الهروب من المسؤولية.

لازالت قضية العفو الملكي على المجرم دانيال، هي الطاغية على الساحة السياسية المغربية، بعد البلاغ الملكي الأول، الذي حاول من خلاله التنصل من مسؤوليته القانونية والسياسية في القضية، بحيث إدعى أن لا علم له بخطورة الأفعال المنسوبة للمتهم المشمول بالعفو، مع العلم أن القانون والأعراف السياسية في البلاد واضحة بهذا الخصوص، أي أن الملك هو وحده الذي يملك صلاحية العفو عن من يشاء بعد دراسة الملفات المفترض أنها تقدم له من طرف الأجهزة المعنية، وهو ما أكده بلاغ وزارة العدل مباشرة بعد الفضيحة، الذي أكد أن الوزارة قدمت ملاحظاتها بخصوص السجين “دانيال”، وأن العفو تم في إطار علاقة ثنائية بين ملكين، لما فيه من مصلحة عليا للوطن،ونحن لا ندري طبيعة هذه المصلحة العليا، التي من الممكن أن تتحقق لوطننا الغالي من جراء استباحة أعراض أطفاله، مما يؤكد أن المؤسسة الوحيدة المسؤولة عن هذا الملف هي المؤسسة الملكية، قانونيا باعتبار أن الدستور أعطى صلاحية العفو للملك، وسياسيا لكون الملك هو السلطة السياسية العليا في البلاد، أي أنه مسؤول عن كل المواقف والقرارات التي تصدر عن الدولة، وكذلك قضائيا لكونه هو رئيس مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء، مما يستوجب تقديم تعويضات للضحايا على إعتبارهم ضحايا لخطأ قضائي حسب الدستور نفسه.
إلا أن البلاغ التوضيحي الملكي جاء بعكس ما كان يصبوا إليه، بحيث فضح مستوى الإرتجالية التي تطبع تسيير الدولة على مستوى قيادتها السياسية، لأن حتى ولو افترضنا بأن الملك فعلا لم يكن على علم بطبيعة الجرائم التي توبع بها المتهم المعني، فهذا معطى يطرح الكثير من التساؤلات، لأن الدولة لا يمكن أن تسير بالمزاجية، فهذا ليس بقرار اتخذ على مستوى مقاطعة إدارية المعينة، بل على مستوى رئاسة الدولة، وحتى الجهل بالقانون لا علاقة له بالقانون نفسه، بل هي مسؤولية الجاهل به، هذا في العلاقة مع المواطن العادي الذي يتعرض للعقاب والمحاكمة عند خرقه لقانون يجهله، أما رئيس الدولة في مثل هذه الحالات أقل ما يمكن فعله هو تقديم استقالته، فليس هناك ضمانة تطمئننا على سلامة وطننا ومواطنينا من أخطاء أفدح في المستقبل، فقضية بسيطة كلفتنا الكثير، أقل أضرارها أنها أعطت صورة عن المغرب بأنه “جنة جنسية” للمكبوتين والمرضى الجنسيين.
وبعد هذا البلاغ، جاء بلاغ آخر، يقول بأن الملك أصدر قرارا بسحب العفو عن دانيال، وبغض النظر عن الأثر القانوني لهذا القرار، بحيث أنه يفتقد لصفة الإلزامية التي يتمتع بها حكم المحكمة، خصوصا وأن المعني بالأمر غادر البلاد وبالتالي مسألة سحب العفو عنه عمليا هي بيد بلده اسبانيا وليس بيد المغرب، وحتى وإن تم تسليمه للمغرب فلا أحد سيعلم بأي ثمن، خصوصا وأن الأخبار الواردة من اسبانيا تتحدث عن علاقة المعني بالأجهزة الإستخباراتية الإسبانية، كل هذا لا يعنينا، بقدر ما تعنينا قراءة دلالات البلاغ الموجهة داخليا، إذ وبمجرد صدور القرار، خرج أنصار الملكية للتهليل للقرار وعده من الإنجازات الكبرى التي تحسب للعهد الجديد، مما يعني أن الملك استشعر مدى الإحراج الذي وضع فيه أنصاره، بعد أن عجزوا عن الدفاع عن قرار العفو، بل بالعكس، أسقط عن نفسه وبنفسه، تلك الهالة التي ترتقي به لمرتبة المقدس الذي لا يخطأ، فكان لابد من استرجاع شيء من المصداقية في هاته الأوساط، لكي لا تتكرس عزلته أكثر بمجرد قرار مزاجي “إذا افترضنا حسن النية” طبعا، ولم نذهب مع التحليلات التي تقول بأن الأمر ما هو إلا صفقة استخباراتية بغيضة، ضحيتها كرامة الشعب المغربي، أي أن قرار “السحب” ليس قرارا قانونيا، ولم يبحث الملك عن ذلك أصلا، حينما قال بأنه أعطى أوامره لوزارة العدل لتبحث مع نظيرتها الإسبانية كيفية تنزيل القرار، بل كان الهدف الأساسي،هو إعطاء مدخل للنخبة السياسية الدائرة في فلكه، لكي يشكلوا دروعا، تحصنه من الإنتقادات الموجهة إليه من طرف الشعب المغربي بمختلف فئاته الإجتماعية، وقد بدأت أولى التحركات من تصريحات العديدين، “الطوزي ونجاة أنوار، الفيزازي، لشكر،…”.
إن مسؤولية الملك في القضية ثابتة لن تسطيع لغة البلاغات العاطفية ولا تصريحات الفيزازي المجرم الذي استفاد هو أيضا من العفو، في طمسها، كما أن القضية أكبر بكثير من قضية العفو على مغتصب، بل هي قضية نظام سياسي واقتصادي واجتماعي، لا يعطي أي قيمة لكرامة الإنسان، بل همه الوحيد هو خدمة مصالح أصحابه، وتنمية أرصدتهم البنكية على حساب كرامة المغاربة وقوتهم اليومي، وبالتالي فالمعركة هي معركة على كافة المستويات، من أجل حماية أطفالنا، وضمان مستقبلهم، وحفظ كرامتهم.

التعاليق (0)
أضف تعليق