فصل المقال فيما بين الإخوان و العسكر من اتصال.

في إطار تتبع ما يجري في مصر، من تبعات الثورة المصرية الثانية، و ما أفرزته من وضع جديد، وبلاعبين قدامى، ومصالح قديمة تبحث عن الإستمرار و الدوام، رغم أنف المصريين، وما أفرزته “الثورة” من اصطفاف جديد، ليس على أساس المصالح الطبقية، بل على أساس التصورات السياسية، ونظريات الحكم من داخل نفس المنظومة، منظومة الديمقراطية البورجوازية، بين “شرعية الصندوق”، و”شرعية القوة”، كان لابد من إبداء الرأي وإعطاء موقف مما يجري، موقف لا يستبعد التحليل الطبقي، ولا ينفي صراع الطبقات، كما أنه لا يدعي إحاطته بكل حيثيات و جزئيات الواقع المصري، ولكن يعتمد على المعطيات الظاهرة، وموقف كل طرف من الأطراف، سواءا من الداخل المصري أو امتداداتها السياسية و الفكرية خارج مصر، بالمغرب و بدول أخرى.
الإخوان وثورة 25 يناير
مما لا شك فيه، هو أن جماعة “الإخوان المسلمين”، و انسجاما مع طبيعتها و مصالحها الطبقية، تعاملت مع ثورة المصريين “ثورة 25 يناير”، بانتهازية مقيتة، بحيث ساعدتها قوتها التنظيمية و العددية، في تقديم نفسها البديل الوحيد القادر على حماية مصالح الامبريالية، و معها مصالح البورجوازية المحلية، كما ساعدها معطى غياب بديل ثوري حقيقي وسط الجماهير الثائرة، و معطى ضعف و تشتت التيارات الثورية، وانتهازية بعض منها، في تقديم نفسها على أنها القوة القادرة على القضاء على أي بديل ثوري، من خلال محاصرة امتداده في الأوساط الشعبية، من خلال عملها على توهيم المواطنين بأن الصراع الحقيقي الذي على الشعب المصري خوضه، هو صراع ضد “العلمانيين”، و إلصاق كل مصائب و كوارث المجتمع بهذا الشر “العلماني”، هذا الهدف الذي سعت إليه “جماعة الإخوان”، أي هدف كسب ثقة الدوائر الإمبريالية، من أجل الموافقة على حكمها، وإئتمانها على مصالحها، جعلها ” الجماعة”، تقدم تنازلات كبيرة على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي لهذه الدوائر على حساب مصالح الشعب المصري الذي ثار أصلا ضدا على هكذا أوضاع.
هل نجح “الإخوان المسلمون” في مسعاهم؟
إن هاته الضمانات والخدمات التي قدمتها جماعة “الإخوان المسلمون” على المستوى الخارجي، كانت تبحث من ورائها عن ثمن و مقابل على المستوى الداخلي، مقابل على المستويين الاقتصادي و السياسي، على المستوى السياسي، أن تضمن لنفسها فترة أطول في السلطة، من خلال سيطرتها على جيش الموظفين التابعين لمختلف قطاعات الدولة، و تعيين أعضائها كحكام على المحافظات و الأقاليم، و قبلها السيطرة على الاتحادات النقابية خصوصا ” المهندسين و المحامين ..”، هذه الخطوات اصطدمت أولا بمصالح ” الحزب الوطني”، و ثانيا بمختلف التيارات و الأحزاب التي يعني لها ذلك نهاية لها واكتفائها بدور هامشي، مما جعل حتى حلفائها التقليديين و الإستراتيجيين يفضون تحالفهم و الحديث هنا على قطاع واسع من “الحركة السلفية”، وهو القطاع المنظم من داخلها “حزب النور”، مما جعل من الإخوان جماعة معزولة سياسيا.
أما على المستوى الإقتصادي، فالجماعة أرادت أن تجعل من البورجوازية المصرية، خادمة مصالحها، و أن تكون هي من يسند ظهرها في صراعها السياسي، إلا أن تبعية هاته الأخيرة لمراكز مالية خارجية، واعتمادها أيضا على الصناديق المالية الإقليمية، خصوصا الخليجية، صعب المهمة على “الإخوان المسلمون”، مما أدخلها في صراع مع هذه الأطراف، أدت إلى تعميق الأزمة الاقتصادية بمصر و ما يعنيه ذلك من أزمة على المستوى الاجتماعي، هنا كرست عزلة الإخوان لتصبح عزلة سياسية و اقتصادية، و ما يترتب عنها من رفض شعبي لهذا المسار الذي كان القضاء عليه هو الهدف الأساسي الذي خرج من أجله الشعب المصري يوم 25 يناير 2011.
موقع العسكر ودوره في الالتفاف على ثورة الشعب المصري
إن موقف وموقع مؤسسة الجيش، من الثورة المصرية، سواءا الأولى أو الثانية، يظل هو نفسه، حتى وإن اختلف شكله وسياقه، فالجيش بالنسبة للإمبريالية هو الضمانة الحقيقية لمصالحها، فأي تعارض مع الإمبريالية هو تعارض بالضرورة مع الجيش، و العكس صحيح، فلا يخفى على الأحد الإرتباط المالي بين الجيش المصري و بين الإمبريالية الأمريكية، و بالتالي فكل تحركاته لا تتم إلا بتوجيه من الولايات المتحدة الأمريكية، و خدمة لموقفها، فأي ممثل سياسي لمصالح المؤسسات الإمبريالية لابد و أن يكون بشكل توافقي مع مؤسسة العسكر، فعندما استنفذ نظام مبارك كل إمكانياته في حماية هذه المصالح، و بالتالي استمراره يعني بالضرورة، مزيدا من احتدام التناقضات من داخل المجتمع، مما يجعل من فرص الالتفاف على الثورة من طرف البورجوازية تقل، و بالتالي كان لابد من تدخل الجيش للعب هذا الدور، أولا من أجل السهر على استقرار المصالح الإقتصادية، و ثانيا الإشراف على العملية السياسية، واختيار خليفة لمبارك بشكل توافقي معه، نفس العملية و نفس المهمة، قام و يقوم بها الجيش، مع الثورة الثانية للشعب المصري، بحيث طرح نفسه الحامي الوحيد “للاستقرار”، أي استقرار المصالح الاقتصادية للامبريالية و عملائها في المنطقة، فالممثل السياسي الذي توافق معه في مرحلة معينة، يجب التضحية به بعد أن استشعر الشعب المصري أن المشكلة ليست هي مشكلة أشخاص، بقدر ما هي مشكلة إختيارات اقتصادية و اجتماعية و سياسية، بغض النظر عن ما يقوم بمهمة تنفيذها، فكان لابد للجيش أن يقوم بدوره الأساسي في كل مد ثوري، وهو البحث عن صيغ و آليات تمكن البورجوازية العالمية و المحلية في الإلتفاف على ثورة المصريين، مما يؤكد أن السلطة الحقيقية في مصر هي سلطة الجيش، وهو من يقوم باختيار الحاكم السياسي، و هو من يقوم بعزله، فهو من قام بعزل مبارك و هو من قام بعزل مرسي، حتى وإن إختلفت العمليتين، من حيث الشكل، بين دفع مبارك للاستقالة في الأولى، وإقالة مرسي في الثانية، فجوهر العملية يظل هو نفسه، وهو استحالة تحقيق مطالب الثورة دون أن يكون هناك تصادم مباشر بين الثورة و بين الجيش.
و كخلاصة، يتبين أن جماعة “الإخوان المسلمون”، ليسوا إلا خداما للجيش في مرحلة معينة، الذي بدوره خادم و مسؤول عن المصالح الإقتصادية للإمبريالية وعميلتها على المستوى الداخلي، استنفذت “الجماعة” امكانياتها في تحريف مسار الصراع الحقيقي في المجتمع، و انتهى دورها السياسي، كما أن الجيش ليس و لم يكن مؤسسة “ثورية ولا وطنية” كما يحاول أن يسوق ذلك الإعلام اللبيرالي و حتى الإخواني نفسه، بل هو مؤسسة تخدم في آخر المطاف النظام، النظام الرأسمالي في مصر، فليس ما يحدث بمصر انقلابا بقدر ما هو تغيير على مستوى القيادة فرضته شروط معينة، منها عدم قدرة الشعب الاستمرار في العيش تحت نفس الشروط و الظروف، تغيير فرضه الطرف القوي، بعيدا عن التوافق الذي تم به التغيير في المرة الأولى، وذلك نتيجة لضغط الشارع الذي كان أقوى في هذه المرة، مما يفتح آفاقا رحبة أمام الشعب المصري للتقدم في ثورته، على أساس أن التغيير في القيادة هذه المرة، ينذر بوقوع تصادم بين مصالح الطبقة المسيطرة أكثر من المرة السابقة، يستحيل حلها، أو على الأقل لن يتم حلها دون تقديم تنازلات كبيرة للطبقات المضطهدة، خاصة وأن في ظل غياب الحزب الثوري القادر على قلب موازين القوى بشكل جذري، تبقى مهمة تحقيق بعض المكاسب المادية الاقتصادية و السياسية، هي المهمة الأساسية بالنسبة للقوى الثورية في الميدان المصري.

التعاليق (0)
أضف تعليق