حين يطلب من الملك خرق القانون: نموذج لتعفن المجتمع المدني….

تدور في المواقع الاجتماعية وفي الجرائد الالكترونية رسالة استعطافية موجهة من طرف رئيس ما يسمى الفيدرالية الوطنية لجمعيات صانعي ومركبي الاسنان بالمغرب إلى ملك البلاد، والمعنونة ب: رفع قضية إلى القاضي الأول الملك محمد السادس نصره الله، يعرض فيها ما يعتبره تحرشا واضطهادا يعانيه منخرطوا هذه الفيدرالية من طرف إخوانهم أطباء الأسنان…
هذه الرسالة تستوجب وقفة تأمل، ليس حول مضمونها الذي سنتطرق إليه لاحقا، ويهم بالأساس ممارسة مهنة الطب، ولكن حول سياقها وأسباب نزولها، وأكثر من ذلك الوعي بمعنى التواجد في ظل دولة من طرف شريحة كبيرة من المواطنين، خاصة المنتظمين فيما يسمى مجتمعا مدنيا…
استغرب كيف لم يساءل محرر الرسالة هذه عن نعت الملك بالقاضي الأول في عنوان محرره هذا، فإن كان الملك يرأس المجلس الأعلى للقضاء بصفته الدينية والسياسية، فهو لم يسبق له أن نعت نفسه بالقاضي الأول، ولم يسبق لأي أحد في جهاز الدولة أن نعته كذلك…. بل في التصريحات القليلة التي نسبت إلى الملك، كان يؤكد على تحريم تدخله في القضاء، وهي اشارة إلى نفي صفة القاضي عن شخصه، لأنه والحال كذلك، كان يمكنه، بصفته قاضيا، أن يفصل فيما يعرض عليه من منازعات، عبر سحب ملفاتها من قضاة هم بالضرورة أدنى درجة منه، باعتباره القاضي الأول…
إن الوعي الباطن خلف هذا العنوان هو موروث سنوات الاستبداد، والتي كان خدام الدولة ينعتون فيها الملك بالأول في كل المجالات، حتى أنهم كتبوا يافطات في مناسبات عديدة تصف الملك بالبقال الأول، والجزار الأول، والرياضي الأول، واللحام الأول، والرخايمي الأول….
المعضلة الشكلية الثانية هي الاحساس بفقدان الثقة في القضاء المغربي، وعبره فقدان الثقة في المؤسسات القانونية، وأكثر من ذلك، اعتبار القانون غير ذي منفعة ولا جدوى فقط لأنه لا يصطف إلى جانبنا، واستعمال وسائل الاستعطاف الانساني من أجل تأبيد وضع يتفق العالم بأسره على أنه غير سوي… إذ لا يمكن محاربة التقدم الحتمي لقطاع معين باستخدام تاريخ هذا القطاع وما ترتب عنه من وضع اجتماعي معين… لأن المغرب لم ينتج دفعته من أطباء الاسنان الا سنة 1986، ولأن تطبيب الأسنان توفر منذ عهد الاستقلال عبر صناع الاسنان، فيجب علينا أن نحتفظ لهم بهذا الجميل في 2015، بعد أكثر من 30 سنة من تخريج أطباء الاسنان… في الوقت الذي كان على الدولة أن تعمل على تقنين ممارسة الطاقميين المهتمين بتوفير الأطقم الفموية لأطباء الاسنان ومحاربة كل من يمارس مهنة التطبيب المباشر من هؤلاء…
هي اهانة لرئيس الدولة أن توجه له رسالة استعطاف بصفة غير صفته، فهو ليس بالقاضي الاول، وأن تطلب منه الفصل في اشكال عبر خرقه للقانون الذي يصدر باسمه، وأكثر من ذلك نعت هيئة وطنية لأطباء الاسنان، وهي جهة مؤسساتية خاضعة للقانون، وصدر هذا القانون بظهير شريف عن ملك البلاد، كونها تتلاعب بالقضاء وتستصدر أحكاما لصالحها ضد هؤلاء….
المفروض أن تنتفض هذه الهيأة ضد هذه الرسالة، لما فيها من اتهامات خطيرة تمس أعضاءها وتمس حتى جزء كبير من وجودها… طبعا دون أن نغفل دور الدولة في التصدي إلى هذه الممارسات مع استحضار الاسباب الحقيقية في ابقاء الحبل على الغارب وهي اسباب انتخابية محضة لا ترى بعين الرضى للتحديث المتسارع الذي يعرفه قطاع طب الاسنان….

التعاليق (1)
أضف تعليق
  • عبد الكريم

    كتبت وابدعت فاقنعت و امتعت استاد عبد العزيز العبدي