سنة 2011 و التغييرات المستمرة

سنة2011 هي سنة خالدة في تاريخ كل الأفارقة الذين كانوا أحياء الى هذه السنة،ويرجع خلود هذه السنة الى أسباب واضحة، وهي وقوع ثورات وتحركات واحتجاجات بدأت في تونس(14يناير2011) و مصر(25فبراير2011) وليبيا(15فبراير2011)،وتحركت في المغرب(20فبراير2011)وتحركت في الجزائر(3يناير2011) وتحركت في موريتانيا (17يناير2011)،وانتقلت الى دولة مالي (22مارس2012)حيث سميت بالانقلاب العسكري وأنشئت دولة ازواض(6أبريل2012)و استقلال دولة جنوب السودان(9يوليوز2011) وتحركت في ساحل العاج حيث سقط كباكبوGBAGBO(6ماي2011) ،ووصلت الى جمهورية أفريقيا الوسطى (انقلاب24مارس2013ضدFrançois bozizé)،ونؤكد منذ البداية على ضرورة الاهتمام بما حدث في هذه الدول الإفريقية الأحد عشر ،بكيفية شمولية يرتبط بعضها بالبعض الآخر لأسباب سيأتي تبيانها لاحقا،كما نؤكد أن الموضوع يتسع الى أكثر من كتاب لأنه يمكن أن يمتد الى كل القارة الإفريقية

ويمكن حتى الاتجاه الى القول بوجود علم سياسة جديد نسميه”سنة2011″يرتكز على معرفة ماوقع في هذه السنة وماجاء بعدها ،وهو في نظري علم قائم بذاته،له نقطة البداية زمنيا وهي سنة2011ونقطة نهاية مستقبلية لاتزال مجهولة ويمكن تحديدها بتطوير هذا العلم،ووسائل هذا العلم وأدواته هي المواقع الاجتماعية التي وفرتها علوم التواصل الالكتروني،وعلوم الفيزياء وغيرها…

ونقف في هذا المقال عند مقاربة منهجية لفهم ودراسة حركات 2011ونتائجها،في موقع جغرافي محدد هو إفريقيا،لنؤكد أن الذين يحللون سنة 2011 ملزمون قبل نشر أي تحليل وإطلاق الأسماء ،وترويج الآراء بتحديد المنهجية والمنطق الذي يستعملونه،لكي يميز الناس وخاصة شباب سنة 2011 بين العلم والأيديولوجيات ،والخرافات،وبين التضليل والدعايات التي تهدف الى نشر البلادة،وتشويه الحقيقة…وتحول بين الناس وبين استعمالهم وتطبيقهم للعلوم التي يدرسونها،وأهم نقطة في منهجية الدراسة هنا هي نقد مناهج المعرفة في حد ذاتها،ونقد العقليات لدى الكتاب والصحافيين ومن يسمون خبراء وأساتذة الحقوق والسياسة الذين يتقاضون أجورا عن تضليلا تهم، بمساءلتهم بوضوح عن منهجية كتاباتهم وخطبهم، ومراكز خبرتهم، والتركيز على نقد الأشخاص الذين يطلقون ألسنتهم وأقلامهم بدون تحديد أية منهجية مثلا إشكاليات انثروبولوجية لاتفهم بدون هذا العلم نعتمد نموذجها كمثال من تونس ونربط تحركات تونس مثلا بشخصيتين أولهما هو: أحد صلحاء تونس القديمة يسمى” سيدي بوزيد”وهو الذي سميت على اسمه المدينة التي اشتعل فيها محمد البوعزيزي ومن لم يطرح سؤال من هو” سيدي بوزيد “كانسان ،وليس المدينة المهشمة التي تقع وسط تونس فقط ،ربما لن يعرف من هو البوعزيزي؟ولن يعرف ربما لماذا يحكم الإسلاميون تونس بعد التحركات؟وما معنى قتل واغتيال بعض الأشخاص بتونس مثل شكري بلعيد ومحمد براهمي لتستمر التحركات التونسية؟وما علاقة سيدي بوزيد الذي يوجد بشمال المغرب والآخر في تونس؟وما معنى أن يحرق بعض المغاربة أنفسهم نساء ورجالا وشبابا من مختلف المناطق ولا يشتعل المجتمع معهم مثل تونس؟ هل فقد المجتمع المغربي الجاذبيةLA GRAVITATION؟والمقصود هنا هو طرح المقارنة كوسيلة منهجية والاهتمام بالمعطيات الواقعية القريبة من القارئ، واستعمل هنا مصطلح الجاذبية الاجتماعية بمفهوم العالمISAAC NEWTON

ونبدأ المنهجية من جغرافية أحداث تلك السنة،لنميز ونضع حدودا بين ما وقع في القارة الإفريقية ،وما وقع في القارة الأسيوية وخاصة الشرق الأوسط، ونربط بين زمن الأحداث ومكانها ،وبدون الاعتماد على الجغرافيا كمنطلق سوف يقع تجاهل العلوم الأخرى كالفيزياء والفلسفة،و سوف يقع تجاهل “المكان”وأعني أمكنة تحركات سنة 2011ومن لم يستعمل هذه العلوم فهو لم يفهم ولن يفهم سنة 2011 وما وقع بعدها الى سنة 2013وحتى إذا زعم أنه فهم شيئا ويريد العودة بالسلطة والقمع الى ماقبل هذه السنة، فلن يغير الجغرافيا والفيزياء والفلسفة والعلوم الأخرى الممكن استعمالها منهجيا مثل علم السياسة،وعلم الاجتماع ،والتاريخ ..وإذا لم يستعمل القراء والمتكلمون والكتاب هذه العلوم لفهم مستجدات بلدانهم فلا فائدة من فرض دراستها على التلاميذ الذين لايستطيعون أن يهجموا بها على مزاعم الجهل،ولا تساعدهم على إدراك ماسيقع مستقبلا بعدسنة2013

وقد حصرنا المنهجية في إفريقيا كنموذج في هذه المقاربة المنهجية ليتمكن القارئ من توسيع نظرته إذا شاء ،الى ما وقع في القارات الخمس التي تتكون منها الكرة الأرضية والأماكن الأخرى التي يريد،وربط زمن 2011بالأزمنة التي سبقته في التاريخ القديم بتونس وليبيا ومصر والساحل..والسودان الجنوبي.وذكرنا السودان الجنوبي لأهميته في تجربة الجنوب المغربي (المغرب – الصحراء)حيث يروج مشروع التقسيم الترابي الذي يعاني منه السكان منذسنة1975..ومشروع تقسيم مالي الىAZAWAD-Mali،و مشاريع التقسيم في إفريقيا تعتبر متشابهة وتخضع لمنهجية المقارنة،وأدرجنا دولة ساحل العاج ضمن تحركات تعني المغرب لأنها تقع جغرافيا جنوب دولة مالي،وهي غير إسلامية..

عند تطبيق الجغرافيا سوف يظهر جليا وبالملاحظة كمنهج ،أن بلاد تونس هي التي انطلقت منها تحركات سنة 2011 التي يسميها التونسيون بثورة البوعزيزي، نسبة الى شاب أحرق نفسه مثل عود ثقاب ALLUMETTEلتشتعل النار في مجتمعات شمال أفريقيا ومصر وبلاد الساحل والسودان ومالي وساحل العاج وجمهورية إفريقيا الوسطى ليسقط بنعلي يوم14يناير2011وهذا اليوم بالنسبة لعلم التاريخ القديم في إفريقيا يصادف من بين المصادفات الكثيرة اليوم الثاني لبداية السنة التي تسمى الآن بالسنة الأمازيغية،وهي تخلد ذكرى الفرعون الأمازيغي شيشونغ(SHESHONQ. 945-922) الذي أسس الأسرة 22لفراعنة مصر منذ حوالي ثلاثة آلاف من السنوات بعد أن عبرت قبائل شمال إفريقيا وادي النيل نحو الشرق وحكمت مصر وجزءا من السودان والشام وفلسطين…وذكرنا هذا المثال لفتح باب التعمق في الماضي لكي لا تقتصر المنهجية على النظرة الضيقة للحاضر الذي يؤثر عليه الماضي البعيد.مثل أثر موريتانيا(شنقيط) على سقوط إمارة الأدارسة بقيام دولة المرابطين بالمغرب والجزائر،وأثر سقوط دولة السعديين بتورطها في دول الساحل وما وراء الصحراء باستثمار العبودية وجلب الذهب..ولكي لايظن البعض أن مايجري بدول أخرى قريبة أوبعيدة من أفريقيا لن يقع لديهم.

ولابد من الوقوف منهجيا عند المصطلحاتLA TERMINOLOGIE، والأسماء التي يمكن إطلاقها على وقائع سنة2011لننتقد تسميتها بالربيع LE PRINTEMPSوهو اسم لاينطبق على ماوقع في 11 دولة ذكرناها أعلاه لأن زمن فصولها متنوعة من ربيع وصيف وخريف…مع وعينا بأهمية ربط الأحداث بعلم الفلكL’ASTRONOMIE

ولا يصح تسميته ب “الربيع العربي” لكون شعوب الدول الإفريقية التي ذكرناها ليست كلها عربية،ولا يصح تسميتها”الربيع الديمقراطي” لأنها عرفت سلوكيات سياسية لايمكن تصنيفها ضمن تطبيقات الديمقراطية،مثل قتل المآت والآلاف من الناس والتنكيل بهم وتعذيبهم.. ولا يصح كذلك تسميتها ب”الثورات”لأنها ممزوجة في بعض الأقطار باعلان “الاستقلال”مثل جنوب السودان وأزاواض، ووقعت في بعضها مجرد التعديلات فقط في القوانين والدساتير وفبركة الانتخابات مثل المغرب وموريتانيا والجزائر،مع الوعي بأن تحركات مابعد سنة 2011 قد تتجه مستقبلا نحو تصحيح استعمال مفهوم الثورة ،ولا يصح تسميتها ب”الجهاد” لأن بعض ماوقع فيها لاينطبق عليه مفهوم الجهاد من أجل نشر الدين،بل أحيانا أدت الى إسقاط الدين مثل إبعاد الدين كليا من قوانين دولة جنوب السودان التي أصبحت دولة لادينية منفصلة عن دستور شمال السودان التي لاتزال دولة إسلامية، حسب مفهومها للإسلام،ووضع مشروع الدولة اللادينية كنقطة في المفاوضات بين الطوارق وممثلي دولة مالي…وأيضا لوقوع النزاع الحاد والمستمر حول تقليص استعمال “دين الدولة “عند لجان تعديل الدساتير في البلدان التي كان فيها دين الدولة قبل سنة2011 لاينا قش مثل مصر وتونس وليبيا ومالي بعد تأسيس دولة أنصار الدين في مدينة كاوGAO…وظهور أنواع الصراع الحاد والدموي بين المسلمين العاديين ومنظمات الجهاد والقتال في الدول ذات الدين الإسلام ،وهو مايفسر تدخل مسلمي دولة إمارة المؤمنين بالمغرب في مالي عسكريا ودينيا وسياسيا ضد تنظيم “أنصار الشريعة.”.وهنا يجب تسجيل الحذر منهجيا من استعمال المصطلحات دون الانتباه الى دلالتها السياسية والعقائدية المغرضة.مثل فهم الفرق بين” إمارة المؤمنين “و”أنصار الشريعة”

وبعد كل هذا يبقى من الناحية المنهجية ربط الأسماء بالزمن الذي بدأت فيه الأحداث وهي سنة 2011 لنقترح تسميتها في هذا المقال ب”تحركات سنة2011″ثم مابعد ها.

لا أهمية لما قلناه إذا لاحظنا منهجيا تعدد الأمكنة وتشابه ما وقع أو سيقع فيها،دون أن تنفع المنهجية في معرفة لماذا وقعت التحركات بالضبط انطلاقا من سنة 2011 ولم تقع قبلها؟ولماذا استمرت حتى الآن وكيف استمرت وأين ستنتهي؟ وماهي نتائجها؟ولماذا اشتد مشروع التقسيم في مالي والسودان والمغرب بعدسنة2011؟ ترتبط الأجوبة بالاسم الذي اقترحنا ه وأطلقناه على التحركات بسبب امتدادها سنوات أخرى تربو الآن على ثلاثة، وهو امتداد زمنى كان قد بدأت نتائجه بإسقاط رؤوس الأنظمة (بنعلي،الكدافي، حسني مبارك،حماني توري،وإبعاد حكم عمرا لبشير عن جنوب السودان ووضع كباكبوGBAGBO وزوجته في سجن ساحل العاج ونفي فرنسوا بوزيزي من افريقياالوسطى)في المرحلة الأولى ليأتي بعدها مسلسل جديد لسقوط رؤوس الأنظمة الذين صعدوا انطلاقا من سنة 2011 مثل محمد مرسي بمصر ، والكولونيل صنوكوSANOGOبمالي،ورؤساء الوزارات بتونس وليبيا..ويعني ذلك أن “سقوط رؤوس السلطة “لازال ممكنا ومستمرا، ونستعمل مصطلح رؤس السلطة ليشمل جميع أنواعهم ….وتتقلص ظاهرة البقاء على رأس السلطة لمدة طويلة أومدى الحياة، وتقتصر مثلا على رؤس قليلة محددة لاتزال منفلتة ،مثل بوتفليقة بالجزائر وعبد العزيز في موريتانيا،والبشير في السودان الشمالي وحتى رؤس سلطة ازاواض وجبهة البوليساريو….وقد انتهى بعض رؤس السلطة وزوجاتهم الطامعين في الحكم مدى الحياة أوتمديد فترات الحكم الى عشرات السنين أو توريث الحكم إما بالنفي أوالسجن أو القتل..

وتفرض منهجية الدراسة أن نلاحظ وجود عنصر” المفاجأة” وعدم توقع ما كان يمكن أن يحدث سنة2011،فجميع التغييرات التي وقعت في المغرب مثلا خلال هذه السنة لم تكن مبرمجة في أجندة السلطة والأحزاب السياسية والمخابرات لتنجز في تلك السنة مما جعل المفاجأة عنصرا يفرض نفسه في هندسة التوقعات المستقبلية حتى بعد سنة 2013في جميع الدول الحادية عشر.كما تفرض المنهجية أن نلاحظ أن سقوط رؤس السلطة تبعه في بعض الأقطار تعطيل الدساتير أو إلغائها ومحاولة إيجاد بديل عنها بتعيين لجان لوضعه لكن لم تفلح أية لجنة في تونس وليبيا ومصر مثلا في بلورة وإقرار دستور لفترة مابعد سنة 2011وبقيت الجزائر معرضة لتغييرات دستورية تتعلق بتمديد رئاسة بوتفليقة لمدة لاتعرف عواقبها… كما أن دستور المغرب لسنة 2011 لم يتم ترقيعه بالقوانين التنظيمية التي فتح أبوابها على المجهول مثل السلطة القضائية ،والجهوية، والأمازيغية وبقي مثقوبا وفارغا،ويفرض التاريخ أن نلاحظ أن الدول المذكورة هنا تشترك في نقطة هامة وهي كونها مستعمرات فرنسية قديمة منذ أواخر القرن 19الماضي،وهذا الاستعمار حاضر ومؤثر على كل مايجري في هذه البلدان(الجيش الفرنسي موجود حاليا في مالي وساحل العاج)مما جعل فرنسا طرفا معنيا وقويا يتحتم منهجيا التركيز على دوره في كل مايجري في هذه البلدان سوى مصر.

وختاما فان مايجري في مصر وتونس وليبيا الآن هو غسل آثار ونتائج سقوط رؤس الأنظمة التي كان حتميا أن يتبعها إسقاط هياكل الحكم والأحزاب والجيوش والقوانين التي بنيت عليها عروش الرؤساء وهي عملية تنظيف لن تتم بسهولة ولا بحوار هادئ،وستنتهي بنفس طريقة نهاية رؤس الحكم،خلال زمن قد يطول ،ولكن نتائج تحركات سنة2011 مستمرة وأبرز ما فيها هو البداية من إسقاط رؤس الحكم ثم تأتي البقية..

التعاليق (0)
أضف تعليق