على هامش تقرير عيوش، المدرسة العمومية في مهبّ الريح لكن…

التعليم، المدرسة، الجامعة، هي في آخر المطاف أجهزة ايديولوجية في يد الطبقة المسيطرة، توظفها لكي تُعيد انتاج الايديولوجية المسيطرة، وأظن هذا واضح ولا يحتاج الى مناكفة لإثباته، فاستقلالية الجامعات هي نسبية مثل الحقيقة كما يقول درويش، لكن في الحالة المغربية فالأمر أبشع، ثمة تدخل سافر للدولة، فهي دائما تتعامل مع المدرسة بمنطق الوصاية والسيطرة لتكون مشتلاً للخنوع والخضوع والقبول بأمر الواقع. بداية السبعينيات وفي عزّ المدّ اليساري تم اغلاق معهد السوسيولوجيا في الرباط، وتم التضييق على شعبة الفلسفة وإحلال محلها شعبة جديدة تم الحاقها بكليات الآداب والعلوم الإنسانية، هي شعبة الدراسات الإسلامية لخلق نوع من التوازن رغم وجود كليات أصول الدين…وتمت محاصرة ومحاربة كل نزوع نحو دراسة المشاكل الحقيقية للشعب المغربي وفي هذا السياق؛ أكل الذئب الباحث المقتدر “بول باسكون”، لأنه لم يكن مثقفاً ب”كرش كبيرة ورقبة سمينة” بل كان مثقفاً بأسئلة حادة وجريئة جعلته يترك المكاتب الوثيرة لينزل الى قاع المجتمع، ويدعو إلى دراسة البنيات الاجتماعية والقبلية التي تشكل نسيج النظام الاجتماعي المغربي، فكان له ما كان رفقة الباحث أحمد عارف.
بعد انحسار المدّ اليساري وتغول المدّ الاسلامي بجناحيه: التربوي و”الجهادي” الصدامي العنيف، رجعت الدولة مرّة أخرى لتغلق دور القرآن، وتضع رقابة شديدة على كل ما يتصل بروافد الثقافة الدينية، وتم إطلاق حملة من أجل إعادة الفلسفة إلى التعليم المغربي بعد أن تم تحجيمها من ذي قبل، وأُضيفت ساعات أخرى للفلسفة في المرحلة الثانوية بعد أحداث 16 ماي 2003…لكن هذا التوظيف للفلسفة لم يكن حبّاً في الفلسفة واقتناعاً بجدواها بل تم توظيفها كفزاعة فارغة من محتواها، أُريد منها أن يأخذ التلميذ القشور فقط دون النفاذ إلى الجوهر، أن يكون حداثياً دون حداثة كما هو حال العديد من الرموز والفقاعات التي تمّ صنعها تحت المقاس، وهذا ما يلاحظ في طريقة تعامل الدولة مع مبادرات شبابية تسعى إلى ردّ الاعتبار لهذه المادة الحيوية المحرّضة على الدهشة والمنتجة للأسئلة العميقة، أعني مبادرة “الفلسفة فالزنقة” التي يروم من ورائها أصحابها انزال الفلسفة من عليائها التي يضعها فيه، سواءً، بعض خصومها أوبعض المنافحين عنها جهلاً وتجهيلاً، ولكن لأنها مبادرة شبابية ولأنها الفلسفة؛ كانا الشرطان كافيان لتتدخل عناصر القوات العمومية لاخلاء الساحات العمومية من هكذا جرأة، وهو أمر متوقع لتوافر عنصرين لا يمكن لدولة استبدادية أن تثق بهم أو تشعر بإزائهم بالآمان؛ أقصد عنصر الشباب، وموضوع الفلسفة، فهؤلاء الشباب لا تريد منهم الدولة أن يناقشوا موضوعات فلسفية قد تتناسل منها أسئلة إن بدت أساءت إلى الأساطير المؤسسة لهذا النظام، هم يريدون شباب بسراويل “طاي باص” وحلقات في الانف وحشيش وجنس…لكن مع عقول فارغة وخانعة لا تنظر أبعد من أرنبة الأنف، ولهذا تهاجم الدولة كل مبادرة شبايبة ذات أفق ثقافي ومعرفي…
كان لابدّ من استحضار هذا على هامش هذا الجدال الحاد حول التدريس بالدارجة أم العربية الفصحى، و هو جدال بالنسبة إلينا يتغذى على الأوهام وتصريف الأنظار ليس إلاّ، بل هو من الناحية المعرفية جدال بئيس وعقيم، إذ أن بعض شعوب ودول المنطقة قد حسمت فيه منذ ما ينيف عن عقود من الزمن، في مصر بداية القرن العشرين مع طه حسين وسلامة موسى والعقاد واليازجي وغيرهم كثير وفي لبنان أيضا مع دعوة الشاعر سعيد عقل، لكننا في المغرب ما زلنا نناقش نفس الموضوع، نصفق لهذا ونشتم ذاك، وننسى أو نتناسى المشكل الحقيق، فتقرير نور الدين عيوش تضمّن 44 توصية، ثلاثة منها فقط تشير إلى كفاءة اللغة التي يجب اعتمادها في التعليم الأولي، بينما 41 توصية أخرى فيها من الخطورة ما يفترض أن تنتفض من أجله النقابات والمثقفون والصحفيون وكل من له غيرة على هذا الوطن وعلى مستقبل أبنائه، لكن للأسف ظللنا نتابع مسلسلاً رتيباً اسمه مناظرة عبد الله العروي ونور الدين عيوش؟؟
إن عيوش والعروي لا يختلفان إلاّ على اللغة الواجب اعتمادها، اما باقي التوصيات التصفوية لحق التعليم فهما متفقان عليه تماماً كما أشار العروي في المناظرة التلفزية،ورغم أن التوصيات تذهب بشكل واضح الى تصفية شيء اسمه التعليم العمومي نهائياَ، التعليم الذي يعدّ رافعة الأمة وعنوان وحدتها يريدون أن يرموه في القمامة انصياعاً لقرارات مصّاصي الدماء (الدوائر المالية العالمية)، فتوصيات عيوش ليست من عندياته ولا من عند خبرائه بل هي أوامر من البنك الدولي وباقي الدوائر في إطار ما يسمى بضرورة تخلي الدولة عن القطاعات غير المنتجة (السكن، الصحة، التعليم..)، وتصوروا كياناً بدون تعليم، بدون صحة، بدون سكن، ماذا يمكن لنا تسميته؟ حتى توصيف “الدولة الدركية”  Etat gendarme غير لائق بها، إذ هذه الدولة حتى الأمن لا توفره، فقط توزع “عطفها” على حسب الولاء ودرجة القرب من صاحب صاحب صاحب …الملك (رئيس الدولة).
ألا تعتبر موضوعات من قبيل العمل على إخضاع التعليم لما يسمى بالتدبير المفوّض، وما يسمى بخلق “فرصة المدرسة الثانية” من طرف جمعيات المجتمع المدني، ثم هل نعرف ما معنى نموذج ” شارتر سكولز” الذي صفق له عيوش حتى خلال المناظرة، ألا تعتبر هذا موضوعات تستوجب مناظرات وندوات وتوعية المهتميين والفاعليين والتلامييذ بالمصير الذي ينتظرهم؟
لماذا لم ينبرِ أحدهم ،وليكم من يكون، ليشرح للتلاميذ والأساتذة هذه الموضوعات وما المقصودة منها وإلى ماذا ستؤدي إذا ما تمّ إنزالها على أرض الواقع؟ هل ستجرؤ التلفزة المغربية أو أي من وسائل الاعلام الرسمية أو “المستقيلة” -وليست المستقلة- إلى إثارة الموضوعات التي تتضمنها التوصيات الواحد والاربعين المتبقية؟ علاوة على هذا ما موقع الحكومة من هذا الجدال وهذا التقرير وهذه التوصيات؟ أليست هي حكومة منتخبة كما يقولون، يعني أنها تُمثل رأي الناخبين؟
إنهم يذبحون آخر ما تبقى من مكتسبات المدرسة العمومية، وأغلبنا يتفرج، يشاهد، ينتصر لهذا على ذاك، لكن لا أحد يجرؤ على أن يغيّر المنكر القادم ولو بقلبه الذي هو أضعف الايمان.

التعاليق (0)
أضف تعليق