حُرّيةٌ بالتّقْسِيط.. دفاعاً عن عثمان عتيق “مستر كرايزي” دفاعا عن حرية التعبير

خلال سنوات الثمانينيات والسبعينيات حدث أكثر من مرّة أن تم اعتقال بعض المواطنين لكونهم ضبطوا وهو يتأبطون غيثارة، ثمة أكثر من حالة لأشخاص تم اعتقالهم بسبب الغيثارة، هذه الأخيرة كانت وقتئذ عنوان الانتماء إلى صف الغاضبين، فقد شاعت أغاني بنَفَسٍ ثوري تتناول موضوعات اجتماعية وسياسية يؤديها شباب الأحياء الشعبية وطلبة الجامعات وتلاميذ الثانويات، كانت تعزف هذه الأغاني في أغلبها على آلة الغيثار، لذلك صارت هذه الآلة الموسيقية نذير شؤم للسلطة ترى فيها أداة تحريض، فكان كل حامل لهذه الآلة مشروع معارض جذري يجب اسكاته، ولذلك كثيرا ما حدث أن تم اعتقال أو استنطاق شباب لا علاقة لهم بالأغاني الثورية والاجتماعية والسياسية، فقط لأنهم ضبطوا يتأبطون غيثارة، والغيثارة تهمة ذلك الوقت..

الآن لم تعد الغيثارة خصم السلطة، طبّعت معها وصارتا سمناً على عسل، لكن لأن الطبيعة لا تقبل الفراغ كما سمعنا وقرأنا، صار للسلطة أعداء اخرين من دون الغيثارة، صار الراب وأغاني الشباب المتمرد هو ما يقضّ مضجع هذه السلطة لأنه فن مباشر، لا يتوسل بالكنايات والاستعارات ليقول رسالته بل يقولها نهارا جهارا، لذلك تكرهه لأنه يفضح استبدادها وفسادها، فصار الراب ملزم باتباع أحد المَسِيرَيْنِ:

– إما أن ينخرط في الجوقة ويصيح “عاش الملييييييييك” ليكون فنه وطنيا يخدم الوطن ولو احتوت كلماته ما شئت من الكلمات النابية، فقط عليه أن لا يكون “عدميا” ينتقد الفساد الاستبداد.. من بعد ذلك كل شيء يهون، حتى الطريق إلى الوسام الملكي سيكون سالكا. و إن كان لابد من الانتقاد وابداء التذمر فليكن ذلك وسط أفق محدود، أن لا تتجاوز تلك الحدود عتبة بنكيران والحكومة ومسؤولي السلطة المحلية الذين يغافلون الملك، أولئك الذين يهيئون له الشوارع والممرات التي يمر منها حتى تبدو له كل المشاريع تسير على قدم وساق، هؤلاء فقط من يمكن لك أن تنتقدهم،

– إما أن تتجاسر وتحاول التساؤل عن مصير الوطن في ظلّ هذا الاستبداد وفي ظلّ هذه المسرحيات السياسية البذيئة، فحينئذ أنت “بَاسَلْ” تستغل جو الحرية لتنغص على وطنك بحبوحة الاستثناء الذي يحسده عليه العالم أجمع وحقّ عليك السجن لأنك لم تسبح بحمد الاستبداد.

قبل أيام حكمت محكمة الدار البيضاء بثلاثة أشهر سجنا نافذا على الشاب عثمان عتيق بتهمة “تأدية أغني الراب بمضمون لا يعجب السلطة” هذه هي التهمة الحقيقية، لكن كان لابد لها من مقبلات فصارت التهمة “تحريف كلمات النشيد الوطني وإهانة الشرطة والقضاء وإشاعة الكلام اللاأخلاقي في أوساط الشباب وتشجيعهم على المخدرات”، وكل التهم الواردة في محضر الاتهام هي تهم واهية ومضحكة أحيانا، الذين استمعوا لأغنية عثمان لم يجدوا ما تضمنه محضر التهم وإلا فنصف مغني الراب والمغنين الشعبين يجب أن يكونوا في السجن بنفس التهم.

لن أنصّب نفسي “فهاماتورا” في الراب وتاريخه، ولا في النقد الفني كما يحاول أن يفعل البعض بحثا عن رفع الحرج على جبروت سلطة الاستبداد، لكن فلنتأمل قصة سجن هذا الشاب بهدوء..

القصة وما فيها بالنسبة إليّ لا علاقة لها بما ذكر في محضر التهم، بل القصة لها تفسير آخر لم تذكره هذه اللائحة.

الآن في سياق ما سمي باسترجاع هيبة الدولة تعمل السلطة على اسكات كلّ الأصوات المزعجة، كما تعمل على تضييق مساحات حرية التعبير، السلطة الآن تفهم حرية التعبير هي أن تقول وتنتقد من داخل النسق السياسي القائم، فمن لم يعجبه الامر عليه مثلا أن ينتقد الحكومة وأن ينتقد بنكيران وأن ينتقد المنتخبون وأن … لكن ليس مسموحاً البتة توجيه البوصلة صوب مكامن الاستبداد الحقيقي، ومكامن الفساد الاقتصادي، وكل من أراد أن يمارس حريّة التعبير عليه أن يمارسها في حدود موضوعات: بنكيران و”الشعب المكلخ” والبرلمان المضحك، جامعة كرة القدم، مدرب المنتخب الوطني…إلخ، أما الدستور والملكية ومحيط الملكية فهي خطوط حمراء ولّى زمن “التطاول” عليها.

وبالنسبة إلى الشاب عثمان عتيق فثمة سببين عجّلا بإيداعه السجن لتكميم أغانيه وممارسة الحجر والوصاية عليه، السبب الأول هو أن معادلة حرية التعبير في أغانيه لم تخضع للمربعات التي تفرضها السلطة، لم يلتزم بالتذمر من بنكيران والنواب البرلمانيون والناخب الوطني.. كما فعل ويفعل مثلا مغني آخر للراب اسمه “مسلم”، بل حاول أن يصوّب على مكمن الفساد والاستبداد كما يراه هو وليس كما تريد أن ترسم السلطة معادلته.
أما السبب الثاني فهو كون الشاب عثمان عتيق يستهدف من خلال أغانيه فئة عمرية لا يريد النظام أن تشبّ عن طوق ايديولوجيته، وقد وصلت مشاهدة بعض أغانيه المتمرّدة عبر اليوتوب إلى أزيد من مليون مشاهدة، وهو ما يعني أن عثمان قد صار ذا حظوة كبيرة داخل عالم الشباب والمتتبعين لأغانيه، والشباب بالنسبة للنظام المغربي وكل نظم الاستبداد هي قنبلة موقوتة غير متحكم فيها، ولذلك تحرس السلطة دائما على أن تتركهم بعيداً عن الأسئلة الكبرى، وتفضل أن تتركهم بين أنياب المخدرات وكرة القدم وكل ما قد يلهيهم عن هذه الأسئلة، أما أغاني عثمان فإنها تقرّبهم إلى هذه الأسئلة وقد تحرّضهم أيضا، وهذا ما يضع معادلة “استرجاع هيبة الدولة” في مهب الريح.

تلك هي التهم التي اقترفها عثمان؛ أراد أن يعبر عن أرائه بواسطة أغاني الراب، لكنه لم يلتزم بالخطوط المرسومة سلفاً، فتكالبت عليه أجهزة سلطة الاستبداد بإعلامها وبراحيها وصحافيها ليقولوا جملة واحدة “عثمان استحق السجن لما اقترفته أغانيه”… الله يا زمن، أن يقول هذا الكلام أحد عتاة أجهزة القمع سيكون ذلك مبرّرا ومنتظرا، لكن أن ينبري حتى بعض الكتبة “الحداثيين الاحرار المستقلين جدا” الذين يؤجرون لمن يدفع أكثر، فالأمر يبعث على الشفقة بالنظر إلى الحضيض الذي انحدر إليه هؤلاء، ف “ليس في قضيّة الحرية حل وسط” كما قال ذات مرّة الزعيم وبطل حرب التحرير محمد ابن عبد الكريم الخطابي، لا يمكن للحرية أن تكون حرّية وهي تُلقم ملعقة ملعقة.. هي إما أن تكون أولا تكون، وهذا لا يتطلّب من الواحد العودة إلى باكونين وروسو وهوبز … ليثبت أخيراً أن عثمان استحق السجن، المسألة لا تحتاج إلى كلّ هذا التمحّل، فقط تطلب منك أن تكشف عن موقفك وفهمك لحرية التعبير، هل أنت من أنصار حرية التعبير في حدود ما رسمته سلطة الاستبداد، أم أنك من أنصار حرية التعبير في تناول كلّ الموضوعات بما فيها تلك المرتبطة بمنابع الاستبداد والفساد.

تبقى إشارة أخيرة، هي أن الدولة في بلد تبعي استبدادي تضمحل إلى أدنى مستوياتها لتخلي مكانها للسلطة لتمارس شططها، ولا تكون هناك أية معالم لما يسمى ب”دولة الحق والقانون”، ليس ثمة فرق بين السلطة والدولة في ظل أنظمة استبدادية، النظام الاستبدادي يا صبية، لسان حاله يقول “الدولة أنا وأنا الدولة”، بيد أن ثمة فرق بين السلطة والوطن، بين النظام السياسي القائم والوطن، وليس بين الدولة والسلطة…

من أراد أن يختار السلطة على الوطن له ذلك، ولا يستدعي الأمر الكذب وحشد المعطيات الخاطئة، ومن يريد أن يختار الوطن أولاً له ذلك أيضاً، هكذا نكون واضحين أفضل ..

الحرية لعثمان عتيق ولكل معتقلي حرية الرأي والتعبير.

التعاليق (0)
أضف تعليق