تموز (يوليو) ذكرى اغتيال كنفاني.

تموز (يوليو)، ذكرى الثورة الانقلابية 12 تموز (يوليو)، ذكرى حرب لبنان الثانية. التي اطاحت النظام الملكي في العراق.
23 تموز (يوليو)، ذكرى الثورة الانقلابية المصرية.
الى آخره…
هناك ما يشبه المفارقة في علاقة الذاكرة بالحاضر. الثقافة تتذكر والناس تريد ان تنسى.
‘وما سُمي الانسان الا لنسيه
ولا القلب الا انه يتقلّبُ’.
ولعل حمّى الذاكرة الثقافية، او التركيز على الذاكرة يأتيان من مصدر واحد اسمه هشاشة الحاضر وعطبه. هناك شعور عام يمتد من لبنان الى فلسطين بأن المرحلة كناية عن وقت مستقطع من الموت. وحين نقول لبنان وفلسطين، فهذا يعني المشرق العربي برمته. لبنان يمثّل ما تبقى مما اطلق عليه في الماضي اسم ‘المسألة الشرقية’، وفلسطين تجسّد هذه المسألة اليوم وقد اتخذت شكلا فظائعيا اسمه الصهيونية. وبين هذين الحدين يقع العطب العربي.
العلاقة بين الذاكرة الثقافية، والنسيان، تتجسد في الأدب والسينما والمسلسلات التلفزيونية. استحضار الماضي، بالنسبة للثقافة، صار وسيلة لمقاومة هشاشة الحاضر، من خلال حماية الذاكرة من الإندثار. غير ان العملية نفسها، قد تتخذ دلالة مختلفة. فالذهاب الى الماضي قد يكون وسيلة لنسيان الحاضر، وقد يلبي شعورا كبيرا باللاجدوى. اي ان العملية نفسها، قد تقود الى نتيجتين متعاكستين. فبدل التذكر يتحول الماضي ايقونة لا تعني شيئا، وبذا يصيرالتذكّر وسيلة للنسيان.
‘ذكريات الذاكرة’، هي العبارة اتي صكّها محمود درويش في قصيدته ‘عابرون في كلام عابر’، كي يرسم خطا فاصلا بين الذكريات والذاكرة. اي كي يحمي الذاكرة من الذكريات، في سياق محاولته صوغ لغة الانتفاضة الأولى. يومها كان الحاضر ينبض بالاحتمالات، وكان الصراع على الذاكرة جزءا من صراع ملموس يدور على ارض فلسطين.
ماذا تغيّر كي تتغيّر الدلالات؟
قد نقول ان الصراع مستمر ولم يتوقف، وهذا صحيح، من حرب لبنان الثانية حيث ذاقت اسرائيل مرارة الفشل، الى حرب غزة حيث لم تجد سوى القنابل الفوسفورية وسيلة تغطي بها عجزها.
ما يجري الآن اكثر خطورة ومأسوية من احداث انتفاضة اطفال الحجارة. ومع ذلك فهناك ازمة سياسية ثقافية خانقة، توحي وكأن المجتمع فقد لغته، ولم يعد امامه سوى ان يملأ ثقوب الحاضر بالذاكرة.
لكن شيئا ما تغير، ‘هناك شيء يتعفن’ مثلما صرخ هاملت. والتعفن الاجتماعي لا يأتي الا حين تنهار القيم. هناك قيم تتهاوى، ولا بدائل لها. قد يُقال ان التدين قد يكون شكلا لسدّ ثغرات انهيار القيم في المجتمع. وهذا قد يكون صحيحا، لكن ينقصه مشروع سياسي وفكري لا نجده في لبنان او فلسطين. ففي البلدين تعاني السلطة ازمة وجود وشرعية. لبنان في قبضة الطوائف، وفلسطين في قبضة الاحتلال. غير ان المقاومتين الاسلاميتين في البلدين لا تقدمان حلا للخروج من المأزقين. حزب الله جزء من البنية الطائفية المذهبية ولا يستطيع تجاوزها، وحماس جزء من السلطة، وهي تعاني الأعراض نفسها التي تعانيها السلطة الفلسطينية. لذا تتخذ العودة الى الدين في البلدين شكل استعادة الماضي. ماضٍ يقاتل، لكنه اسير تكوينه.
هناك ما يشبه الاعتقاد السائد في الأوساط الثقافية العربية، ان حماية الذاكرة مهمة راهنة وضرورية. وهواعتقاد ترسخ في التجربتين اللبنانية والفلسطينية. في لبنان، حيث بدا وكأن محو الذاكرة نفسيا وماديا، جزء من ترميم النظام السياسي بعد اتفاق الطائف. وقد تجسّد ذلك في مشروع تهديم بيروت القديمة كوسيلة لإعادة اعمار وسط المدينة! اما في فلسطين، فإن ذاكرة النكبة عادت لتحتل الصدارة بعد اتفاق اوسلو، كردّ ثقافي على حل سياسي يفتقر الى العدالة.
غير ان ما غاب عن البال هو ان احياء الذاكرة ليس عودة الى الماضي. الحرب الأهلية لم تنته في لبنان، بل لا تزال كامنة في جميع مفاصل الحياة السياسية، كما ان اوسلو لم ينه الصراع، ولم يضع خاتمة لمرحلة النكبة، لأن النكبة مستمرة ومتجددة، وهي واقع يعيشه الفلسطينيون في كل لحظة.
الذاكرة ليست الماضي اذا، بل هي جزء من الحاضر. غسان كنفاني لم يمت منذ ثمانية وثلاثين عاما، لأن رجاله لا يزالون في الشمس. والقدس لم تتمزق عام 1948، بل تتمزق اليوم في الشيخ جرّاح امام اعيننا، وبيروت لم تحترق عام 2006، بل هي معرضة للاحتراق الآن.
ذاكرة المآسي لا تزال في طور التشكّل، ولا يمكن العودة الى ماضيها الا من بوابة حاضرها. تجاهل حاضر المأساة والقفز الى الماضي، وصفة للنسيان وليس للذاكرة. هنا يقع مأزق الثقافة. وهو مأزق ناجم عن العجز عن صوغ لغة ملائمة للحظة الراهنة. يعيش عرب المشرق في فراغ لغوي ناجم اساسا عن العجز. كشفت الأنظمة عن وجهها الديكتاتوري، ودخلت الحركة الوطنية الديموقراطية في خمول يائس، ولم نعد نملك من اللغة سوى فتات الماضي.
من هنا لا يستطيع الشاعر اليوم ان يصرخ بالاسرائيليين ان اخرجوا من ذكريات الذاكرة، لأن الذكريات توحدت بالذاكرة. عليه كي يبني صوته من جديد ان يرمم الحاضر بالكلمات ويعطيه المعنى. عندها يستطيع ان يحوّل الذاكرة سلاحا في خدمة بناء الحاضر.
الماضي لا يعطي معنى للحاضر، معنى الماضي لا يصوغه الا الحاضر. وهنا يجب البحث عن الحلول.

التعاليق (0)
أضف تعليق