خالد الجامعي: وذكّر..

“المغرب يا جلالة الملك، لم يعد يقبل أمثال الهمة، والماجدي، وإلياس العمري… نعم يا جلالة الملك، المغرب لم يعد يقبل أن يتحكم هؤلاء في الحكومة ويعطون التوجيهات بالهاتف، ويخيفون رجال الدولة، ويشتمون المدير العام للأمن الوطني، ويعطون التعليمات للقضاة… هذا لأنهم يستمدون نفوذهم من القرب منك فيفسدون في الأرض ولا يصلحون
لقد قالها لك المغاربة… هاد الناس ماكيمتلوكش … هاد الناس كيمتلو الاستعمار، هاد الناس كيعتبرو المغاربة عناصر ينبغي ضبطها بالعصا والجزرة، وبوسائل القمع والأساليب البالية، أساليب التجسس التي أسقطت بن علي حفظك الله يامولاي، والتي أسقطت مبارك حفظك الله يامولاي، وستسقط القذافي حفظك الله يامولاي، ولا سبيل لذلك إلا بالتخلص منهم اليوم”.

هذه هي العبارات التي تلفظ بها بن كيران في معمعة الانتخابات التشريعية السابقة، وهي عبارات لم تتبن فقط واحدة من الشعارات البارزة لحركة 20 فبراير، وإنما توغلت في المزايدات وحملت في طياتها تهديد من يهمه الأمر، والمقصود به الملك…

وإذا كان بن كيران قد أخذ هذه المواقف التي هي في حقيقة أمرها منطقية على أكثر من صعيد، فإنه اعتقد بسذاجة حقيقية أو مفتعلة بأنه قادرعلى دحر هؤلاء الأغوال المخزنية التي ليست في النهاية سوى دال على مدلول اسمه المخزن.وإذا كان الرجل قد قال ما قاله عن صدق أو مزايدة، فإنه نسي أن ذاكرة المخزن لا تعرف داء النسيان ، وأنها بالتالي تأخذ كل وقتها وتعرف كيف ترد الصرف” في الوقت المناسب دون تسرع أو تردد “.وبطبيعة الحال، يكون رد “الصرف” هذا، كاويالاذعا ومقرونا دائما بالتنكيل والتحقير والإهانة، و انتقامه طبق لا يأكل إلا باردا.

وبالمناسبة، فإن المخزن لمن لا يعرفه، هو أشبه حالا بالقصبة، إذ يميل عند هبوب العاصفة، وينثني ، لكنه لا ينكسر الا نادرا وعلاوة على ذلك، فهو يتميز بصبر الجمل، ويـتحمل أعتى الضربات ، ولكن هيهات هيهات…

المخزن لا يعرف لا طابوهات، ولا محرمات، بل يتحرك بغريزة البقاء، ما يجعل منه بعبعا ذا باع طويل في الواقعية والانتهازية .

المخزن يندرج في إطار الاستمرارية والديمومة، ولتحقيق ذلك، لا غضاضة عنده أن يتحالف مع الشيطان. وكل معاهدة بالنسبة إليه، هي معاهدة مرحلية ومؤقتة.

ولنتذكر الحسن الثاني في هذا الخصوص حينما استقبل في قاع عرشه بمراكش وفدا من البوليساريو، أو حينما أبرم معاهدة مع العقيد الراحل معمر القذافي، أو عندما أسس ما أسماه ب”التناوب التوافقي”…

المخزن يعرف أن السلطة هي بؤرة من بؤر جهنم، لذلك ينتهي دائما برمي حلفائه المؤقتين فيها اعتبارا منه بأنهم ليسوا مجرد مناديل ورقية (كلينيكس) تافهة.

ففي هذا الإطار ينبغي إدراج مجيء العدالة والتنمية إلى الحكومة وتحليل ما يصاحب مجيئها من كبوات وخيبات.

هذا الحزب يعاني الأمرين اليوم بسبب أخطائه الاستراتيجية وبسبب جهله العميق بالمخزن وممارساته.

“قال لهم مالو طاح؟ قالوا خرج من الخيمة مايل”

وهكذا، لما قبل بتشكيل الحكومة، وضع عنقه في المقصلة، حيث أصبح رهينة بين مخالب حلفائه المتمخزنين حتى النخاع، أي بمعنى آخر، وقع صك إعدامه بيده.

لقد انخرط في سلسلة من التنازلات التي سرعان ما انقلبت إلى انبطاحات، ليصبح المسكين في خاتمة المطاف، قزما عاريا من كل جدية ومصداقية لقمة سائغة بين أنياب الأحرار والحركة الشعبية،

واليوم، هاهي ذي الدائرة قد دارت على بن كيران لما تمرغ أنفه في التراب، وأصبح كمن يغني على عود بلا وتر، حيث اضطر للاعتراف بالدور “السامي” الذي يلعبه فؤاد عالي الهمة، حين قال في حقه ضمن استجواب أجرته معه جريدة الشرق الأوسط:

لقد قام الهمة بدور كبير في التشاور، وأسهم في الوصول للصيغة النهائية سواء بالنسب, للحكومة الأولى أو الثانية..”

فسبحان مبدل الأحوال، وسبحان من يقلب الليل على النهار والنهار على الليل…

التعاليق (0)
أضف تعليق