عبد الله العروي والتدريس بالدارجة: عندما يسقط المفكرون من أبراجهم العاجية.

نشرت جريدة الأحداث المغربية حوارا مطولا مع الباحث المغربي عبد الله العروي حول النقاش الدائر في الآونة الأخيرة بخصوص الدعوة إلى اعتماد الدارجة المغربية في التعليم.. وكان الحوار في حقيقة الأمر مكتظا بشحنات من الإيديولوجيا والأفكار السياسية التي امتزجت بإيحاءات متنوعة تحاول إكساب ذات النقاش طابعا أكاديميا وعلميا محايدا.. والحال أن سقوط عبد الله العروي، الباحث المغربي الكبير، من برجه العاجي كان مدويا. ويبدو أنه انتبه للأمر عندما تحدث عن أن النقاش العمومي حول اللغة العربية والدارجة المغربية قد أخرجه من مقبعه..لأنه ينظر إلى أبعاده التي “تروم تقويض الوحدة الوطنية”.

وهذه هي السقطة الأولى لباحثنا الكبير.. لأنه مازال وفيا للفكر الذي يمتح من النموذج اليعقوبي الفرنسي المستلهم لبناء الدولة المغربية العصرية.. وهو النموذج الذي يعتمد على المركزية الكلية للدولة وللثقافة ولجميع المظاهر الرسمية للدولة اليعقوبية.. ويبدو جليا أن السيد العروي فعلا كان قابعا في ركن ركين بعيدا عن التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة التي عرفها المجتمع السياسي الوطني.. خصوصا وأن الوثيقة الدستورية الأخيرة اعترفت باللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.. ويعني ذلك: القضاء الرسمي على فكرة اللغة الواحدة والثقافة الواحدة التي ميزت التوجه الرسمي للبلاد منذ أكثر من خمسة عقود..وفكرة تقويض الوحدة الوطنية كانت من أكثر الأفكار شيوعا وانتشارا في الأوساط الثقافية منذ ذلك الحين.. لأن الإيمان بفكرة ارتباط الوحدة الوطنية بالوحدة اللغوية والدينية والمذهبية كان قويا إلى درجة اعتبار المس بإحداها مسا بأمن الدولة وثوابتها الوثيقة وتجاوزا للخطوط الحمراء.. والعجب كل العجب أن يكون مفكر كبير كعبد الله العروي بعيدا بهذا الشكل عن الدينامية الفكرية الكبيرة التي ميزت النقاش العمومي الوطني على مدى العقود المنصرمة والذي كان فيه  للحركة الأمازيغية الفضل الكبير والدور الحاسم..حيث أقنعت الكل بأن الديمقراطية المنشودة لا يمكن أن تكون من دون إنصاف تام ومساواة كاملة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد على جميع الأصعدة.. وأن مقولات قيم التعريب والوحدة الدينية والمذهبية والإثنية العرقية لا يمكن أن تبني ديموقراطية حقيقية.. بل ستزيد من عمق التخلف والديكتاتورية والاستبداد بمختلف أصنافه وتجلياته..

 وتتالت سقطات الأستاذ العروي أثناء دفاعه عن اللغة الواحدة، اللغة العربية العالمة التي ينبغي أن تتعالى عن اليومي بغية الحفاظ على عالميتها وتعاليها وطوقها المقدس والطقوسي الغرائبي.. وهي نظرة اختزالية وغير موفقة للتفكير في طبيعة النظام التعليمي بالبلاد، وهي نفسها النظرة التي كانت سائدة منذ بداية دولة الاستقلال حينما سعى رواد الحركة الوطنية إلى استلهام النماذج المشرقية المشبعة بفكر القومية العربية والنموذج اليعقوبي الفرنسي اللذان يجمع بينهما بالأساس عنصر الصهر القسري لجميع المكونات  المتعددة للوطن الواحد وتوجيهها لتكون موحدة لفائدة الثقافة المهيمنة الواحدة التي تلزم الجميع ولو عبر ممارسة جميع أشكال الميز والعنف الرمزي والمادي… هذا النموذج السيئ الذي عانى من ويلاته النظام التعليمي بالبلاد والذي بسببه تم إنتاج الإخفاقات المتتالية لأنه تعليم غير ديموقراطي ولا يسهم في القضاء على كافة أشكال الميز والتراتبية الثقافية والاجتماعية.. لم يكن في منأى عن التناقضات التي مزقته وجعلته تعليما يتدحرج بين القيم الديمقراطية الكونية الحقيقية التي تمثلها الحداثة وثقافة حقوق الإنسان والمساواة التامة بين المواطنين.. والقيم العتيقة السلبية التي تعبر عن الجانب الأصولي المظلم وغير الديمقراطي  الذي يذكي أسباب التفرقة والميز والاستبداد، كمباركة بعض الأنساب دون غيرها ووصفها بالشرف والعزة..وجعلها مقياسا للأفضلية من دون قيم المواطنة..والإعلاء من شأن بعض فترات التاريخ، وبعض الأسر الحاكمة دون غيرها بسبب أمور متعلقة بالدين ومذاهبه أو النسب و”شرفه”..

من هذا المنطلق يصبح دفاع العروي عن اللغة العربية كلغة وحيدة تملك في ذاتها ولذاتها الحق في أن تكون لغة المدرسة الأولى،  منطقا لا يتماشى إطلاقا مع السياق الجديد الذي يعرف ثورة حقيقية على المفاهيم العتيقة منذ ترسيم اللغة الأمازيغية في دستور 2011  الذي يشكل اعترافا رسميا بتعدد مكونات وأبعاد الهوية الوطنية.. هذه القيم يجب أن تنعكس إيجابا على المنظومة التربوية للبلاد.. لا أن تكون فقط عبارة عن شعارات سياسية للاستهلاك الجماهيري ولن تؤدي مثل هذه الدعوات إلا لتكريس الوضع القائم، حيث يسود منطق الهروب من الحسم في القيم التي تحملها الدولة وتسوق لها عبر المنظومة التعليمية. كل ذلك إنما يساهم في مزيد من الانفصام الجماعي وتدحرج السلوكيات الاجتماعية بين النمط العتيق والنمط الحداثي.. مما يؤدي إلى بروز بعض الأنماط السلوكية الهجينة التي تدعوا إلى الاستغراب..

وكان عبد الله العروي مجانبا للصواب عندما سعى إلى الفصل التام والمطلق بين المدرسة والبيت والشارع.. معتبرا بأن لغة المدرسة وعالمها ينبغي أن يكونا في منأى عن لغة وعالم الواقع، حتى لا يزعجهما ضوضاء العوام وضجيجهم الغوغائي.. وهذه نظرة عتيقة إلى وظيفة المدرسة ودورها في النسيج الاجتماعي والتربوي والسلوكي والمعرفي.. ففي الوقت الذي ينادي فيه القيمون على شؤون التربية والتكوين بعدم فصل المدرسة وعالمها عن العالم المحيط بها، وجعل المدرسة منفتحة على محيطها ومنخرطة في الحيوية التي يشهدها حتى لا تكون عالما آخر غير الذي نعيشه.. إن المدرسة ولغاتها والقيم التي تنخرط في تسويقها موجهة بالضرورة لأن تكون واقعا معاشا وليس حلما جميلا يتم تداوله في سرية تامة بين جدران الأقسام الدراسية، ولا تربطه بالواقع أي صلة.

لم يعد من الممكن الحديث عن لغة المنظومة التربوية بالبلاد بصيغة المفرد والواحد.. بل بصيغة الجمع الذي يعبر عن التعدد اللغوي والقيمي  في النصوص القانونية المؤطرة.. وما الحوار الذي أجراه السيد عبد الله العروي مع جريدة الأحداث المغربية إلا نموذج من تلك الحوارات التي تضم وجهات نظر سابقة عن اللحظة الدستورية الحالية التي تعترف بالتعدد كقيمة أساسية في المشهد السياسي والثقافي الوطني.. وهو نفس الكلام الذي ووجهت به الحركة الأمازيغية منذ عقود وهي تدافع عن مبدأ التعدد اللغوي والثقافي والديني والمذهبي بالمغرب المعاصر… ولا عجب، فالسيد العروي نفسه اعترف منذ بداية كلامه بأن الحوار حول اللغة العربية والدارجة المغربية أخرجه من مقبعه… فما أعمقه من مقبع…

 

 

التعاليق (0)
أضف تعليق