غزّة..تازة.. كاراكاس.. والنضال بالتخصص.

إن العقل الذي يفكّر أو يروّج ل”التخصّص” في التعاطي مع القضايا الانسانية هو عقل كسول، عقل تبرير بشكل فج، يصوّر قضايا الانسان كأنها رفّ، ويوصيك أن تسبق بهذه قبل تلك، في حين أن الانسان وأن الضمير الانساني كلّ لا يتجزّأ، لا يعيبه شيئا أن يستنكر ما يحدث لاطفال أنفكو وبؤس المغرب العميق، ويستنكر ما يحدث في فلسطين على يد الصهاينة، ويستنكر ما يحدث لعمال المناجم في الهندوراس…صحيح شيئا من ترتيب الأولويات وفق ما هو تكتيكي واستراتيجي هو أمر ضروري، لكن هذا ليس مدعاة أبدا للنضال بالتخصص، أو بالأحرى للتعبير عن مشاعرك الانسانية بالتقسيط، تُسبغها على هذا وتسحبها من ذاك..
أي منطق يقسم قضايا الانسان وفق خانات، ثم يضع علامة فوق ما يجب ان تتضامن معه وأن يهتز له كيانك، وعلامة أخرى مغايرة على ما يجب أن تدير له ظهرك وتتريث في التفاعل معه هو منطق بئيس جداً، منطق مقدود من سيكولوجية تبريرية لا غير…
لا ضير أن أكون ضدّ النظام “المخزني” الذي عاث فساداً في هذا الوطن، ومقتنع أنه عليّ أن أناضل وأقاوم من أجل وطن حرّ وسيد، من أجل مغرب لنا لا لهم ولا لغيرنا، كما أني ضدّ الامبريالية وادواتها التي تستبيح حيوات الانسان في مشارق الارض ومغاربها، ضدّ الصهيونية القائمة على التطهير العرقي، ضدّ استغلال الانسان الافريقي وثروات افريقيا من طرف الأبيض الأوربي، ضدّ استغلال الدين بما يُنتج “داعش” و”بوكو حرام” و”مكافحة بالاكا” ومجازر مانيمار وافريقيا الوسطى…

هكذا أحس بنفسي انساناً لا يقدم مشاعره بالتقسيط، وأحسّ بانسانيتي التي تتعالى على الانتماء العرقي والديني والجنسي لتعانق رحابة الانتماء الانساني، هكذا أحس نفسي أقرب الى منطق عظماء كان هذا ديدنهم، محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قال “انتصار الاستعمار ولو في أقصى الأرض هزيمة لنا، وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لنا” وعليه فانتصار الظلم في أي مكان في العالم هو هزيمة لي، وانتصار الحرية في أي مكان في العالم هي انتصار لي، وما أسعى إليه في هذه الحياة، وغايتي في هذه الدنيا بما ينسجم مع انسانيتي هي ” أن يعيش كافة البشر، مهما كانت عقائدهم وأديانهم وأجناسهم، في سلام وأخوَّة.” (محمد بن عبد الكريم الخطابي)، و “إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني” (ارنستو تشي غيفارا) ، هكذا أحسّ بأنني انسان تجاوز منطق القرون الوسطى، منطق القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب…

الموقف الانساني كلّ لا يتجزأ، لا يمكن لك الادعاء أنك تناضل من أجل أطفال أنفكو وفي نفس الوقت تدعو إلى عدم الاهتمام بما يحدث من ظلم لأطفال فلسطين، فأن تكون بشكل مبدئي مع أطفال انفكو وتازة يعني بالضرورة أنك مع أطفال فلسطين وبوتسوانا والهندرواس، أينما كان الظلم ستكون ضدّه بالتأكيد لأن المسألة مسألة موقف مبدئي لا انتصار للعشيرة أو القبيلة أو الطائفة… كما أنه بالمقابل لا يعني شيئا أن تتخذ من القضية الفلسطينية قضيتك اليومية، تدعو إلى تأجيل كل القضايا من أجل قضية واحدة، هذا ما فعلته أنظمة هذا التابوت الممتد من المحيط الى الخليج، كثير من الديكتاتوريات جعلت من القضية الفلسطينية مشجباً لتأجيل كلّ شيء، كلّ شيء حتى الحق في الحياة، فشرعت لقوانين الطوارئ، وكبتت كل حراك داخلي بمبرر مواجهة العدو الخارجي، حتى أضحى الاسترزاق باسم القضية الفلسطينية شرط وجود لبعض الديكتاتوريات في الشرق الأوسط…

النضال من أجل القضايا الانسانية إما أن يكون نضالاً مبدئيا شاملاً أو لا يكون، حينها يتحول نظرة شوفينية ضيقة وفي أحسن الأحوال استرزاقا مقيتا وبغيضا.

التعاليق (0)
أضف تعليق