“شيعنة” حراك الريف هدفه خزائن الخليج وكلمة السر”إيران”

*د.طارق ليساوي

غرائب وعجائب الاستبداد لا تكاد تنتهي، و نحن نتابع أحداث حراك الريف المغربي ،و الذي أصبح ذا صيت عالمي و تحظى فاعليته بتغطية واسعة من قبل محطات تلفزيونية و صحف دولية لها و زنها الإعلامي ..و بعد رحلة طويلة من الاتهامات بالتخوين و خدمة أجندة الجزائر و تلقي أموال من جهات أجنبية، تخرج بعض أبواق المخزن بتحاليل تتهم نشطاء الحراك بأنهم على المذهب الشيعي، و يسعون لإقامة إمارة شيعية و ذلك بدعم من إيران..
وهذا التصريح جاء بلباس يدعي التحليل الأكاديمي و العلمي، و الواقع أن هذا إدعاء باطل، لان من تولى تصريف هذا الخطاب من الصعب تصنيفه من أهل العلم و البحث العلمي، و إن كان يحمل درجة الدكتوراه، و نعلم علم اليقين موضوعها و من أشرف عليها و من ناقشها و كيف ولج للجامعة، كما نعلم موقف طلبته منه و بماذا يصفونه، و لا نريد الخوض في هذه الأمور، لا لضعف المعلومات أو خوفا من رمي بيوت الناس بالحجارة،فبيوتنا ليس من زجاج، لأننا نقف بجانب الحق و العدل وقاعات الجامعة و طلبتها يشهدون بذلك، نسعى إلى خير البلاد والعباد عبر بوابة تحرير العقول من الخرافات و الاكاديب ، كما نسعى قدر الإمكان إلى وأد الفتنة وليس تأجيجها إرضاءا لأسياد و أولي نعمة هؤلاء المطبلين و المسبحين بحمد الاستبداد و العنصرية المقيتة..
والطامة الكبرى أن ما استند عليه من حجج هو دحض لما يقوله و تسفيه لهذه الافتراءات، فأن يعمد لتصريح ” ناصر الزفزافي” عندما استشهد بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، واعتبر ذلك دليلا على تشيع الرجل ، فذلك هو الجهل بعينه ، ألا تعلم أيها الباحث أن الشيعة يقذفون و يسبون “عمر بن الخطاب” و “أبو بكر الصديق” و” أمنا عائشة” و لا يتبعون أسمائهم بالترضية أي ” رضي الله عنهم “..ألا تعلم حجم الجدل الذي أثاره الرئيس الدكتور محمد مرسي عندما حضر لقمة في إيران و ركز في استفتاحه على ذكر أبو بكر وعمر وعثمان و علي و أمنا عائشة و الترضية عليهم، فما كان غرضه من ذلك رغم أنه يكفي الصلاة والسلام على محمد واله وصحبه..؟
من المفروض قبل أن تتكلم أن تتعلم ، لكن أن يتم تلفيق التهم و ترديد الافتراءات على جمهور فيه المثقف و العامي، فأنت بذلك تثير فتنة طائفية مقيتة، في وقت اختار مجموعة من المثقفين الأحرار الوقوف بجانب مطالب الشارع المغربي من شماله إلى جنوبه، لان البلاد في حاجة ماسة إلى التنمية وإقامة أسس العدالة ومحاسبة ناهبي المال العام و المفسدين الذين أحرقوا الأخضر و اليابس، و جعلوا البلاد تعيش في مستنقع من الفقر و الجهل و قمع الحريات و تكميم الأفواه، فمسؤولية المثقف الفعلي –و ليس الرسمي- أن يقف بجانب المطالب المشروعة، لان ولاءه للشعب الذي انفق على تعليمه ..و أن يكون صوتا للمستضعفين وليس سوطا بيد الطغاة و المتجبرين..
لكن حسبنا الله في بلد يسود بها “الرويبضة” أناس يفتقرون إلى الدراية والأمانة و الحكمة ويطلقون ألسنتهم بافتراء الكذب و تزييف الحقائق، معي أني أكاد أجزم لو أن العاهل المغربي خرج بخطاب يدعم فيه مطالب حراك الريف لخرج نفس الرجل بتحليل يمجد فيه “ناصر الزفزافي” و إخوانه..لماذا علي سبيل المثال لا نسمع لكم صوتا في فضائح وثائق باناما و تهريب الذهب لدبي أليس هذه الفضائح أم الفتن ..؟!
يا له من عبث أن تصبح مصائر شعوبنا يتلاعب بها هكذا، كنا نعتبر أن ما يحدث في مصر قبل و بعد الانقلاب على الرئيس الشرعي مرسي و اتهامه بالتشيع من قبل بعض الإعلاميين و الباحثين على أنها ظاهرة مصرية فريدة، لكن بينت أحداث الريف أن ما يسميهم المصريون “بالبلطجة” وأنها صفات تتجاوز حدود أرض الكنانة وتستقر في أدهان علماء السلطان و مثقفي البلاط و إعلاميي السلطة كفى الله البلاد و العباد شرهم وأكاذيبهم..
لكن إذا ظهر السبب بطل العجب، فالأفئدة تتجه صوب خزائن حكام الخليج، واليوم قادة الخليج مصابون بفوبيا ” التمدد الإيراني” و كل من والاهم سيحظى بالغنائم، وليس إشكالا أن نتهم إخواننا في الريف بالتشيع مادام أن الأمر سيرضي أهل الخليج و يفتحوا لهم خزائنهم، فهذه الأيام تشد الرحال صوب الخليج للحصول على العطايا و كلمة السر “إيران والتشيع″..
و في الختام، لا يسعنا إلا التنديد بالاعتقال القسري لنشطاء الريف، و التدخل العنيف في حق الاحتجاجات السلمية، و التي اتسع نطاقها ليشمل مدنا جديدة، وفي ذلك خير جواب على اتهامات التخوين والانفصال و التشيع و ربما بعد التنصر و الكتلكة..!! فعلى من يريد الانفصال آهل الرباط و الدار البيضاء و أسفي و خريبكة أليس هؤلاء عربا في الغالب؟! ، أمن أنهم بدورهم من الشيعة؟! مع العلم أننا جميعا ننتمي لدين الله الواحد وهو الإسلام مع وجود بعض الخلافات الفقهية و العقدية التي يمكن التغلب عليها بالحوار و الموعظة الحسنة من قبل أهل العلم و في مجالس العلم فلكل مقام مقال، لكن الحكم الاستبدادي لا يتورع في توظيف الدين وخلق الفتن للمحافظة على المناصب و المكاسب..
نرجوا من شباب الأمة ألا ينصاعوا لهذه الخطابات الطائفية، وان يتمسكوا بالوحدة و نبذ العنف و مواجهة السيئة بالحسنة، و أن يتحلوا بالصبر و الحكمة في مواجهة ما يتعرضون له من قمع و تلفيق للتهم الجاهزة … فالحق يعلو و لا يعلى عليه ، و التحدي هو نزع جذور الاستبداد و الفساد، و غايتنا ليس الحصول على مكاسب شخصية، وإنما بناء مجتمعات تسودها الكرامة والعدل و الحرية للجميع، مجتمعات تكون فاعلا لا مفعول به ، فيا شباب الحراك انتم صناع للمستقبل ودعاة للتسامح و الرحمة، فلا تولوا اهتماما لمن يريد أن يعيق حلمكم في غد أفضل، فالاعتقال أو الموت في سبيل الحرية والكرامة و نصرة الحق و الدفاع عن المستضعفين.. خير من مكاسب ومناصب جاءت كثمن للعبودية و الاستحمار و التطبيل للباطل و محاربة الحق وأهله ..مصداقا لقوله تعالى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33 ) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)} ( سورة فصلت).. و الله غالب على أمره..
*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي

المصدر: رأي اليوم

التعاليق (0)
أضف تعليق