حوار مع “ضمير”


فقط هي مجموعة من الملاحظات حول حركة “ضمير” تتغيّا حوار هادئا، خصوصا مع الصديقات و الأصدقاء الذين انخرطوا في هذه المبادرة. آملا أن لا يفسد الاختلاف حول الضمير للود قضية.
1—أرفض بداية كل دعاوي التخوين و إقامة محاكم التفتيش حول النيات،فالأولى نقاش الأفكار و المبادرات و آثارهما على الواقع المتحرك ، عوض توزيع صكوك الغفران الثورية.
2—من منطلق ديموقراطي صرف لا يمكن إلا أن نكون مع الحق في تأسيس الجمعيات و المنظمات، و بالتالي فإن أيّ نزوع نحو تبخيس أو التشكيك أو التهجم على سعي المختلفين معنا نحو التنظيم يستبطن ميولات شمولية ، غير أنّ هذا الإيمان لا ينفي المطالبة بحيادية الدولة ،و كذا رفع كافة أشكال المنع و الحظر اللذين يطالان الإطارات الممنوعة، مع المساواة بين الجميع فيما يخص الدعم المالي و الولوج لوسائل الإعلام العمومية و التمكين من القاعات التابعة للمؤسسات العمومية.
3—بالنظر لللائحة الأولية للمنخرطين،يلزم التنويه بالحضور الوازن لمجموعة من المثقفين من كتاب و فنانين و صحافيين، مما سيسهم مع مبادرات أخرى في عودة المثقف للقيام بوظائفه النقدية بعيدا عن زيف أطروحة “المسافة الموضوعية”،، تلك المسافة المفترى عليها، فهي أداة للفهم من أجل التأثير في النسق،لا الاكتفاء بتوصيفه،،و إن كنّا نأمل من بعض هؤلاء لو امتلكوا الجرأة للقيام بنقد ذاتي علني لانخراطهم السابق في تجارب كانت ممهورة بالتحكم و التسلط، أو لاكتفاء بعضهم بالانزواء إبان الحراك العشريني ، طبعا نستثني الأسماء التي كانت حاضرة في النقاش العمومي من موقع النضال من أجل الديموقراطية قبل 20 فبراير و أثناءها و بعدها.
4—الكثير ممن شككوا في المبادرة،انطلق من قراءة اعتبر فيها الحركة إطارا لمواجهة الإسلاميين،انطلاقا من بعض العبارات الواردة في ورقة الأهداف و المبادئ و الوسائل، أو انطلاقا من حضور بعض الأسماء المعروفة بسجالاتها مع الإسلاميين، شخصيا و مع افتراض صحة هذه القراءة لا أرى في الأمر مثلبة و لا مما يبخس المبادرة.. لسبب بسيط و و هو حتى في الأوراق الرسمية التي تعكس مشاريع الحركات الإسلامية كلها نجد الدعوة لمواجهة التيارات “التغريبية” و “العلمانية”،، و إن كنت أومن أنّ إعطاء الأولوية لمواجهة المختلف إيديولوجيا على حساب الحسم في معركة الانتقال الديموقراطي إنّما تطيل في أمد الاستبداد، و الذي يوهم كلا الطرفين أنّه حصنه الأخير في مواجهة إما التغريبيين أو الظلاميين،و لن يكون المآل في حال انتصار أحد الطرفين إلا كمآل التجربة المصرية:إخوان أرادوا الاستئثاربالحكم يحركهم فكر الغنيمة ، يطردهم دعاة الاستئصال الذين بدأوا بالإخوان تصفية و انتهوا بالمعارضين المدنيين اعتقالا و تكميما للأفواه، فلا تدبير سلميا للاختلاف خارج تشييد ديموقراطية حقيقية.
5—عند قراءة الأوراق المتوفرة لحد الآن نحار في تحديد هوية الحركة،هل هي حركة مطلبية احتجاجية ما دامت تتوسل بالعرائض و الوقفات و الاحتجاجات،أم هي حركة فكرية تنويرية هدفها نشر الفكر الحداثي و الارتقاء بالوعي الجمعي،أم إنها حركة سياسية تروم المساهمة في تعزيز التوجه الديموقراطي الحداثي،،أم إنّها كل هذا مجتمعا…و بالتالي فهي ليست أدنى من حزب و أعلى من جمعية كما صرح أحد منخرطيها،بل هي فوق الجمعية و الحزب و الحركة الاحتجاجية،، و إن كنت شخصيا لم أجد في الأوراق قيمة مضافة لما هو مطروح في الساحة من مشاريع،فما سطرته حركة “ضمير” نجد أشباها له و نظائر في تنظيمات مماثلة منها ما قضى نحبه كحركة لكل الديموقراطيين و منتدى بدائل و منتدى الحوار اليساري و منها ما ينتظر كحركة يقظة و بيت الحكمة،، اللهم إن استطاع الإطار الجديد أجرأة أفكاره من خلال ممارسة مبدعة لا نخال للأسف أنّ لها شروط الإمكان بالنظر إلى ما هو مسطر في باب الوسائل التي لا تخرج عن الأطر المألوفة،و أتمنى صادقا أن أكون مخطئا في توقعاتي.
6—توظف الورقة/ البيان مقولة:تعزيز التوجه الديموقراطي الحداثي،وهي مقولة بغض النظر عن أنها من “أدبيات” ما سمي بالعهد الجديد قبل أن تمحوها عبارة المشروع الديموقراطي التنموي، تفترض وجود هذا التوجه في الدولة و سينحصر نضالنا في تعزيزه، و الحال أنّنا نعيش مرحلة النكوص و التراجعات،ثم إذا انطلقنا من مقولة الحداثة،فلا نظننا سنختلف حول أن جوهرها هو مفهوم الاختلاف بما هو قاعدة للوجود القائم على التعددية،، فهل سيتسع صدر “الضمير” للدفاع عن الحق في الاختلاف بالنسبة للذين يعبرون عن رأي مخالف فيما يخص النظام الملكي أو قضية الصحراء،،ذلك أن الحداثة تكلفتها باهظة و لا تقبل التجزيء،فلا يمكن مثلا التنديد بالنزوعات المحافظة عند الحركات الأصولية و السكوت عن الممارسات الموغلة في المحافظة بله القروسطوية عند المؤسسة الملكية، بل أحيانا و في شكيزوفرينيا غريبة نواجه احتكار المقدس الديني من طرف الأصوليين بالدعوة لاحتكاره من طرف الملك.
7—في الورقة عبارات مسكوكة لا تفيد دلالة و لا توضح مقصدا ،بل هي أقرب للحشو الذي غايته الإبهار اللفظي فقط،من قبيل:التأصيل لقيم العدل و الحرية و المساواة داخل المجتمع،مع العلم أن التأصيل مفهوميا هو آلية استدلالية لتبرير و شرعنة فكر ما أو ممارسة ،إلاّ إذا كان المقصود هنا تجذير و ليس تأصيلا،،أو عبارة:أنسنة الحياة السياسية باعتبارها تعبر عن الدينامية الحية للمجتمع ؟؟؟؟؟ أو عبارة:إيديولوجية التنميط التحكمي بمختلف مرجعياتها،،و هنا تتجاور الإيديولوجية مع المرجعية لتحتضنا التنميط التحكمي،، شخصيا أعترف أني لم “أقشع” شيئا في هذه التوليفة العسيرة على الهضم مفاهيميا،، كما بالغت الورقة في الحشو بتكرار الأفكار نفسها عبر محمولات جملية مختلفة تؤدي الدلالة نفسها:بلورة مقترحات / المساهمة في النقاشات النوعية / تدعيم الحوار / الإنصات المتبادل
8— تدافع الورقة عما تسميه الموروث الثقافي الروحي و الحضاري المتنور،و هي هنا تسقط كما مشاريع سبقتها في التعامل مع التراث من مدخل الانتقائية،و هو الأمر نفسه الذي تقوم به الأصولية،، الفرق فقط في البضاعة،أما الآلية فهي نفسها: الرجوع للتراث و الانتقائية، فلا نعمل سوى على إعادة معارك المعتزلة ضد باقي الفرق الكلامية،أو نلبس عمامة بن رشد لنواجه جبة الغزالي،فيما النظر الإيبيستمولوجي يقتضي التموقع من التراث من زاوية النقد لا من زاوية الامتياح،نقد التراث في شموليته باعتبارها نسقا مشروطا بسياقات التخلق.
9—كنت أفضل لو أنّ الورقة عرضت أكثر لماهية قيم الحداثة التي تدعو لها و تنافح عنها، من مثل الحريات الفردية و حرية الضمير و المعتقد و المساواة التامة بين الجنسين و العلمانية،فعوض التنبيه لما نعتقده خطرا في مشاريع الآخرين و نراه مهددا للمستقبل، يجدر أكثر أن نعرض لما نطالب به و نسعى لتحقيقه،فالمشاريع الصلبة تكتسب مشروعيتها لا من معارضتها للمشاريع الأخرى بل مما تقترحه من أفكار و قيم و برامج.
هامش: لقد عمقت لدي هذه المبادرة حيرة ما انفكت تحاصرني منذ تراجع الحراك العشريني، فدعوات الإصلاح من الداخل وصلت من الميوعة حد ابتداع عبارة المخزن الحداثي (على شاكلة المسلم المسيحي)،و نجح النظام في احتوائها ( ولنا في المجلس الوطني لحقوق الإنسان عبرة) و أكل الثوم بأفواه المنظرين لها،،أما دعوات المقاطعة و الرهان على الشارع فقط فقد وصلت إلى انعزالية قاتلة (اليوم الوطني للاحتجاج خير دليل على ذلك) و باتت منشغلة بتنقيط النظام و “الإصلاحيين” و الأصوليين أكثر من اجتراح ممكنات للفعل في الواقع لجهة التأثير في موازين القوى. صدقا: “والله ما عرفت كيف غنخرجو من هاد الحصلة”
ختاما:أكرر لأصدقائي في حركة ضمير أنّ الاختلاف لن يفسد لودكم قضية، متمنياتي بالتوفيق

التعاليق (0)
أضف تعليق