توطيد حق الأجراء في التنظيم النقابي -الجزء الأول-

 

بقلم: ذ. محمد المعاشي

باحث مختص في القانون الاجتماعي

elmaachi.mohamed@gmail.com

 

الجزء الأول

إذا كان العمل النقابي اليوم يبدو مسألة عادية وأصبح جزءا أساسيا من حق الطبقة العاملة في العالم، فإن الأمور لم تكن بالسهل ممارسة هذا العمل في البداية، حيث لم يتم الاعتراف بممارسة الحق النقابي إلا بعد سنين من نضالات الطبقة العاملة ومعاناتها وتضحياتها الكبيرة. فقد منعت النقابات في الدول الصناعية الأولى بشكل صارم، كما دفع سلطات الحماية إلى تجريم العمل النقابي بالمغرب.

سنعمل على تقسيم المقال إلى خمسة أجزاء:

الجزء الأول: سنتناول ولو بايجاز، إلى نشأة الحركة النقابية في البلدان الأجنبية وفي المغرب (أولا)، ثم أهداف النقابات المهنية، ووقوفا على شروط المشرع في من يتولى إدارة النقابات (ثانيا).

الجزء الثاني: سنتناول فيه للحريات النقابية ومظاهر الإعتراف على الصعيدي الدولي والمغربي (ثالثا)، وكذا الإكراهات التي تواجه الحريات النقابية بالمغرب (رابعا).

الجزء الثالث: سنتطرق لحرية الانخراط في المنظمات النقابية، مع الوقوف على شروط الانخراط ثم دور الممثل النقابي، وكذلك ماهي المنظمة النقابية الأكثر تمثيلا (خامسا)؟

الجزء الرابع: سنتناول فيه لمدى أحقية النقابات المهنية في التقاضي (سادسا)، ثم كذلك أية حماية قانونية خولها المشرع للأجراء أثناء ممارستهم للعمل النقابي؟

الجزء الخامس والأخير: سنتطرق إلى منع المشرع المغربي المس بالحقوق والحريات النقابية والعمل(ثامنا)، ثم حالة توقيف وحل النقابة.

أولا: نشأة الحركة النقابية

الحركة النقابية في البلدان الأجنبية

تعتبر الحركة النقابية البريطانية من أقدم الحركات في العالم، فإن أول ظهور للنقابات كانت في بريطانيا بين 1720 و 1799، التي ظهرت أساسا كاحتجاج على التمييز بين العمال وملكية وسائل الإنتاج، وقد كان القانون البريطاني الصادر في سنة 1799 يمنع كل أنواع التجمعات، إلا أن هذا القانون ألغي سنة 1824، رغم ذلك لم يقع الاعتراف بالحق النقابي رسميا حتى سنة 1871.

أما في فرنسا كانت النقابات ممنوعة قانونيا، مستندا على القانون المعروف باسم “قانون لوشابلييLoi le chapelier ” الصادر في 17 يونيو من سنة 1791 الذي جاء فيه (( لا يمكن للمواطنين المنتمين إلى مهنة ولا للعمال أو لممارسي حرفة معينة، حيث يجتمعون سويا أن ينصبوا رئيسا لهم أو كتابا أو نقابيين. كما لا يمكنهم أن يتوفروا على سجلات خاصة – كجماعة- أو يتخذوا قرارات أو ينظموا مداولات، ولا أن يحددوا قوانين تضمن ما يعتبرونه مصالح خاصة))، وقد استمر هذا المنع حتى سنة 1848 الذي أصدرت الحكومة المؤقتة في هذه السنة قانونا يقضي بحرية تأسيس الجماعات، إلا أن هذا القانون ألغي بمقتضى مرسوم صادر في 25 مارس 1852 في عهد نابليون الثالث، وفي 25 مايو 1864 صدر قانون يقضي بإلغاء جريمة التجمع لكنه أبقى على منع النقابات، إلا أنه منذ سنة 1967 أخذت الحكومات تنظر إلى الحركة النقابية بتسامح وغض الطرف حتى صدر قانون 21 مارس 1884 الذي اعترف بمشروعية الجماعات المهنية وحدها وجهزها بنظام قانوني، وفيما بعد صدر قانون بتاريخ 12 مارس 1920 الذي وسع أهليتها. ثم توالى الاعتراف بالنقابات بعد ذلك في أوربا وغيرها من بلدان العالم.

الحركة النقابية في المغرب

إن النقابات في المغرب حديثة العهد، إذكان أول تشريع يتعلق بشأن النقابات المهنية صدر، هو ظهير 24 دجنبر 1936، إلا أن هذا الظهير لم يكن يعترف للأجراء المغاربة بالحق النقابي، بحيث كان هذا الظهير محدود النطاق على الصعيد المغربي، نظرا لكونه ينص على أن النقابات لا تنشأ إلا بين الأوروبيين، وقد جاءت المادة الثالثة من هذا الظهير على ضرورة تشكيل المكاتب النقابية من الفرنسيين وحدهم، مقلدا بذلك القانون الفرنسي لسنة 1884، عكس ما كان ينص عليه القانون االتونسي لسنة 1932 في البندين الاول والسادس، على أن النقابات بإمكانها أن تؤسس بدون ترخبص من الحكومة، وبأن أعضاء المكتب يجب أن يكونوا فرنسيين أو تونسيين.

إن منح الحق النقابي للأوروبيين ومنعه على المغاربة نتيجة التخوف من أن تأخذ الشغيلة بيد المغاربة للدفاع عن مصالحهم وأن ينخرطوا في النضال الوطني

وبالرغم من النضالات الاجتماعية القوية التي عرفتها سنوات 1936 و1937 و1938 من احتجاجات واحتلال مقرات العمل واضرابات ناجحة، والتي أدت إلى تحقيق بعض المكاسب، وأمام تزايد انخراط القوي للمغاربة في الكونفدرالية العامة للشغلC.G.T (اتحاد النقابات الكونفيدرالية للمغرب) سنة 1937، _الشيئ الذي مكنها من أن تصبح ذات قدرة تفاوضية كبرى، كما أن هذه السنة عرف إنشاء منظمة نقابية خاصة ولكنها خارج القانون_، وفي نفس الوقت إرتفعت وتيرة المنع من ممارسة الحق النقابي الذي أدى إلى صدور ظهير 24 يونيو 1938 (جاء كتكملة لظهير 24 دجنبر 1936) الذي نص على عقوبات زجرية، إذ عمل هذا الظهير على “تجريم العمل النقابي” و الذي يتجلى في إقرار عقوبة حبسية تتراوح من خمسة أيام إلى ثلاثة أشهر وغرامة مالية من 5 إلى 300 فرنك، يعاقب بها كل من المغاربة الذين سينخرطون في نقابة ما، أو أي شخص يعمل على انخراط المغاربة في نقابة ما (المادة 1و2 من الظهير).

إلا أن هذا المنع لم يستمر أمام صمود وتزايد وتواصل انخراطات المغاربة في العمل النقابي، حيث عرفت سنة 1943 تأسس الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب U.G.S.C.M .

وقد كانت نضالات الطبقة العاملة المغربية في هذه السنوات مضطرة أن تعمل في الخفاء في اطار الحركات الوطنية والتي انبثقت سنة 1944، ظل النقابيون المغاربة يدافعون عن الأفكار الوطنية وكانوا السباقين بالمناداة بالاستقلال.

وفي 20 يونيو 1950 صدر الظهير الذي ألغى ظهير 1938، إلا أن هذا الظهير لم يقر صراحة حق الانتماء النقابي للمغاربة، بل عبر عن”التسامح” وغض الطرف.

وتعتبر نهاية سنة 1955 محطة أساسية في تاريخ الحركة النقابية المغربية، حيث عرف 20 مارس 1955 تأسيس أول مركزية نقابية عمالية مغربية مستقلة وهي الاتحاد المغربي للشغل UMT ، بدعم كبير من حزب الاستقلال.

وجاء الرد التشريعي بصدور ظهير 12 شتنبر 1955 الذي غير ظهير 1936 ونص صراحة على أن التمتع بالحق النقابي يسري أيضا على المغاربة، وبعد الاستقلال صدر ظهير 16 يولبوز 1957 الذي نظم الحق النقابي، وأقر هذا الظهير مبدأ الحريات النقابية، وغداة صدور هذا الظهير، صدر مرسوم مؤرخ في 17 يوليوز 1957 ينص على أن الكاتب العام للحكومة يمكنه أن يعارض في إنشاء أية نقابة داخل اجال ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ ايداع النظام الأساسي لتلك النقابة.

وقد تأسست عدة منظمات نقابية بعد الاستقلال، حيث وصلت إلى 23 منظمة نقابية حاليا، ويعتبر كل من الاتحاد المغربي للشغل (U.M.T)، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب(U.G.T.M) الذي أسس 4 أبريل 1960، والإتحاد الوطني للشغل بالمغرب (U.N.T.M)الذي أسس في 15 يونيو 1976، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل(C.D.T.) التي أسست في 25 نونمبر 1978، و الفيدرالية الديمقراطية للشغل(F.D.T) التي أسست في 6 أبرل 2003، من المنظمات النقابية الخمس الأكثر تمثيلا.

إن المغرب يأخذ بمبدأ التعددية النقابية الذي يسمج بوجود عدد من المنظمات النقابية بالمقاولة أو المؤسسة الواحدة.

 

ويتجلى أهمية الحق النقابي من خلال الدور الذي أعطاه المشرع المغربي، والذي أدمجه ضمن الحقوق الأساسية للمواطن، كما عمل على تنصيصه في كل دساتير المملكة 1962، 1970، 1972، 1992، 1996 و2011، حبث أكد الدستور المغربي التزامه بالقوانين الدولية من خلال ما جاء في التصدير (( وإدراكا منها بضرورة تقوية الدور الذي تضطلع به على الصعيد الدولي، فان المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها، من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الانسان، كما هي متعارف عليها عالميا )).

إن مشرعوا معظم الدول على اقتناع على أن خير وسيلة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأجراء، وكذلك خير وسيلة لسيادة السلم الاجتماعي داخل المقاولات والمؤسسات الخاضعة لقانون الشغل، هي الاعتراف للأجراء لحقهم في التنظيم والتكتل داخل منظمات نقابية تتولى الدفاع عن مطالبهم وحقوقهم مع إشراكهم في التدبير الاقتصادي والتدبير الاجتماعي لهذه المقاولات والمؤسسات، إذا ما هي أهداف النقابات المهنية ؟

ثانيا: أهداف النقابات المهني

كان لا بد في البداية أن نعطي تعريفا قانونيا للنقابة المهنية، كما هو الشأن بالنسبة للتعريف القانوني الذي أعطي لكل من المفاوضة الجماعية وكذلك اتفاقية الشغل الجماعية باعتبارهما آليات قانونية أساسية للعمل النقابي، إلا أن المشرع المغربي لم يعرف النقابة المهنية، إنما اكتفى بتحديد وظائفها وأهدافها في محاولة تمييزها عن باقي المؤسسات الجمعوية، وقد جاء المشرع ليوضح في المادة 396 من مدونة الشغل، إلى ما تهدف إليه النقابات المهنية، بالاضافة إلى ما تنص عليه مقتضيات الفصل الثامن من الدستور من الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والمهنية، الفردية منها والجماعية، للفئات التي تؤطرها، وإلى دراسة وتنمية هذه المصالح وتطوير المستوى الثقافي للمنخرطين بها. كما تساهم في التحضير للسياسة الوطنية في الميدانيين الاقتصادي والاجتماعي. وتستشار في جميع الخلافات والقضايا التي لها ارتباط بمجال تخصصها.

تهدف المنظمات النقابية للأجراء حسب الفصل الثامن من الدستور المغربي إلى المساهمة في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها، وفي النهوض بها. ويتم تأسيسها وممارسة أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون، و يجب أن تكون هياكل هذه المنظمات وتسييرها مطابقة للمبادئ الديمقراطية. كما تعمل السلطات العمومية على تشجيع المفاوضة الجماعية، وعلى ابرام اتفاقيات الشغل الجماعية، وفق الشروط التي ينص عليها القانون.

يحدد القانون، بصفة خاصة، القواعد المتعلقة بتأسيس المنظمات النقابية، وأنشطتها، وكذا معايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكيفيات مراقبة تمويلها.

فإذا كانت النقابات هي جهاز لتأطير الأجراء وتمثيلهم والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والمعنوية والمهنية، فإن لها دور مهم في تطوير قانون الشغل، هذا الأخير الذي يتضمن مجموعة من حقوق الأجراء التي تمثل قيدا على الحرية المطلقة التي كانت سائدة ويتمتع بها المشغلين سابقا، ولها كذلك دور هام في صياغة التشريع الدولي للشغل، والمساهمة في حماية الحريات النقابية.

و ما يلاحظ، أنه إذا كان ظهير 16 يوليوز 1957 المتعلق بالنقابات المهنية يضيق من مجالات تدخل هذه الأخيرة، كما يبين ذلك الفصل الأول منه الذي ينص على ((ان القصد الوحيد من النقابات المهنية هو الدرس والدفاع عن المصالح الاقتصادية والصناعية والتجارية والفلاحية الخاصة بالمنخرطين فيها))، فإن مدونة الشغل وسعت من نطاق الأهداف التي تسعى إليها النقابات المهنية كما رأينا في المادة 396 من مدونة الشغل السالفة الذكر، ولاشك أن هذا المجال الواسع للتدخل يرجع بالأساس من جهة، إلى نضالات الطبقة العاملة، الذي أصبح يقتضي ضمان الحرية اللازمة لتفعيل هذا التوسع، ومن جهة أخرى إلى التطور الذي عرفه التشريع المغربي في مواكبة التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية

إذا عمل المشرع المغربي على توسيع أهداف النقابات، فإنه منع على المنظمات المهنية للمشغلين وللأجراء أن تتدخل في شؤون بعضها البعض، سواء بصفة مباشرة أو بصفة غير مباشرة فيما يخص تكوينها وتسييرها وإدارتها. لكن من له الحق في إدارة النقابات ؟ وماهي الشروط الواجب توافرها؟

شروط المشرع في إدارة النقابات

إن المشرع المغربي طبقا لمقتضيات المادة 416 من مدونة الشغل، أوجب على الأعضاء المسيرين لإدارة النقابات أن يكونوا من جنسية مغربية من جهة، ومتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية، وغير محكوم عليهم، نهائيا، بأية عقوبة سجنا أو حبسا نافذين بسبب إحدى جرائم عددتها مدونة الشغل، وهي: السرقة، النصب، خيانة الأمانة، الزور والإدلاء به، تحريض القاصرين عن الفساد، المساعدة عن الفساد، الاتجار في المخدرات أو استعمالها، وكذا بسبب مخالفة التشريع، المتعلق بالشركات، وإساءة التصرف في أموال مشتركة، من جهة أخرى.

فعلى مستوى جنسية الأعضاء المكلفين بادارة النقابة المهنية وتسييرها، فإن منظمة العمل الدولية مافتئت تعتبر أحكام الظهير 1957 السابق والتي نقلت لمدونة الشغل، خاصة المتعلقة ببعص الشروط الواجب توفرها في الأعضاء المكلفين بادارة النقابة والتي تظل متعارضة مع مبادئ الحرية النقابية كما جاءت في االاتفاقيتين الدوليتين رقم(87 ) ورقم (98).

بحيث أن الاتفاقية الدولية رقم (87) الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، لم تنص على هذين الشرطين.

وقد دفع لجنة الخبراء بمطالبة الحكومة المغربية بأن تتخذ الإجراءات اللازمة لتضمين التشريع المغربي للمقتضيات التي من شأنها أن تخول للأجير الأجنبي حق تسيير النقابة ولو مع اشتراط مدة إقامة معينة بالمغرب، كما هو الشأن بالنسبة لتونس التي سمحت بصفة استثنائية للأجانب بتسيير و إدارة النقابة .

هذا إضافة إلى عدم حرمان الأجير من حق تسيير النقابة في حالة صدور الحكم في حقه، إلا إذا كان سالبا للحرية سجنا أو حبسا نافذين بموجب حكم نهائي.

أعتبر أنه كان على المشرع المغربي أن يأخذ بعين الاعتبار ما جاء في الاتفاقيتين الدوليتين رقم(87) ورقم (98) أثناء صياغة مشروع مدونة الشغل المغربية، وذلك بالسير على طريق ملائمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية.

 

لكن لا بد من الوقوف على الوضعية الحالية التي يعيشها المغرب، حيث أن المغرب أصبح في السنين الأخيرة أرضا لاستقبال المهاجرين، حيث تضاعف عدد المهاجرين من دول جنوب الصحراء بأربع مرات، كما أن المغرب بدأ يعرف مؤخرا نوعا جديدا من المهاجرين من بلدان الأوروبية بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، فهل سيسمح للمهاجرين بممارسة العمل النقابي، بعد مصادقة المغرب على الاتفاقيتين الدوليتين(87) و(98) ؟

كما يجب الإشارة إلى أن تظاهرة فاتح ماي – عيد الشغيلة العالمية- في السنين الأحيرة عرفت مشاركة كبيرة للمهاجرين في مسيرة فاتح ماي.

 

إذا كان الأساس في ممارسة العمل النقابي هي الحرية النقابية، إذا فما هي مظاهر الاعتراف بالحريات النقابية؟ وما هي الإكراهات التي تواجه الحريات النقابية في المغرب؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني في موضوع :

” الحريات النقابية بالمغرب: بين مظاهر الاعتراف والإكراهات”

 

 

التعاليق (0)
أضف تعليق