رشيد شباري أو سمير “المنشق” دائما

خصّ الاستاذ عبد المجيد السخيري “أنوال بريس” بمقال مكتوب بأنامل الوفاء، الوفاء لشخص شاركه جزءاً من عنفوان الشباب، والوفاء لمرحلة وسمت العمل السياسي والطلابي بميسم خاص. مقال عبد المجيد هو شهادة/ تأبين في حق رفيقه وزميله في النضال الطلابي؛ الفقيد رشيد شباري (سمير) الذي اختطفه المرض اللعين قبل أيام.

شهادة السخيري لا تنسج على منوال الشهادات البرتوكولية المسكوكة التي تُتلى في هذه المناسبات التي يكون فيها المرء تحت وقع الفقد والفراق، بل إن شهادة السخيري جاءت متخمة ببلاغة التفاصيل، ومترعة بنسغ الانسانية الذي ينزّ من بين شغاف الوفاء والحنين.

تشاركا السخيري وسمير في الكثير من التفاصيل إبان العنفوان القاعدي اواخر الثمانينيات ب “جمهوية ظهر المهراز” كما يسميها السخيري، حينها كانت الساحة الجامعية معتركا يضجّ بالنقاش السياسي والفكري، وكانت مشتلا لا ينضب للأحلام والتوق الى مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وفيما يأتي نص مقال السخيري:

بمناسبة أربعينية المناضل الراحل أيمن المرزوقي، قبل سنوات، اتصل بي أحد الرفاق ليخبرني بصدور كتيب “شهادات ووثائق” الذي تضمن الشهادة التي كتبتها عن الراحل، وكان سمير/ رشيد شباري إلى جانبه فطلب منه أن يمرر له الهاتف ليتحدث إلي. من بين ما أذكر اليوم جيدا مما دار بيننا أنه طلب مني بنبرة متعبة أن أحضر شهادة في حقه “من الآن” لأنه يشعر أنه لن يطيل كثيرا في هذه الدنيا. الحقيقة أني لم أتعامل بجدية مع طلبه واعتبرته مجرد تعبير انفعالي عن الاعجاب الذي أبداه، بطريقته الخاصة، بالشهادة التي كان قد قرأها للتو عن “أيمن” المنشورة بالكتيب المشار إليه أعلاه. وسأكذب إن قلت أني أكتب اليوم هذه “الشهادة” تلبية لذلك الطلب الغريب. ما أفعله هنا استجابة لبعض أصدقائه غير التقليديين ألحوا علي بكتابة شهادة في حق الراحل من موقع ما جمعني به في التجربة الطلابية بجامعة “ظهر المهراز”، خاصة في السنوات الأولى التي كانت علاقتي بسمير، وثلة من المناضلين الآخرين، متينة وخاصة جدا، قبل أن تعصف بها منعطفات ما بعد المقاطعة الشهيرة للامتحانات أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، واندلاع “الحرب الأهلية” في جامعة وجدة بين الرفاق حول “الشرعية”.

هل استشعر “سمير” الإصابة بالمرض الخبيث الذي ألم به فيما بعد حين طلب مني أن أبدأ بتحضير “شهادة” مثيلة لتلك التي دونتها في حق الراحل “أيمن”، مثلما حدث مع الكاتب والمسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس حين صرح، بعد إصابته بالمرض القاتل، أنه عشية الهجوم على بغداد تملكه الشعور بالإصابة بالمرض، وهو ما تأكد له بالفعل بعد التشخيص. لا أخفي أن الشك ساورني حينها بأنه ربما يشكو من المرض نفسه الذي سيفتك بجسده النحيل شهورا بعد ذلك، لكن رفقينا المشترك طمأنني بأن لا شيء مؤكد من ذلك، وانه فقط يمزح على طريقته. نسيت قصة ذلك الطلب بعدها إلى أن أخبرني هذه المرة الصديق جابر الخطيب بأن “سمير” دخل رحلة الاحتضار بعدما شخص الأطباء إصابته بالمرض العضال في مراحل متقدمة، فكان أول ما خطر ببالي ذلك “الطلب الغريب” من تلك المكالمة، وهي للأمانة كانت الأخيرة بيننا. لم أتشجع على مهاتفته لمواساته خوفا من أن يتذكر طلبه السابق فيضاعف ذلك من معاناته، وهو ما لا أستطيع تحمله كاستجابة ثقيلة لطلب مؤلم.

حين أسترجع اليوم ذكرياتنا المشتركة في الساحة الجامعية قبل “القطيعة” المؤقتة، أو جلساتنا الحميمية في ذلك المنزل الفسيح الكائن بحي “ليراك” الشعبي، وكان أشبه بمقر حزبي أو نقابي يعج بالحركة والنقاشات الصاخبة التي لا  تنتهي ولا تهدأ إلا حين ينبلج الصبح، بينما يستسلم “سكانه” أخيرا إلى النوم حتى منتصف النهار، ليبدأ اليوم بوجبة فطور جماعية لا تقل صخبا وتطلبا، وهي وجبة من حيث طبيعة الاحتشاد حول المائدة وتنوع الطلبات أشبه بتلك التي نشهدها في الأعراس الريفية العريقة خصوصا بمنزل العريس صباح “الدخلة”؛ أو حين أستعيد طيف الحلم الهارب والوجوه الغائبة إلى الأبد، أو حتى تلك التي تقيم في النسيان في مكان ما من هذا العالم، أصاب برعشة الزمن وينتابني رهابه إلى حد أن أعجز عن تبيُّن حقيقة ما عشته هناك من الأحلام أو الأوهام التي تشكلت عندي بشأن عدد من الأمور والتفاصيل التي لا تفارقني من تلك الأيام البعيدة. في أحيان كثيرة أتحسس نبضات قلبي وأنا استعيد قصص الحب الأخيرة وملامح الحبيبات والوجوه المألوفة للرفاق المتوارية خلف تجاعيد الزمن ومنعرجات الحياة ما بعد الجامعة، ومنها وجه “سمير” المتعب الذي بصمته السنوات العجاف للبحث عن الذات أو التنقل بين الأرضيات والدعوات السرية لما تبقى من قبضة الأمل بيد الرفاق الذين أعياهم حساب الاتساق بين الهوية والشعار، وأضناهم التطلع إلى المستحيل برصيد الممكنات المتبقية من بين رماد الجمر.

في اللقاءات القليلة جدا التي جمعتني بسمير بعد الجامعة، كان الحنين إلى سنوات “اليوتوبيا” المجيدة هو ما يطغى على أحاديثنا، وعادة كذلك في كل أحاديث “القاعديين” سابقا، غير أن المشاغل والمغامرات الأدبية والاهتمام بالمشاريع الفكرية للأصدقاء كان ربما أكثر ما يمنحه الطاقة لتجديد ما يهدره في البحث عن كوة ضوء في أنفاق السياسة أو العمل النقابي. فمن دون شك يمنح الأدب لصاحبه الكثير من الحرية، ويعيد للفرد الكثير من فرديته المسحوقة أو المطموسة، ولعل “سمير” تأخر قليلا في استثمار طاقته في هذا المجال، كشأن بعض من الرفاق السابقين في مجالات بعينها، حيث كان يمكنهم أن يقدموا من خلالها أفضل ما بوسع المناضل أن يقدم لشعبه في ظروف مثل تلك التي نمر منها اليوم، لكي أتحدث بلغتنا المشتركة والمفهومة أكثر. ولعله أيضا كان يشعر أنه يتقاسم، مع ذلك الذي ابتعد قليلا عن الحضور في “المشهد” السياسي البائس ليسار بلا هوية ولا أرضية، الأسئلة المغيبة قسرا من أفق فكر سياسي ورؤية جمالية أراد لهما البعض أن يظلا عالقين بين الخطاطات البالية والشعارات المستهلكة. وبالمناسبة أذكر أيضا أن “السياسة” كانت نقطة ضعف “سمير” الكبيرة، ليس لأنها كانت تضعه دوما في مواجهة مواقف صعبة ومتشنجة وتشوش علاقاته مع أصدقائه ورفاقه في التجربة الطلابية، كما في تجارب لاحقة عليها، أو تلقي بظلالها على اختياراته في الحياة والأدب والسير على حدة، بل لأنها أساسا وقبل كل شيء لا تواتيه من حيث الطبع والتكوين الشخصي، ولعل هذا ما أذكر أني أدركته حقيقة منذ الأيام الأولى التي عرفته فيها في الجامعة، رغم أنه سبقني بسنوات إلى هناك، مع ثلة من ” قدامى” الجامعة، (إثنان منهم رحلوا قبله: حميد المحجوبي وحسن العلوي)، وقد اقتسمت معهم في العامين الأول والثاني تجربة “فوضى” جميلة لا توصف بعيدا عن رقابة “الحرس القديم”، وكنت “الريفي” الوحيد بين خلطة عجيبة من طلبة سيدي قاسم والقصر الكبير، وهما كذلك من “أقليات” جامعة “ظهر المهراز” آنذاك.

في تلك القلعة “الجمهورية” العنيدة كنت قد تعرفت على “سمير” مبكرا كوجه مألوف بين “القدامى”، كما على عدد مهم من الرفاق الحالمين من أغلب جهات المغرب المنسي القدامى منهم والجدد، الشاب النحيف شديد السمرة، المتوجس والقلق القادم من عمق “الغرب” النافع برصيد من الأحلام الضائعة والمشاريع المؤجلة، وقد أصبغتها تعثرات السنوات الأولى من الدراسة الجامعية ببعض من العبث وفوضى الرؤية وغدر الزمان. وحتى قبل أن تنقضي تلك السنوات وتلوح في الأفق بوادر انهيار “الجمهورية”، كان “سمير” قد عرّج على أكثر من تجربة “انشقاق”، لا زلت أذكر كيف كان يجعل منها بعض الرفاق مادة تفكه لاذع، خصوصا الثنائي “حسن العلوي” ( وقد رحل قبله بأشهر بدون جلبة ولا تأبين حاشد كأنه يدفع مرة أخرى ضريبة “يهوديته” وهامشيته) و”عبد الإله .ج” بقدرتهما العجيبة على تنسيق الهزل والتوغل في مفارقات الموقف وتداعيات الزمن الطلابي، وفبركة معجم ملغز لا يفك طلاسمه إلا الراسخون في علم الخرائط  السرية لظهر المهراز.

لا أنسى أبدا ما كنت أسترقه من لحظات الانتشاء العميق بحضور هؤلاء ومن ردود فعل “سمير” التي لا تقل سخرية، إذ لم تكن تعوزه لا القدرة ولا التلقائية في التفاعل مع “قفشات” حسن وعبد الإله بردود سريعة وضربات أشد إيغالا في الإيحاء. كان ذلك قبل مغادرة “عبد الإله” للجامعة وبداية فترة القطيعة “السياسية” التي حدثت بعد قيام “الحرب الأهلية” في جامعة وجدة، مع من تبقى من “القدامى” بعد قرارهم الالتحاق بمعسكر “الخصوم” بشكل مفاجئ ردا على الإقصاء الذي طالهم من الترقية في “سلم القيادة”، ومنه بالطبع “سمير” الذي سيخوض مرة أخرى تجربة “انشقاق” جديدة، ولن تكون أيضا الأخيرة. وأذكر بالمناسبة جيدا أن “سمير” كان أول من اندفع من بين “المنشقين” المحليين إلى التعبير عن صدى ما كان يدور في وجدة من حرب ومواجهات في إحدى “حلقات” كلية العلوم، وقد لجأ حينها إلى استخدام الاستعارة ليوصل الرسالة إلى من يهمهم الأمر في “قيادة الأركان”، مع أنه كان قليل الحضور في الواجهات التقليدية للساحة الجامعية ويحجم في الغالب عن التدخل في اللقاءات العامة(وهو أمر لم يكن على أي حال سهل المنال !)، ولن أنسى أبدا أن تلك الاطلالة كانت بالنسبة لي مؤلمة لأنها تعني ببساطة أن علاقتنا سيصيبها الفتور في أحسن الأحوال إن لم تتحول إلى عداء مفتوح على المجهول.

لحسن الحظ أننا نجحنا في تطويق الأزمة مبكرا قبل أن تتفاقم بفضل تدخلات بعض الرفاق من “الوسط” لتعود المياه إلى مجاريها، كما يقال. لكن في حالة “سمير” يمكن أن أقول أن الطبع غلب التطبع، فلم يكن من النوع الذي يركب رأسه إلى النهاية، وبقليل من التواصل وتطييب الخاطر “يعوذ من الشيطان”، وهو بالفعل ما حدث مع كامل أفراد المجموعة “المتمردة”، باستثناء الراحل حسن العلوي الذي وجد نفسه في نهاية الطريق وأغرته “الزعامة” الممنوحة فكان من الصعب عليه أن يتراجع إلى الخلف ويعود إلى أحضان الأصل! وليس بوسعي في هذا المقام أن أخوض في شجون هذه الفترة الحرجة من “تاريخنا” السياسي ومخلفاتها الكارثية، والتي تزامنت، لمكر التاريخ، مع انهيار الاتحاد السوفياتي وحلم الاشتراكية. فمع أننا نجحنا نسبيا في ترميم الموقف وتضميد الجراح قبل فوات الآوان، بالنسبة لمجموعة صغيرة من أولئك “القدامى” الغاضبين، إلا أننا خسرنا بعض الرفاق الآخرين بسبب أيضا العناد وتضخم “الأنا” القيادية وتشويشات ” مشبوهة ” كان يصعب إدراكها من الغالبية الساحقة من المناضلين والمناضلات، مثلما كان يصعب على البقية القليلة من المتفطنين التحكم فيها وضبط مصدرها بشكل جيد، خاصة في ظل وضع ملتهب وظرفية دقيقة اختلطت فيها الرهانات والحسابات وتضخمت فيها الأهداف والتطلعات.

وإن الخوض في هذه التجربة لوحده يتطلب كتابا، مع كل ما يتطلبه إنجاز مثل هذا العمل من صبر وموضوعية وتجرد في استرجاع الأحداث وسرد الوقائع وإعادة بناء الصورة وتحليل المواقف، وهو أمر أبعد ما يكون في متناول الرغبة الذاتية، فبالأحرى لمن يريد أن يجعل من هكذا عملا مصعدا لنجومية زائفة واستحواذا لا أخلاقيا على “ميراث” الغير( إلى اليوم ما أزال أترفع عن الخوض في تفاصيل بعض ما نشر بهذا الخصوص أو غيره لأسباب شخصية وأخلاقية معا). وكل ما يمكنني أن أقوله بهذا الخصوص بشكل مركز، وسيبقى في حدود استعادة واحدة من ذكرياتي مع “سمير” في بعدها الانساني أولا وأخيرا، أن “السياسة”، بالمعنى الضيق، تفسد بكل تأكيد كل ما يمكن أن يجهد المرء في بناءه من علاقات انسانية والحفاظ عليها من التقلبات الظرفية ومن مفاعيل عوامل الزمن والعمر، وتقييم كل واحد لتجاربه ومسيرته ومراجعة ما يراه جديرا بالمراجعة والنقد، وهو أمر مكفول أخلاقيا للجميع، قبل أن يكون حقا لكل فرد لا يحتاج فيه إلى استئذان من أحد.    لا نخسر مع رحيل أمثال “سمير”، وقبله أيمن وحسن وآخرون، جزءا من ذاكرتنا الجماعية فحسب، بل نفقد إلى الأبد شهودا على أحلامنا المجهضة وخيباتنا، على وجودنا الرمزي ولعنة الانتماء التي لا تفارقنا، إنما أيضا على ما تبقى فينا من شعلة الأمل متقدة لا تطفئها نوائب الزمن وتقلباته.

وكل ما يمكنني أن أختم به هذه “الشهادة” هو أن “سمير” الذي أغرم بالأدب واستهوته الكتابة القصصية وأغواه شيطان الابداع هو نفسه كان أشبه بشخصية روائية في التجربة الطلابية، فيها من ملح الخيال أكثر مما فيها من المادة الواقعية، وكم كنت أتمنى أن يجعلها هو بنفسه شخصية قصصه غير المكتملة ومشاريع روايات لا ترى النور أبدا، كما شأن أحلام الشباب المتحمس لقلب العالم بضربة ساحر! ومثل هذه الشخصية لا تحتاج إلى العزاء، إنما تستحق أن يُحتفى بها كذاكرة جماعية ورصيد رمزي لجيل الأحلام الضائعة.

عبد المجيد السخيري

التعاليق (0)
أضف تعليق