ايت يطفت: القبيلة المنسية في الريف الأوسط

 

و انا بصدد انجاز دراسة حول قبيلة ايث يطفت، بعلاقتها مع الأحداث التي عرفها الريف إبان انتفاضة 58/1959، اطلعت علينا العديد من وسائل الإعلام الرسمية منها و المستقلة أن سفير الاتحاد الأوروبي المعتمد لدى المغرب “روبير جوي” قام بزيارة رسمية إلى إقليم الحسيمة يوم الخميس 14 نونبر الجاري، و هو يحمل معه غلافا ماليا قدر ب في 19 مليار سنتيم لتمويل مشاريع تنموية مقابل محارب القنب الهندي (الكيف) بالمنطقة.

كل وسائل الإعلام ركزت في تقاريرها و مقالاتها أن الجماعات التي ستستفيد من هذه المشاريع هي “بني بونصار” “كتامة”، ايساكن”، “بني جميل” و “بني بوفراح” ، ماعدا دوزيم التي أشارت و لو بشكل عابر و محتشم إلى المنزه الوطني التابع لجماعة اسنادة.

لا ادري هل يعلم العالم بان قبيلة ايت يطفت ( المرتبطة إداريا بجماعة اسنادة منذ إحداثها سنة 1962 أي مباشرة بعد انتفاضة 85/59) أصبحت ضيعة حشيشية بامتياز بإيعاز من البرلماني مدى الحياة و رئيس الجماعة مدى الحياة سابقا عبد العزيز الوزاني، حيث عرفت ايث يطفت مباشرة بعد انتفاضة 1984، زحفا مخيفا لزراعة الكيف شملت أراضي واسعة من القبيلة و ذلك بتشجيع و تساهل و تواطؤ آو صمت للسلطات المحلية و الوطنية.

إن قبيلة ايث يطفت و سكانها منذ ذلك التاريخ لم يستفيدوا من تلك “النبتة المحرمة” دوليا و وطنيا و المستهلكة على نطاق واسع في العالم، تماما كما لم تستفيد من تحويلات أبنائها الذين هجروا منها مباشرة بعد انتفاضة 1958/1959، ما عدا عيشهم في خوف دائم و استفزاز متواصل للدرك الملكي و السلطات المحلية و الذين لا يتدخلوا إلا عندما يستعد الناس لبيع محصولهم الزراعي من اجل ابتزازهم لتقسيم “الكعكعة” أو تعرضهم للاعتقال كما حدث السنة الماضية مع عائلتي المدشاري و بوغابة و آخرين.

إن السلطات و كل المهتمين يعلمون علم اليقين أن السماح لزراعة الكيف في المنطقة كان بمثابة دواء مسكن لجزء مهم من ساكنة الحسيمة بعد انتفاضة 1984، و أن استمرار زراعته دليلا أخر على أن السلطات لا تملك بدائل لتنمية هذه المنطقة و للريف كله، أو أن بعضها متواطئ لأغراض في نفس يعقوب مرتبطة بالإرباح السياسية و الأمنية و المصلحية مع ترك الناس ينغمسون عنوة في هذه الزراعة “الممنوعة”.

منذ 1984، استبدل العديد من أبناء المنطقة الصامدين هناك زراعاتهم التقليدية من خضر و فواكه و حبوب و أشجار و تربية المواشي، التي كانت توفر لهم نوعا من الاكتفاء الذاتي لمحاربة الجوع، بزراعة الكيف دون اتفاق رسمي و مكتوب و قانوني الذي كان من المفترض أن توقعه السلطات “الساهرة على تطبيق القانون” مع ممثلي السكان حول هذا النوع من الزراعة و ليس الاكتفاء بتشجيعها جهرا و علانية من طرف ذوي النفوذ و تسامح شبه مطلق من طرف السلطات.

لو كان هناك ترخيص فآنذاك يمكن لأبناء المنطقة زرع و بيع منتوجهم بكل حرية، لكن ما نلاحظه اليوم للأسف هو أن السلطات لا تتدخل إلا عندما يريد الناس بيع محصولهم، لتترك المجال للسماسرة و كبار التجار و الشبكات الدولية المافيوية أن يستفيدوا وحدهم من هذا المنتوج ليتمكنوا من ترويجه وطنيا و وطنيا.

الكل يعلم أن نبتة الكيف تزرع و تنبت و تنمو ثم تحصد في المنطقة. فلماذا إذن يا ترى لا تتدخل السلطات إلا عند بيعها و ترويجها؟

إن الدولة التي تحترم نفسها و مواطنيها تعترف بأخطائها. لكن للأسف نجد الدولة المغربية همشت هذه المنطقة تهميشا متعمدا منذ الاستقلال إلى اليوم. لقد هجرت أبنائها بعد أن قمعتهم إبان انتفاضة 58/59، و شجعت الباقي على زراعة الكيف، دون أن تبدل ادني مجهود لإيجاد حلول و بدائل تنموية قادرة على تعويض سنوات القمع و التهميش. و حتى عندما تحاول بعض المؤسسات الدولية دعم أبناء المنطقة كما يفعل اليوم الاتحاد الأوروبي تهرب تمويلاته إلى مناطق أخرى من المغرب أو يتم تحويلها مباشرة إلى البنوك السويسرية.

إن الذين يزودون الاتحاد الأوروبي و سلطات الرباط بتقاريرهم المشبوهة حول زراعة الكيف يريدون جهل أو تجاهل حقيقة هذه القبيلة المنسية. و هذا فقط ما يفسر لماذا لا تشمل مشاريع الممولة أوروبيا الهادفة لمحاربة الحشيش و الهجرة السرية هذه المنطقة.

نعتقد أن الساهرين على البلاد و المسئولين المحليين ينتظرون انفجار أبناء المنطقة تماما كما حدق بايث بوعياش و تاركيست لكي يفيقون من سباتهم العميق و يخبرون آنذاك حكام الرباط بان هناك منطقة منسية طالها النسيان منذ أن تم قمع أهلها بوحشية ناذرة إبان انتفاضة 1958/1959. و منذ ذلك التاريخ لم ينجز أي مشروع يذكر قادر على امتصاص نسبة البطالة المرتفعة بين أبناء المنطقة أما البنيات التحتية، فضلت شبه منعدمة فلا وجود لطريق رابط بين المداشر البعيدة بإدارة اسنادة مثلا، أما المدارس التي تركها المستعمر الاسباني منذ أكثر من نصف قرن لازالت هي التي تستعمل لتعلم أبناء المنطقة مع إضافة بعض الأقسام الكارتونية . أما مستشفى ثوفيست فيضل مغلقا إلى يوم الدين…. و على المرضى و النساء الحوامل أن يقطعن ما يقارب 50 كلم ليضعن مواليدهم في مستشفى محمد الخامس بالحسيمة إن فتح لهن أبوابه….

 

و بالمناسبة انشر جزءا من كتاب حول انتفاضة 58/1959 بايث يطفت الذي أنا بصدد انجازه و الذي سينشر رسميا في دجنبر 2013.

التعاليق (0)
أضف تعليق