رسالة مفتوحة: إلى رئيس حكومة الدستور الجديد..

عماد العتابي

السيد رئيس حكومة الدستور الجديد، لما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة.

فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة نادت باحترام حقوق الأفراد والشعوب وتوطيد احترام الحقوق والحريات، فأين أنتم من احترام الحقوق والحريات الفردية؟ والمجلس العلمي الأعلى، المؤسسة الرسمية التي يترأسها “الملك” قد أصدرت فتوى يجيز من خلالها هدر دم كل مغربي (ة) اختار دين آخر غير الإسلام، حيث ورد في أحد فقراتها (الفتوى) ما يلي ” أما بالنسبة للمسلمين: في شأن حرية المعتقد والدين، فإن شرع الإسلام.. يدعو المسلم إلى الحفاظ على معتقده ودينه وتدينه… فلا يسمح له شرع الإسلام بعد ذلك بالخروج عن دينه وتعاقده الاجتماعي، ولا يقبل منه بحال، ويعتبر خروجه منه ارتدادا عن الإسلام وكفرا به، تترتب عليه أحكام شرعية خاصة ويقتضي دعوته للرجوع إلى دينه والثبات عليه، وإلا حبط عمله الصالح، وخسر الدنيا والآخرة، ووجب إقامة الحد عليه ..”. الفتوى نشرت ضمن كتاب صادر عن المجلس تحت عنوان ” فتاوى الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء 2004 -2012 “.

السيد رئيس حكومة الدستور الجديد، إن المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه الملك قد أعطى الضوء الأخضر لقتل الناس وسلب حقهم في الحياة، فهاهي الجماعات الإسلامية المتطرفة والقوى الظلامية تفتي هي الأخرى بقتل وهدر دماء المواطنين، الذين واجهوا بعض رموز التطرف بمنطق المحاججة والتناظر والمقارعة الفكرية، فقوبلوا بمنطق الوعيد والتهديد بالتصفية الجسدية لأن هذه الجماعات لا تؤمن بالاختلاف وحرية المعتقد. إن ما تعرض له بعض المواطنين من تهديد بالتصفية الجسدية وتشويه لسمعتهم وتشهير بشخصهم، يعد انتهاكا صارخا لحريتهم وقناعاتهم الفكرية. هذا التهديد الذي يستلزم من الدولة المغربية على الأقل الخروج بموقف واضح من فتاوي هدر الدماء والتحرش بالمواطنين، النموذج “أحمد عصيد” وكذا تحمل كامل مسؤولياتها القانونية ومحاسبة المحرضين على القتل ومعاقبتهم على تهديدهم لحياة المواطنين وأمنهم وسلامتهم.

السيد الرئيس أنى لحكومتكم أن تعاقب هؤلاء وهي السابقة إلى إصدار هذه الفتوى عبر مؤسسة رسمية تابعة لكم، وهذه الفتوى إعلان صريح إلى كافة الجماعات الإرهابية المتطرفة أن تحذو حذو حكومتكم الملتحية في استصدار فتاوي التكفير وهدر دماء المواطنين المغاربة.

وإذا كانت القوانين السماوية تعطي للفرد الحق في اختيار دينه ومعتقده، فليس من حق هذه المؤسسة أو جماعات أخرى أن تصدر مثل هذه الفتاوي التي تناقض ما جاءت به الكتب السماوية، وهذه الفتوى تستهدف مستقبل حقوق الإنسان في بلادنا، وحرية المعتقد بالذات، بل وعلى مستقبل التطور الديمقراطي وبناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة، المساواة، احترام حقوق الإنسان ، والتعايش الثقافي والديني، ولكونها دعوة علنية وصريحة لقمع واضطهاد المواطنين في قناعتهم الشخصية والدينية. كما تعد هذه الخطوة خرقا سافرا وصريحا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي سبق للمغرب أن وقع عليه، وخاصة المادة الثالثة منه، حيث تنص على أن :” لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”. كما أن الفتوى دعوة صريحة للتمييز العنصري بين أبناء الشعب المغربي على مختلف مكوناته العرقية والدينية والثقافية واللغوية، وعدم احترام الأقليات الدينية والفكرية وتضرب في الصميم المادة الثانية من الميثاق الدولي لحقوق الإنسان التي ورد فيها: ” لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر ..”.

إن أي مس بالسلامة الجسدية والمعنوية لأي مواطن مغربي عبر عن رأيه في موضوع ما، هو مس للمواطنين المغاربة كافة، وعلى الحكومة المغربية والسلطات المعنية أن تراجع فتوى المجلس العلمي الأعلى، كما يتوجب عليها أن تحترم بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأن تُعمل القانون وتحرص على تطبيقه ومعاقبة المحرضين على قتل الناس وتكفيره.

وفي الأخير، السيد رئيس حكومة الدستور الجديد، إن في الدول الديمقراطية المتقدمة يمثل رئيس الحكومة أو رئيس الوزراء كافة المواطنين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والعقائدية، وأنتم تخلطون بين موقفكم الحزبي الضيق ومنصبكم على رأس الحكومة.

 

التعاليق (0)
أضف تعليق