حراك الريف في أفقه الوطني التحرري

مرة تلوة الأخرى، ينتصر حراك الريف على الآلة القمعية ومسوخها الإعلامية. يمضي في ممكانته الحالمة بالحرية والكرامة وبكل ما لا تطيقه شراسة السلطة المتهالكة من فرط إستبداديتها وعجزها عن تجديد مشروعيتها.
لقد إنطلق هذا الحراك من هامش الهامش، على إثر حدث فردي – طحن الشهيد محسن فكري – يختزل كل المآسي كما يعكس بشاعة ما يمكن أن تقترفه منظومة الفساد المهيكلة لسلطة دولة المخزن. وتشكلت هويته على جعرافية الريف ليرتسم كحراك شعبي متعدد الروافد يستعيد تاريخه المنسي ومنفتح على الأفق الإنساني. فأرادت الدولة حصره مناطقيا وسعت لتقزيمه وشيطنته عبر مؤسساتها وأجهزتها باتهامه بتبخيس تلك مؤسسات والسعي للمس بهيبة الدولة والتآمر عليها، مع أن منطق إشتغال تلك المؤسسات والأجهزة هو ما يبخسها ويزعزها ويجعلها منفصلة عن الشعب.
وفي الوقت الذي حاول فيه، مؤخرا، الخطاب الرسمي وشبه الرسمي تبرير الأحكام الباطلة في حق معتقلي حراك الريف المتواجدين بسجن عكاشة، بالحديث عن استقلال القضاء، خرج الشعب المغربي على امتداد جغرافية الوطن في مسيرات ووقفات إحتجاجية على تلك الأحكام ودفاعا عن المعتقلين، وقد توجت تلك الإحتجاجات بمسيرتين وطنيتين تاريخيتين في ظرف أسبوع:
الأولى دعت إليها لجن دعم معتقلي حراك الريف بالدارالبيضاء ليوم 8 يوليوز وبنفس المدينة، وقد تبنتها أحزاب اليسار الديمقراطي والتقدمي: فدرالية اليسار والنهج الديموقراطي والتنظيمات النقابية والحقوقية والشبابية الموازية لها.
أما الثانية فقد دعى إليها المعتقلون من سجن عكاشة وعائلاتهم ثم تبنتها كل القوى السياسية والنقابية والحقوقية والمدنية الحية والداعمة لقضية معتقلي الحراك بمختلف تلاوينها وبشكل صريح وميداني، وكانت يوم 15 يوليوز بالرباط.
إن استقلال القضاء ليس إجراء شكليا ينحصر في فصل النيابة العامة عن وزارة العدل وجعلها تابعة للمجلس الأعلى للقضاء. وإنما هو ما يتحقق عبر الإستقلال الفعلي لمؤسسة العدالة في التعاطي مع محاضر الضابطة القضائية وعدم التقيد بها وإن على حساب العدالة، إن استقلال القضاء هو تحرير القضاء من التعليمات والتوجيهات والضغوطات وصيانته من تسييسه. ويعني أساسا انحيازه للشعب بحرصه على حماية حريته وحقوقه الفردية والجماعية.
إن مرآة استقلال القضاء هو تفاعل الشعب مع أحكامه وقراراته.إذ هناك قضاء الشعب وقضاء السلطة: هناك سلطة القضاء وقضاء السلطة. والقضاء المغربي يبرهن كل مرة على أنه قضاء السلطة وهنا تبطل أية استقلالية له. فكيف نتحدث عن استقلال القضاء في قضية كقضية معتقلي حراك الريف وقد انتفض الشعب ضد أحكامه التي أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها مجزرة قضائية؟
إن مسيرة الرباط هي محاكمة لقضاء يتم توظيفه لضرب حراك سلمي شعبي، إنها إدانة لنزوع السلطة للإستفراد بالقرار وفرض المقاربة التي لا تعرف سواها: المقاربة القمعية.
إن مسيرة الرباط مؤشر على تفكك الضوابط التي كانت تحكم التحالفات بين الهيئات السياسية، وعلى نهاية قواعد اللعبة التي حاولت الدولة رسمها لإضعاف القوى السياسية الحية والديموقراطية.
فقد تعودنا على ألا يلتقى اليسار الجدير حقا بهذا الإسم والإسلام السياسي غير الممخزن في مسيرات وطنية إلا حين يتعلق الأمر بفلسطين. وهو ما ساهم في إضعاف كل القوى المناهضة للوضع القائم وتشتيت جهودها بالقدر الذي قوّى سلطة المخزن ورسخ نزوعها للإستيداد والهيمنة. أما أن يلتقي اليسار والإسلام السياسي والحركة الأمازيغية في مسيرة واحدة فذلك ما لم يحدث إلا مع حراك الريف وتحديدا في مسيرة الرباط الأخيرة. وذلك ما يجب أن يتكرر إلى أن تتم الإستجابة لمطالب الشعب.
إن مسيرة الرباط هي مسيرة حراك الريف في قلب العاصمة. مسيرة تثبت فشل كل محاولات عزل حراك الريف عن أفقه الوطني. فمن خلالها ومن خلال سابقتها بالدار البيضاء وسواهما من مسيرات ووقفات الشعبي المغربي الداعمة لمعتقلي الحراك ومطالبهم أصدر الشعب حكمه الذي لا يرد: الحكم ببراءة المعتقلين وبلا عدالة ولا شرعية الأحكام القياسية في جورها وظلمها. الحكم بعدم إستقلالية القضاء وتسخيره للإنتقام من معتقلي حراك الريف. وإلا فما الذي يبرر كل هذا الرفض الشعبي وطنيا وعالميا لأحكام القضاء؟ وكيف نفسر خروج كل هذه الحشود من أحرار وحرائر الوطن لأدانة تلك الأحكام؟ ولماذا مسيرات وطنية ضد أحكام على معتقلين متهمين ” بالمس بسلامة الدولة”؟ وكيف يخرج قادة وطنيون مرموقون ومناضلون حقوقيون ونقابيون وجمعويون بارزون في مسيرة تاريخية استجابة لنداء معتقلين متهمين بالتآمر والإنفصال والعنف وبغيرها من التهم الثقيلة؟ ليس هناك إلا إحتمالين لهذا الوضع: فإما أن المعتقلين أبرياء وشرفاء وبالتالي يتعين إطلاق سراحهم وتعويضهم مع تحقيق مطالبهم وإما أن كل الذين عبروا عن رفضهم لأحكام القضاء وعن تضامنهم المطلق مع حراك الريف ومعتقليه هم أيضا، بدرجة أو بأخرى، إنفصاليون ومتآمرون على الدولة ومزعزعون لسلامتها، وفِي هذه الحالة يتعين إعتقالهم جميعا ومحاكمتهم بذات التهم. مع أن الراسخ والأكيد هي براءة المعتقلين وعدالة قضيتهم ومصداقية نداء المتضامنين معهم وطنيا ودوليا المطالب بالإطلاق الفوري لكافة المعتقلين والإستجابة لمطالبهم.
إن مسيرة الرباط فوق كونها مسيرة للتنديد بالمجزرة القضائية، هي أيضا مسيرة لتخليد الذكرى الأولى لمسيرة 20 يوليوز 2017 بالحسيمة التي كان قد أعلن عنها ناصر الزفزافي قبل إعتقاله، وواجهها المخزن بقمع جنوني هيستري وهمجي أفضى إلى إستشهاد عماد العتابي وإصابة، بجروح وكسور واختناق، العديد من المواطنين والمواطنات الذين حجوا إلى الحسيمة من مختلف جهات البلاد للمشاركة في المسيرة التي تستحضر ذكرى معركة أنوال 21 يوليوز 1921.
وما بين الحدثين: معركة أنوال ومسيرة الرباط يمتد قرن من ملاحم صمود الريف وعموم المغرب في وجه قوى الإستعمار بمختلف أطيافها وأذيالها، قرن من المواجهة بين المشروع التحرري الذي أسس له عبد الكريم الخطابي من حيث هو مشروع لا يهم الريف وحده وإنما يهم المغرب بإسره وشمال إفريقيا برمتها ومن خلالها كل شعوب العالم وبين المشروع الإنهزامي الذي هو مشروع المخزن العتيد وكل الأنظمة التبعية والعميلة.
إن حراك الريف هو امتداد لذات المشروع التحرري للمقاومة الريفية، ذلك المشروع الذي على كل القوى الحية والديموقراطية غير الممخزنة الإلتفاف حوله والإنخراط فيه باستراتيجية نضالية سلمية وحضارية جامعة، وتلك الإستراتيجية هي الكفيلة بتحقيق ما لم يتحقق خلال قرن من النضالات والتضحيات. والأكيد أن ما لم يتحقق بتغليب الصراعات الإيديولوجية والإختلافات المذهبية بين قوى التغيير سيتحقق بما هو بديل لذلك الأسلوب المتجاوز في النضال، سيتحقق بتقوية ما تتفق حوله تلك القوى وجعله هو المرتكز مع تعميق الحوار الخلاق حول النقط الخلافية. ويكفي أن تلتزم كل قوى التغيير بالمغرب بالدفاع عن المطالب العادلة للشعب المغربي التي عبر عنها خلال حركة 20 فبراير وخلال الحراكات الإحتجاجية الأخيرة لتجد نفسها منخرطة في جبهة شعبية من أجل: إطلاق سراح كافة معتقلي حراك الريف وكل معتقلي الحراكات الإحتجاجية بالمغرب ومعتقلي الرأي، تحقيق المطالب التي ترفعتها الحراكات الإحتجاجية، إصلاح سياسي يؤسس لدولة الحق والقانون تقوم على فصل حقيقي بين السلط كما تقوم على فك الإرتباط بين المال والسياسة، بجانب انبنائها على التعدد الثقافي واللغوي والحضاري والمجالي الذي يزخر به المغرب.

جمال المحدالي

التعاليق (0)
أضف تعليق