صيرورة التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية سنة 2014


شكلت السنة المنصرمة 2013 السنة الخامسة من الازمة الاقتصادية والمالية العالمية والتي انطلقت آخر حلقاتها سنة 2008، حيث تطورت خلال هذه السنة مختلف مؤشرات الأزمة العميقة التي لا زال يتخبط فيها النظام الامبريالي العالمي بدون احراز أي نجاح في التخلص منها.

فالأزمة تغطس بجدورها في ميكانيزمات النظام الرأسمالي نفسه من خلال بحث البرجوازية الدائم عن أعلى حجم ومعدل من الارباح، مقابل الميل الحدي الكامن لانخفاض معدل الربح مقارنة بالرأسمال المستثمر، التنافسية الحادة المخربة للعمل ورأس المال، العلاقة غير المتكافئة بين الانتاج وسوق السلع، التفقير المطلق للبروليتاريا محليا وعالميا. فاشتغال هذه القوانين، المتسارع والمتزايد من خلال تسارع التقدم العلمي والتقني، خلق تراكما هائلا لوسائل الانتاج وقوى الانتاج على المستوى الدولي بشكل يتجاوز قدرات السوق العالمي الاستيعابية. فخلفية الأزمة إذن والتي تحاول البرجوازية وخدامها الانتهازيين اخفائها عبر العديد من المناورات والتلفيقات تبقى في نهاية التحليل هي أزمة الانتاج الزائد وعواقبها، عائق تصريف الانتاج الزائد عائق المزيد من التوسع في الانتاج الصناعي رغم قوى الانتاج الهائلة انعكاس تلك العوائق على عدم القدرة على استيعاب كافة الايدي العاملة العائق الناجم عن ذلك من تدهور القدرة الشرائية وعائق عدم القدرة على امتصاص فائض الانتاج وبالتالي عائق التنمية وتراجع النشاط الاقتصادي. إذن فنحن أمام تناقض صارخ بين قوى الانتاج المتطورة جدا من جهة وعلاقات الانتاج المتدهورة الناجمة عن الملكية البرجوازية الخاصة لوسائل الانتاج والمنافسة وتقسيم العمل والعبودية المأجورة.

لقد اثبت تطور الازمة الاقتصادية والمالية إذن، وعلى عكس ادعاء البرجوازية كونها أزمة مالية محضة عابرة، تلك العلاقة الوثيقة المتبادلة بين الأزمتين الاقتصادية والمالية العالمية. ففي نونبر 2008، شرعت مجموعة العشرين في اعتماد سياسات جديدة لتدبير الأزمة غير مسبوقة تستهدف أولا احتواء حدوث انهيار غير مراقب للنظام المالي العالمي، ويستهدف ثانيا فرملة انهيار الاقتصاد العالمي، ويستهدف ثالثا التخفيف من قوة الاهتزازات السياسية العنيفة التي واكبت تعمق الازمة الاقتصادية وسياسات تدبيرها في جل دول العالم.

لكن حظوظ حدوث انتعاشه في الاقتصاد العالمي نتيجة سياسات تدبير الازمة تبخرت بسرعة، فانطلاقا من سنة 2010، انفجرت أزمة الأورو بارتباط ازمة ميزانيات الدولة بسبب المديونية العمومية المفرطة وسرعة وتيرة الانهيار الاقتصادي للعديد من الدول بمنطقة الأورو. ونتيجة لذلك سقطت سياسات تدبير الأزمة العالمية بدورها في أزمة، وتراجعت في ظل تنافس حاد بين الدول الامبريالية والرأسمالية الكبرى المجتمعة في مجموعة العشرين.

وعرفت صيرورة الاقتصاد العالمي تطورا معقدا انطلاقا من واقع ظرفية عالمية تتسم بالانقسام. فأغلبية الدول الامبريالية القديمة المتمثلة في كل من أوروبا واليابان والولايات المتحدة الامريكية غرقت عميقا في دوامة الكساد والأزمة الاقتصادية والمالية العالمية. وفي نفس، حدثت عملية نقل واسعة لرؤوس الأموال من هذه الدول نحو مجموعات دول أخرى لا زالت اقتصادياتها تتسم ببعض الانتعاش مثل مجموعة البريكس BRICS (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، افريقيا الجنوبية) ومجموعة الميست MIST (المكسيك، اندنوسيا، كوريا الجنوبية، تركيا)، الشيء الذي تجسد في هذه البلدان في صورة انتعاشه اقتصادية انتقالية هائلة انطلاقا من سنة 2009، لكن مع حلول سنة 2011، أصبحت اقتصاديات هاتين المجموعتين تفتقد لدورها كمنافذ لتصريف الانتاج العالمي الزائد.

وإلى نهاية سنة 2013، لم تنتهي بعد كوارث الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الأكثر اتساعا في تاريخ الرأسمالية. فقد تراجع الانتاج الصناعي تدريجيا في نحو 22 دولة من بين 34 دولة تشكل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ال OCDE وجرفتها دوامة الكساد. كما سجلت السنة الخامسة من الأزمة (2013) تراجعا في الانتاج الصناعي بنسبة 8,8 % أقل من مستواه القديم الأعلى.

تمثل تدبير الأزمة في الدول الامبريالية أساسا في ضمان أقصى معدلات أرباح للرأس المال المالي، حتى في ظل الأزمة، سواء عن طريق ضخ أموال رخيصة من الميزانيات العامة في خزائن رأس المال (ضرائب وقروض عمومية) أو عن طريق «اشتراكية” تدمير رؤوس المال، من خلال شراء الدولة بواسطة ميزانياتها للقروض المسمومة. ولأجل ذلك، تزايدت الى غاية فبراير 2013 رؤوس الأموال الموظفة في المضاربة بواسطة الأسهم الى نحو 58,8 بليون دولار أمريكي، بينما عرف الاقتصاد العالمي، في نفس الوقت، تطورا اقتصاديا في الاتجاه السلبي. وهناك جزء من الأرباح القصوى للرأس مال المالي العالمي يتزايد باستمرار ناجم عن المضاربة.

وتقود الكوارث الاجتماعية للأزمة الاقتصادية والمالية إلى اعتماد تسريحات جماعية عشوائية، وإلى تقليص حاد في الأجور سواء عبر تخفيضها أو تجميدها في ظل الارتفاع الصارخ للأسعار أو من خلال الغاء وتفكيك الخدمات العمومية المجانية أو ذات الاسعار المنخفضة. وتؤدي الانعكاسات الاجتماعية لسياسات تدبير الازمة (سواء طبقت من طرف حكومات يمينية أو يسارية) الى تزايد غضب جماهير واسعة ضد سياسات الحكومات والنظام الامبريالي العالمي. وقد أصبح تعمق الصراع الطبقي على المستوى الدولي يشكل الجواب المباشر على هذا العدوان الطبقي العالمي. وعاجلا أم آجلا ستقود الاهتزازات السياسية في النظام الامبريالي العالمي بدون شك نحو أزمة ثورية عالمية، والتي يمكن اعتبار ما يسمى بالربيع العربي احدى مقدماتها.

جميع سياسات تدبير الأزمة، حتى وان كانت تؤدي مؤقتا الى تخفيف نسبي لها، إلا أنها تعمق في النهاية السبب الحقيقي للأزمة الاقتصادية والمالية أي التراكم المفرط المزمن لرأس المال. وعلى الخصوص، تراكم المديونية العمومية التي تدفع التوترات التضخمية، عبر قفزات هائلة، على المستوى العالمي وبالتالي انطلاق ميل عام نحو افلاس الدولة البرجوازية. ويبدوا أن هامش مناورة الدول الامبريالية والرأسمالية ستضيق أكثر في المستقبل. كما يمكننا أن نشاهد، في ظل التبشير بقرب نهاية الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، بوادر انفجار سريع وعنيف لحلقة جديدة من الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، لأن، الأزمة الحالية لم تستكمل تدميرها الكامل لرأس المال.

وقد شكلت هذه الصيرورة المادية للأزمة النظامية للاقتصاد الرأسمالي الامبريالي، الأرضية الخصبة لتطورات سياسية مترابطة على المستويين المحلي والعالمي، فتزايد حدة المنافسة ما بين الامبرياليات ووصولها الى درجة الغليان جعلها تتمخض عن خلق بؤر متفرقة لتفجير وتخفيف هذه التناقضات كما يحدث في المنطقتين المغاربية والعربية منذ سنة 2011. فبالإضافة الى التناحرات القديمة التي كانت تتواجه فيها الاحتكارات ورؤوس الأموال التابعة للبلدان الامبريالية القديمة، ظهرت تناحرات جديدة جراء القوى الامبريالية الجديدة المسماة بالصاعدة والتي تطالب بالظفر بحصتها في مجال اقتسام العالم. وإذا كان الكوكب لم يعد قابلا للتمدد في ظل تزايد عدد المتطلعين للهيمنة عليه، فمن المنطقي أن يتزايد الصراع فيما بين هذه الامبرياليات من أجل الهيمنة على الأسواق وعلى مصادر المواد الأولية وعلى طرق نقلها، الشيء الذي يولد تناحرات اقتصادية وتجارية متواصلة وتضاعف مخاطر الحروب في الجهات المستهدفة.

فخلال سنة 2013، وأثناء متابعة الامبريالية الغربية لاستراتيجيات غزوها للأسواق، اقتربت كثيرا من تفجير عدوان مسلح مباشر ضد سوريا. لكن صمود الدولة السورية المدعمة من طرف الامبرياليات المنافسة الروسية والصينية، وخوف فصائل البرجوازيات الامبريالية المعنية بالغزو والمعارضة القوية التي أبان عنها الرأي العام العالمي، دفع القوى الامبريالية الغربية الى التراجع عن هذا العدوان.

وفي اطار جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، ساند الغرب بقوة الحركات الانفصالية من أجل اضعاف، ان لم نقل القضاء على الهيمنة الروسية الامبريالية على هذه الدول، من أجل احتلال مواقعها.

وفي منطقة جنوب شرق آسيا، تزايدت حدة التوترات بين كل من الصين من جهة ومنافسيها اليابانيين والأمريكيين من أجل حماية أو تمديد هيمنة استراتيجيتها الجغرافية، السياسية والاقتصادية.

أما في افريقيا، فإن التدخلات العسكرية للامبرياليات الغربية، وعلى الخصوص الامبريالية الفرنسية، تضاعفت في مواجهة الأنظمة الضعيفة أمام تزايد المطالب الاستغلالية للامبرياليات المتنافسة، ومنها الامبريالية الصينية على الخصوص. فبعد ساحل العاج وليبيا، تدخلت القوات الفرنسية بشكل مباشر في مالي وفي جمهورية وسط افريقيا من أجل اعادة فرض النظام الامبريالي الفرنسي المهدد.

على المستوى السياسي المحلي، وبينما أدت التناقضات الصارخة بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج الى تزايد حدة الصراع الطبقي في كل مكان، مما أدى الى تراكم نضالي كمي انتقل في الكثير من الحالات الى نضالات نوعي واعية ضد رأس المال، إلا أن العفوية والاقتصادوية شكلت سلوكا سياسيا عاما لمختلف القوى اليسارية الفاعلة داخل هذا التراكم النضالي للطبقة العاملة والجماهير الكادحة، وهو ما يؤكد على تفاوت عميق بين تطلعات الطبقة العاملة والجماهير الكادحة التحررية وردود الفعل الانتهازية للقوى السياسية الكامنة في تطلعاتها الاصلاحية واستهدافها تحقيق مصالحها الذاتية بالدرجة الأولى. لكن هذه السمة الكامنة في سلوك البرجوازية الصغرى للقادة السياسيين ليسا غريبا نظرا لتناقض تطلعاتها الانتهازية الظرفية مع التطلعات التاريخية الاستراتيجية للبروليتاريا.

الاشكالية تكمن في غياب المعبر السياسي عن التطلعات السياسية للبروليتاريا والذي لا يمكن أن ينبع الا من صميم البروليتاريا، علما أن الأرضية الفكرية والسياسية لهذه التطلعات البروليتارية عرفت تطورا هائلا في خضم تجارب الحركة العمالية العالمية انطلاقا من التجارب الفكرية والسياسية والتطبيقية لكل من كارل ماركس وانجلز ولينين وستالين وماو تسيتونغ. فتجاوز البروليتارية للنضال العفوي والاقتصادوي نحو النضال السياسي من اجل الاشتراكية العلمية وان كان موجودا في عدد من القوى المناضلة الا أنها لا تزال ضعيفة جدا ومفككة وتعيش في ظل التعمق الموضوعي للازمة الثورية مراحل مرضها الطفولي الغزير بنزاعاتها الذاتية، ولم تتمكن بعد من استلهام غزارة الفكر البروليتاري وتجارب الحركة العمالية العالمية للسعي نحو جمع الشتات والتوحيد وتجميع مختلف النضالات العمالية السياسية في اتجاه تدمير العدو الطبقي للبروليتاريا: البرجوازية والامبريالية.

التعاليق (0)
أضف تعليق