعد كخيار مؤقت للحفاظ على السير العادي للعملية البيداغوجية، تناسلت الكثير من الشذرات والتدوينات من طرف التلاميذ والطلبة وبعض الأساتذة في جميع الأسلاك التعليمية مجلمها تسخر من المقترح/البديل، يعزون ذلك إلى أن الأمر لا يمكن أن ينجح في ظل الطريقة الفجائية التي أعلن بها البلاغ من جهة ومن جهة أخرى عدم الأخذ بعين الاعتبار تلاميذ وطلبة العالم القروي المحرومين من وسائل الاتصال كالهاتف واللوحات الإلكترونية والحواسب وغياب شبكة الإنترنت عن معظم هذه القرى والمداشر التي يعيش فيها هؤلاء الطلبة والتلاميذ مما يعني حرمانهم من متابعة هذه الدروس عن بعد وعدم الانتظام في تقديم هذه الدروس وتوزيعها على أكثر من قناة وموقع إلكتروني، مما يعني عدم الدوام الدائم للفئة المتعلمة لهذه الدروس حتى بالنسبة للذين توفرت عندهم وسائل الإتصال، إضافة إلى غموض ملامح اجتياز الامتحانات وتناسل الإشاعات من هنا وهناك دون أن تتكفل الوزارة بإعلان مواقيت الامتحانات وطريقة اجتيازها لأن غالبية التلاميذ والطلبة ترسبت في أذهانهم فكرة “السنة البيضاء”، خصوصا لدى تلاميذ الأسلاك ما دون الجامعة والتكوين المهني.

إننا لسنا أمام صراع مع فيروس كورونا للحد منه والقضاء عليه فقط بل أمام ما تمخض عنه من مشاكل جمة يجب علينا أن نعيها ونفك شفرتها حتى لا نكون أمام معضلات أخرى ستأخذ منا وقتا طويلا لعلاجها وحلها، كمشكل الفقر والجوع ومسألة نجاعة التعليم عن بعد الذي يعد راهنا أساسيا خصوصا مع اقتراب الامتحانات في كل الأسلاك وعدم الانتهاء من برنامج الدروس والمحاضرات عن قرب، لأن الاكتفاء بالدروس المقدمة عن بعد فقط لا يمكن أن تفي بالغرض خصوصا في ظل التفاوت الطبقي لدى الطلبة والتلاميذ، وإلى حين ذلك يجب علينا كشعب واعي أن نمتثل للحجر الصحي كوقاية لنا ولعائلاتنا، لكن على الدولة أن تجد الحلول أيضا للمتضررين.

ما لا شك فيه أن الوضع ما بعد كورونا سيكون أكثر تعقيدا وسنتحاج إلى وقت طويل للتكيف معه، ولعل الفئة الأكثر تضررا على المستوى النفسي هم الأطفال، لقد ولد الحجر الصحي أمراض نفسية مزمنة كالاكتئاب والقلق والأرق، مما يفرض وضع حلول مستعجلة للأطفال بالخصوص تتيح لهم الفرصة للمشي واللعب لمدة ساعة على الأقل حتى لا يتأزم الوضع عندهم خصوصا أن غالبيتهم لا يفهم اللحظة ما يحدث ويقع ولا يمكن لهم تقبل أمر البقاء في المنزل لشهور طوال مما يشكل مأزقا حتى لدى الأسر في معهم .

ويجب التركيز بشدة على مسألة التعليم والنظر بعين ثاقبة لمبدأ تكافؤ الفرص حتى يتسنى لكل الطلبة والتلاميذ اجتياز امتحاناتهم في ظروف جيدة، وعدم التقيد بالدروس عن بعد التي تبدو في ظاهرها ناجعة بلغة الأرقام الواردة عن عدد الدروس المنشورة عبر مواقع الجامعات أو المذاعة على القنوات والإذاعات المغربية إلا أن في باطنها تخفي فشلها إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ارتسامات المتعلمين الذين يؤكد غالبيتهم عدم تتبعهم ومواكبتهم لهذه الدروس كل وأسبابه الخاصة التي تبقى في حدود المعقول.

إن الوضع الراهن يتسم بنوع من الضبابية ولا يمكن أن نجزم بالمتغيرات التي ستحدث في المستقبل غير أن استقراءنا للواقع الحالي يقودنا إلى وضع فرضيات قابلة للتحقق وفق ما هو جلي الآن، ستبرز مجموعة من المشاكل وتطفو على أرض الحقيقة التي ستنتجها حالة الطوارىء والحجر الصحي، أكيد أننا لا نريد أن نعلن التمرد ونعلن العصيان على القوانين وتكسر الحجر الصحي، لكن نريد حلولا عاجلة مستعجلة وحقيقية ترتق نزيف الأسر الفقيرة وتعيد الاطمئنان للطلبة الذين يعيشون خبط عشواء في تفاعلهم مع التعليم عن بعد، ومع تمديد الحجر الصحي وحالة الطوارىء يتبادر سؤال: ما العمل الآن؟ وماذا بعد فيروس كورونا المستبد المستجد.