خاطرة من داخل المستشفى

شاءت الأقدار وقضت أن أقضي الأسبوع الأول من شهر أكتوبر من هذه السنة، داخل إحدى الأجنحة بالمستشفى الجهوي بالحسيمة، في عيادة والدتي – شفاها الله وأطال في عمرها- كلما سنحت لي الفرصة بذلك، بعدما ولجتْه في الساعات الأولى من صباح اليوم الأول من الأسبوع، قصد إجراء عملية جراحية وصفها الطبيب بالبسيطة غير المعقدة، وباليسيرة غير العسيرة، عملية جراحية لاستئصال ورم غير خبيث بالغشاء الخارجي للبطن، فكانت المناسبة للاحتكاك والمعايشة الشخصية لسير مرفق اجتماعي لقطاع اجتماعي ببلادنا.

المستشفى الذي تدرج – على الأقل تسمية- من المستشفى العسكري، كما يعرف لدى قدماء ساكنة الإقليم وينطقونه بالإسبانية، إلى المستشفى الإقليمي فالمستشفى الجهوي حاليا.

في اليوم الثاني، لدخول الوالدة، وهو يوم إجراء العملية، حرست أن أتواجد بالمكان في الساعات الأولى من نهاره وقبل أن ترسل الشمس أول خيوطها، لعلي أخفف قليلا من الهلع الذي انتابها وأهدئ من الروع الذي تملكها، فرأيت ما رأيت، وصدقت البصر فيما رأى، فتكونت لدي فكرة وتولد عنها رأي يصعب العدول عنه إلى أن يثبت العكس فيما رأيت.

رأيت ما رأيت ..

رأيت البذلات البيضاء التي تعلو ألبسة مختلفة الألوان، بين بيضاء وخضراء وزرقاء، تتنقل بين أسرة المرضى تسأل عن الحال والأحوال، تقترب من هذا وتنحني على ذاك حتى تسمع صوته الغائر .. حيث لكل مرضاه يسهر على استشفائهم في حنو ورأفة، وسرعان ما تمنيت لو امتهنت المهنة لأدي المهمة.

رأيت ما رأيت ..

رأيت التي تطوف بالدواء، في الصباح والمساء، فتتبختر في مشيتها فخورة بعملها، متفقدة أحوال مرضاها، معتزة بأداء واجبها؛ فهذه تريا تنير الجناح متى أنيرت، وتلك مليكة التي بمجرد ما يراها مرضاها تأسر قلوبهم وتمتلكها، ظاهرها ابتسامة لا تفارق محياها وباطنها رأفة وحنان، وتلك زهرة الصباح تتفتح رحمة بالمرضى، تدفع عربة ملأى بالرأفة والرحمة توزعها أقساطا على مرضاها قهوة صباح ..

رأيت .. ويا أبدع ما رأيت .. رأيت إبداعا في التناسق بين المهمة والقامة، بين اللباس والوظيفة، رأيت بياضا لونا وسلوكا، رأيت ممرضة قلبا وقالبا، فكانت بديعة تستحق أن يفتخر بها قطاع الصحة ببلادنا، ويفتخر بها المجتمع برمته.

رأيت اسم على مسمى، رأيت اللويزة، صغيرة في قامتها، عظيمة في أدوارها، تجدها في كل المكان، وفي كل الزمان، تقوم بكل الأعمال وبكل إتقان، تسبق الجميع في البكور، تتسلل بدون أثرلخطوات، تكاد لا تلامس الأرض بقدميها. تغير ملابسها، تحمل لوازم عملها وتسرع في هدوء لتنظيف بلاط الجناح وبكل إتقان. تسرع في أداء مهمتها الرسمية، لتسارع إلى مساعدة الأخريات في مهمتهن عن طواعية وبكل أريحية، حتى أنه لا يسمع في الجناح غير المناداة على اسمها، ممرضات ومريضات، راهبات ومتدربات، وكأنها الأم الرؤوم بالجناح، وبذلك استحقت أن يحمل الجناح اسمها تكريما لها بعد إحالتها على المعاش.

رأيت و رأيت ..

رأيت ويا أبشع ما رأيت .. رأيت أجساما هزالا نحالا، ترتدي سراويل سوداء وقمصانا زرقاء على غير مقاسها، خططت عليها كلمات تآكلت مع عوادي الزمن ولم تعد سهلة التعرف على معالم حروفها، ما زاد من بشاعة المنظر. شريط اتخذ ربطة عنق وما هي أشبه بذلك، حاملوه متطلعون لتمثيل دور الزبانية وما هم من ذلك مقتربون، لا بنية ولا مظهرا، ولا حتى المجال يسمح بذلك، وهم على ذلك مصرون ..

رأيت ما رأيت ..

رأيت ويا مخجلا ما رأيت ،، وكان آخر ما رأيت.

رأيت وأنا أدلف مبنى المستشفى من بابه الرئيسي لإتمام الإجراءات الأخيرة لخروج الوالدة المريضة، وقد تزامن ووقت انصراف زائري المرضى بالمستشفى، رأيت زمرة أفرادها من أجناس وأعمار مختلفة، مظهرهم يوحي بأنهم حجوا من فج عميق بإحدى المناطق النائية بالإقليم التي بدأت تتسلل إليها

بوادر البرودة القاسية رغم أن فصل الصيف لم ينقض بعد، صافح قائد الزمرة حارس الباب بيسراه بينما مد الحارس يمناه، فكانت اليسرى هي العليا وكانت اليمنى هي السفلى. ضممت شفتي السفلى إلى العليا ضاغطا بها على الفك العلوي، حركت رأسي، ثم أسرعت الخطا حيث وجدت الموظف ينتظرني والمفتاح بباب قفل باب مكتبه، سلمته نسخة بطاقة RAMED، وسلمني بطاقة الخروج الحمراء، أمسكت بوالدتي مساعدا إياها على الوقوف والدب خارج المستشفى حيث سيارة الأجرة الصفراء في الانتظار.

فتحية لجميع الساهرات والساهرين على راحة المرضى بجناح الجراحة بالمستشفى الجهوي بالحسيمة، أطباء وممرضات والمساعدات الاجتماعية (الراهبات) وعاملة النظافة، ومن خلالهم لجميع زميلاتهن وزملائهم بالمستشفى، الذي أتمنى أن يكون في مستوى الجناح المذكور. ومتى كان كذلك، حق لنا جميعا أن نفتخر بقطاع الصحة ببلادنا بين البلدان.

ورحمة بالقميص الأزرق الداكن .. لنغيره بأزرق فاتح .. حتى يلين ويدع الرحمة تتسلل إلى داخل مرتديه المشغَّل بالمستشفى.

لعزيز

التعاليق (0)
أضف تعليق