سنة 2013 سنة محاكمة النظام السياسي المغربي لنفسه بنفسه !

    من جملة القضايا التي أثارت انتباهنا ونحن نعرج على مجموعة من محطات المغرب المتعددة بداخل ثنايا سنة 2013 ، والتي نودعها على صفيح ساخن من الإشكاليات القائمة التي تمس جسم الكيان المغربي في كل مجالاته، وتزامنا مع تداعيات ” الربيع العربي “، توقفنا عند قضية مهمة في سياق سياسات تدبير الشأن السياسي العام، وعلاقاتها بالخطابات الرسمية التي أطلقها النظام السياسي المغربي، تلك القضايا التي رست عليها عجلات القطار المغربي، والتي أصابها الصدأ وعلقت بها الأوحال وتشابكت بها خيوط القشة التي على سكتها، وفي لحظة من المونولوج الذاتي التي مارستها المؤسسات السياسية الرسمية وتجاذباتها مع التصورات والخطابات السياسية الشعبية وردود الأفعال هنا وهناك، أتت تلك الرسائل والخطابات الرسمية معلنة عن فشل النظام السياسي المغربي في إيجاد حلول وصيغ جادة لوقف النزيف المتفشي في العديد من مجالات الشأن العام وسياساته المنحرفة عن مسارات تحقيق الآمال والأهداف المتوخاة، وهي إشكالية التربية والتكوين، وسياسات التدبير المحلي، والمشهد السياسي الحزبي ,

    إذن، هل يمكن اعتبار تلك الخطابات والرسائل الموجهة لعموم الشعب المغربي نقدا ذاتيا من قبل النظام السياسي المغربي نفسه، أم أنها عملية إعلامية تستهدف الشعب المغربي لتهدئة أجواء التوتر الاجتماعي وجبر خيبات الأمل في التغيير والإصلاح ؟ كيف يمكننا فهم بعض من الخطابات الرسمية في غضون سنة 2013 والتي تعمل على توزيع مسؤوليات الوضع القائم على عاتق جزء من الطبقة السياسية الحاكمة والمنتخبة ؟ ألا يصح أن نتساءل على كون هذه الطبقة السياسية هي من صنع النظام السياسي نفسه ؟ ألا يمكننا اعتبار كل السياسات الرسمية التي تباشرها مؤسسات الشأن العام هي من تخطيط النظام السياسي الساهر على مجموع القضايا الوطنية في أبعادها الداخلية والخارجية ؟ إنها أسئلة وأخرى على شاكلتها يمكن لمتتبع الشأن السياسي المغربي بسطها على طاولة نقد الفكر السياسي المغربي الرسمي.

    لقد أقر النظام السياسي المغربي باعترافات صريحة وبإشارات قوية بضعف نجاعة وفعالية مخططاته وتدابيره وبرامجه في الرفع من منسوب كل القطاعات الحيوية في اتجاه التنمية المستدامة الشاملة، فقطاع التعليم والتكوين شهد في كل مراحله تراجعات خطيرة، وأصبح عبئا ثقيلا على الدولة والمجتمع في تكاليفه الباهظة من دون نتائج تذكر ، إذ أن كل المخططات التي بوشر بها أغرقت البلاد في أحوال من البطالة والتعطيل وتمييز بين المواطنين بين تعليم خاص برجوازي يلجه أبناء القشدة وتعليم عمومي يكون من نصيب أبناء الطبقات السفلى المقهورة، وكذا الفشل الذر يع في نهج برامج منتقاة تروم خدمة عموم الشعب والبلاد لأجل طفرة تربوية وعلمية وفكرية، وذلك بقصدية واضحة في الإبقاء على تعليم طبقي ولا شعبي، ولأن هذا القطاع الحيوي ولاعتباره العقل المدبر والموجه لكل مسارات الشعب التقدمية الحضارية خضع لسياسة أيديولوجية نابعة من معتقدات وتصورات القيمين على الشأن العام، فقد كان لزاما على هؤلاء أن يضعوا برامج ومخططات تعوق كل إمكانية لتعليم هادف ومواطن لصيق بخيارات الجماهير المغربية،  ” إن المغرب الرسمي لم يفشل من باب ذاك الذي حاول ولم يحالفه النجاح، بل إن كل المؤشرات تدل على أنه كان منذ البدء يرتب للفشل جملة وبالتفصيل، لا بل خلق لذات الفشل الإطار والسياق، وبنى له بالتشريعات والنصوص.

    فالمغرب لم يخضع منظومته في التربية والتعليم للنقاش العام الواسع، بل تركها حكرا على جهة واحدة، تقرر فيها لوحدها وفق أهوائها، تفرضها من الفوق، وتعين لها أدوات التنفيذ، دونما استشارة أو قبول بالرأي الآخر، حتى إذا استشارت جهة ما أو جهات، أملاه ذلك عليها سياق التسويغ والتبرير، لا سياق المشورة والأخذ بالرأي المخالف.

    إن المغرب لم يضع التعليم يوما ضمن رهاناته الكبرى، بل تركه (بعدما حدد الخطوط الحمر) لعتاة في التدبير استنزفوا موارده الضخمة، وخصخصوا لفائدتهم ولفائدة لوبيات تدور بفلكهم جوانب كبرى من القطاع، حتى باتت المنظومة برمتها مكمن بيع وشراء خالص، بالمدارس الخصوصية، بالكتب المدرسية وبالمناهج المتجاوزة على حق الفرد في التعلم والمعرفة. ” ( 1) ,

    وكما مر معنا في مقدمة هذه الورقة أن سياسات التدبير المحلي بدورها احتلت الصدارة في نقد النظام السياسي المغربي لنفسه في مجال التدبير المحلي، فتوقف عند الاختلالات الصارخة والمتفشية والاعتلالات المرضية المزمنة في تدبير الشؤون المحلية بكل مدلولاتها، وأعطى مثالا لا نظير له في منظومة المحليات المغربية، وقياسا حاسما في فشل التصورات السائدة على مستوى تحقيق الأهداف التنموية المحلية، فكانت مدينة الدار البيضاء محط اختبارات كل توجهات السياسات الرسمية، نظرا لثقلها الاقتصادي ومعطياتها الديموغرافية وغير ذلك ، وكمؤشر على انعدام حكامة محلية جيدة وعدم نجاح كل أقانيم المنظومة السياسية والإدارية في إيجاد الحلول الناجعة لإشكاليات مدينة بحجم الدار البيضاء بالرغم من الإمكانيات والطاقات والكفاءات الهائلة والضخمة، فما بالنا بمحليات أخرى لا تتوفر على إمكانيات ولا على طاقات لتدبير شؤونها وفقدان محاولات البحث والاجتهاد في إحقاق سبل التنمية المحلية .

    وفي ارتباط النظام السياسي بالنخب السياسية وخاصة الحزبية منها، ولما يشكله المشهد الحزبي بالمغرب من واجهة أكثر حضورا في حياة الإنسان المغربي، ومن بنية أساسية في بناء النظام السياسي المغربي، وذلك في علاقته بتكوين نخبة سياسية حزبية تعمل على تحمل تدبير وتسيير الشأن العام بالمغرب، جعل النظام السياسي المغربي يتوجه بخطابه النقدي لعموم الأحزاب المغربية سواء كانت حاكمة أو معارضة، حيث إن هذا الخطاب النقدي ليس اعتباطيا أو مجانيا بل أنه خطاب موجه لأهداف أيديولوجية ومغرضة في استمرار عمليات تكريس مشروعية النظام، وتحقيق مساعي استقراره بالشكل الذي يريده على أرض الواقع، في أفق تكوين طبقة سياسية تخدم مصالحه على كل الأصعدة، وما الاختلالات التي تعرفها الأحزاب المغربية إلا مؤشر على أزمة ثقافة سياسية حزبية، وهو ما يجعل المواطن المغربي لا يثق في مشروعية وتصورات الأحزاب ولا في وعودها التي أعطيت للمواطنين ولمن يدلوا بأصواتهم، وما تفضي إليه من انعكاسات وخيمة على نفسية المواطنين في اهتزاز الثقة بينهم وبين مجموع الطبقة السياسية الحاكمة، وبالتالي ، فهذا لا ينفع النظام السياسي المغربي في شيء، بل يبعده عن مسارات التحكم التي ينهجها في احتواء كل المشاريع وكل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية والثقافية، وذلك بجعل نخبة سياسية حزبية طيعة ومنقادة ومؤطرة ومعبئة للمواطنين بالشكل الذي تنقاد به هي في حد ذاتها، طبعا أن هذا النقد الموجه لمجموع المشهد الحزبي المغربي من قبل النظام السياسي هو محاكمة لهذا الأخير لنفسه في عدم انتشال الأحزاب المغربية من وضعيات التشرذم والتناسل ومن مظاهر الميوعة وتمييع السياسي الحزبي المغربي بفعل مجموعة من القيم اللاأخلاقية وغير ذلك من مظاهر أزمة الحزبية بالمغرب، حيث لم يعمل على سن وتشريع ضوابط وقوانين تحد من هذه الأزمة الخانقة . ”  وجدير بالذكر أن الاختلالات التي تعيشها الأحزاب المغربية حاليا؛ لا هي في صالح المجتمع ولا في صالح الدولة، ولا في صالح الأحزاب السياسية نفسها. ذلك أن تأمين انتقال ديمقراطي حقيقي؛ يتطلب انخراطا من قبل الدولة والمجتمع بمختلف مكوناته السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ والأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية كبرى في هذا الصدد. ولا يمكن أن نتصور أن المشهد الحزبي في وضعيته الراهنة يسمح بتحقيق انتقال ديمقراطي مبني على أسس متينة؛ فهناك عدد كبير من الأحزاب السياسية لم تعد قادرة على إنتاج وبلورة تصورات وأفكار ومشاريع اجتماعية وسياسية واضحة المعالم تستمد مقوماتها من الواقع؛ كما أن خطاباتها لا زالت جامدة ومتجاوزة ولا تواكب التحولات الاجتماعية والسياسية وتصورات وانتظارات الأجيال الجديدة. فيما تفتقر غالبيتها أيضا إلى مشروع مجتمعي واضح المعالم؛ بعدما تحولت من مؤسسات مفترضة للتأطير السياسي والتنشئة الاجتماعية وبلورة المطالب..؛ إلى قنوات انتخابية مغلقة تنتج نخبا تبرر الخطابات الرائجة ولا تستحضر سوى مصالحها؛ فحضورها-الأحزاب- تطبعه المرحلية وغالبا ما يقترن بالمناسبات الانتخابية. ” (2) , كل هذا يشير إلى عبثية المشهد السياسي الحزبي المغربي مما يسمح بفراغات فيما بين الحاكمين والمحكومين، وانعدام التجاوب الممكن بينهما، وهو ما يخيف الحاكمين من ردات فعل غير محسوبة النتائج والعواقب . مع العلم أن النقد الموجه لفعاليات المشهد السياسي الحزبي كان مشوبا بالتنصل من المسؤولية النظامية الرسمية عن وضعياته المقلقة في جانب منها,

    وأخيرا، وليس بأخر، نتساءل مع أنفسنا، هل كان نقد النظام السياسي المغربي في غالبية خطاباته لكيفيات ومخططات وتدابير وبرامج سياساته العمومية في المجالات الحيوية التي تناولتها هذه الورقة، نقدا ذاتيا صريحا ولحظة وقوف تأمل مع ذاته ومحاسبتها ومساءلتها معنويا وبهدف تجاوز كل المعضلات والإشكاليات القائمة في ذات الكيان المغربي دولة ونظاما ومجتمعيا أم أن كل هذا النقد مجرد ذر الرماد في العيون وفقط ؟ إن التاريخ المستقبلي للمغرب هو الكفيل بالإجابة الصريحة عن سؤالنا هذا، فلنترك الكلمة الفصل له في حسم المعركة القادمة في إمكانيات التجاوز للوضع القائم أو الإبقاء عليه وبنفس سياسي نظامي رسمي متجدد وبمرونة لا نظير لها في احتواء كل المتغيرات بدهاء سياسي حربائي، وبالتالي الحفاظ على الاستمرارية بأقل تكلفة ممكنة .

   الهوامش   :

– 1 – يحيى اليحياوي : قنبلة التعليم الموقوتة بالمغرب ، على الرابط التالي :

الرئيسية

   – 2 –  ادريس الكريني :    أزمة تجديد النخب في المشهد الحزبي المغربي ، على الرابط التالي :

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=160953

التعاليق (0)
أضف تعليق