القطيع بين النرجسية وعشق الموت

توصلنا بمقال “القطيع بين النرجسية وعشق الموت”  من الاستاذ الباحث موسى أغربي؛ أستاذ النقد والرواية بكلية الاداب، جامعة محمد الأول وجدة، يقارب فيه الوضع الآني الذي تعيش على وقعه شعوب المنطقة، وتحديدا ما تعيشه هذه الشعوب في ظلّ شيوع “ثقافة” التطرف وجزّ الرؤوس، يتسائل الاستاذ في مقاله هل يمكن أن نشغّل مفهوم القطيع حتى في العصور الحديثة أم أنه حكرا على المجتمعات البدائية؟ وإذا سلّمنا بوجود “ثقافة” القطيع تتحكم في مصائر الناس حتى في المجتمعات الحديثة، فإنه بإمكاننا مقاربة طبيعة هذه الثقافة من خلال مفهومين مرضيين أساسسيين يقول الاستاذ الباحث هما: النرجسية والنيكروفيليا.
لنتابع المقال:

من جملة المعارف التي بسطها علم الأركيولوجيا وبدرجة عالية من الدقة أحيانا كثيرة، أن الكرة الأرضية في الماضي السحيق كانت مغطاة في الجزء الكبير منها بالأشجار التي كانت تمثل ملاذا آمنا بالنسبة لبعض الحيوانات المعرضة للافتراس من الضواري الكبيرة، لكن هذا الملاذ لا يمكن أن يتحقق بشكل كامل إلا بعيش الفرد ضمن مجموعة من الأفراد (أي القطيع) ينتسبون إلى النوع نفسه، لأن هذا التجمع هو ميل غريزي لحفظ البقاء من جهة، عن طريق صد الضواري وتنظيم الصيد الذي هو الشكل الأول للاقتصاد الذي استغرق ملايين السنين قبل اكتشاف الزراعة بعشرة آلاف سنة.

ومن البديهي أنه لا يمكن أن نتصور هذا القطيع بمعزل عن الفضاء الذي يعيش فيه، ونظامه الاجتماعي إن صح هذا التعبير، فبالنسبة للنقطة الأولى، فإن الأشجار المثمرة التي تمثل مصدرا من مصادر التغذية، كانت توجد بينها انفراجات clairières مغطاة بالعشب المصدر الثاني للتغذية، لأن الحيوانات كانت عاشبة ولاحمة في الوقت نفسه، فمن الطبيعي جدا-اتقاء لمنافسة الدخلاء على الصنف- تحديد جغرافية الفضاء الذي تتحرك فيه، ومن المفارقة أن هذا ما ورثه الإنسان الحديث عن أصله الحيواني الأول، وحتى قبل جده الأول (homo erectus) أي الإنسان الذي انتصبت قامته ومشى على رجليه، إذ نجد أن الكرة الأرضية الآن عبارة عن خرائط جغرافية محددة بصورة عالية جدا ودقيقة بخطوط الطول والعرض الافتراضية، وهذا التحديد المفبرك هو أحد تجليات أزمة الإنسان الحديث لأنه يمثل مانعا من التواصل بين الحضارات والشعوب بصورة أو بأخرى، في حين أن الإنسان العاقل homo sapiens ومهده إفريقيا وفقا لبعض النظريات العلمية الحديثة لم يجد أمامه أي حاجز للتنقل إلى آسيا وأوربا حاملا معه خبراته الثقافية والصناعية الحجرية

Richard E Leakey et Roger Lewin : l’industrie lithique ، أصول الإنسان: الطبعة الفرنسية 1979).

وأما بالنسبة للنظام الاجتماعي لدى الكائنات البدائية العليا (les primates) فقد يصعب تصور وجود هذا النظام الاجتماعي من لدن الإنسان الحديث، والحال أن أي قطيع أو تجمع لا يمكن أن يستمر في الوجود بدون هذا النظام سواء لدى تلك الكائنات أو أي تنظيم تدميري متطرف (مثل داعش وأخواتها) أو سلمي، ويتمثل هذا التنظيم في الحالة الأولى، وباختصار في صورة وجود قائد القطيع، وهو الفحل الضخم الذي يستطيع مواجهة الخصم، فكلاب إفريقيا الوحشية مثلا يوجد بينها فرد هو الذي يتولى تعيين الفريسة المرصودة، قبل أن ينخرط الجميع في المطاردة، كما أن وراءها جراء في الجحور أو العرين تنتظر نصيبها من الغنيمة، كما أن حيوانات الكوريلا والشامبانزي مرتبطة بعلاقات حميمة بين الأقارب وخاصة الأم (م س ص 176-177).

وإذا كان كل قطيع يزاول حياته في فضائه الجغرافي الخاص، فإنه لم يكن يتجاوز فضاءه إلى فضاءات قطيع آخر يختلف نوعا للغزو والاعتداء، كانت كل خطوة يخطوها الجد الأول للإنسان محسوبة وغايتها التأقلم مع المحيط من أجل استمرار الوجود.

ترى هل الإنسان الحديث لا يعرف ثقافة القطيع وغريزة القطيع؟ ونظريا على الأقل من الصعب جدا الإيجاب بنعم أو لا في كل الحالات وبالنسبة لكل السياقات الحضارية والثقافية وما إليها. صحيح أن الإنسانية مرت بملايين السنين انتقل فيها الكائن البشري من المشي على أربع إلى انتصاب القامة بفعل اضطراره لحمل الأشياء في إحدى يديه الأماميتين، ومن مأوى الكهف إلى السكن في القرية ثم المدينة، ومن نظام القطيع إلى نظام القبيلة، ومن نظام القبيلة إلى الدولة ومؤسساتها، وباختصار نحن في وضع “أفضل”، ألسنا شعوبا ودولا ومجتمعات مدنية ومؤسسات ديمقراطية، أو لسنا أفرادا متساوين أمام القانون كأسنان المشط؟ أمام هذا كله قد يبدو الحديث عن القطيع من باب اللغو أو الحذلقة والعجرفة الفكرية، ولكن لنقرأ التاريخ ونستقرئ أحداثه: سوق الشعوب بأكملها إلى المحرقة عن طريق الحشد الإيديولوجي في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأما في عهد ستالين فإن الجماهير كانت تحتشد كالقطيع أمام الكرملين لتتملى طلعة القائد الزعيم الذي تحول إلى وثن معبود كان من بين أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي، وفي منطقة الشرق الأوسط حشد عالمي هائل، داعشي، طقوس القتل والتدمير لم يشهد التاريخ الإنساني مثلها، وهذه النماذج وحدها كافية للإشارة إلى أن ثقافة التدمير تكمن وراءها ثقافة القطيع يقوده هذه المرة لا فحل ضخم من أجل تأمين البقاء، ولكن قائد سلطوي، نرجسي، مجنون لا يسعى إلى تأمين مصالح الشعوب بل تدمير الحياة وعناصر الوجود، ومن السذاجة القول أن هذه المآسي تعبير عن غريزة العدوان المتأصلة في الإنسان الذي لا زال موصولا بغريزة مملكة الحيوان وفقا لما ذهب إلى ذلك مجموعة من المفكرين في الغرب، نعم، صحيح، أن الإنسان يمتلك غريزة العدوان أصلها فرويد وتثبتها بعض الانتروبولوجيين. ولغتنا المتداولة تحتوي تعابير تشير إلى هذا المنحى العدواني: أثناء الشجار يخاطب أحدهم غريمه: “والله حتى نكل أمك” “ومرادفه في الأمازيغية “إذ شغ يمش” و”غادي ندخل فيك”، “الله يحرق امك” و”غادي نصفط يمك لقبور … الخ” إضافة إلى الميل إلى الانتحار والإيمان بكون الشيطان شرا يتربص بنا في اليقظة والأحلام، والإيمان أيضا بماما الغولة والغول، وهذه كلها رموز عاكسة لنزعة الشر والعدوان لدى الإنسان، ولكنها تظل ظواهر كامنة، قابلة للاحتواء بأساليب علاجية مختلفة كالعلاج النفسي والتربية والتعليم الجيد، ولكنها حينما يقيض لها قطيع مهزوم وفاشل في الأخذ بأسباب الوجود والحياة، ويقوده “قائد” أو “زعيم مجنون” ونرجسي فإنها تتحول إلى ثقافة التدمير التي تلتقي مع الغريزة البهيمية لتنصهرا معا وتتجاوزا مرضا معزولا إلى مرض وبائي أي إلى الكارثة.

قد يفهم القارئ من خلال ما تقدم أن مفهوم القطيع ظاهرة إنسانية عامة، لا فرق بين الشمال والجنوب، وبين المتقدم والمتحضر، وهو كذلك ! ويكفي أن نقرأ بعض صفحات من كتاب “سيكولوجيا الجماهير” لغوستاف لوبون حتى تتضح صورة ما نحن بصدده، فلفظة foules الموظفة من لدن هذا الكاتب، قد لا تعني بالضرورة “الجماهير” بصورة حصرية وبالمعنى الحداثي المتداول: الجماهير الشعبية المؤطرة سياسيا والواعية بمصالحها واختيار المؤهل لقيادتها نحو مصالحها المرصودة، بل إن الكاتب-وهذا حسب فهمي- يوظفها في معنى الحشد الفوغاني والقطيع والرعاع المنقاد غريزيا نحو المذبحة والقتل، وفي ذلك يقول: “فمن السهل اقتيادهم إلى المذبحة والقتل باسم النضال من أجل انتصار عقيدة إيمانية أو فكرة ما” (ص: 61 من الترجمة العربية: دار الساقي)، “وإذا ما نظرنا إلى أعضاء الجمعية التأسيسية بعد الثورة الفرنسية وجدنا أنهم كانوا بورجوازيين هادئين ذوي عادات مسالمة، ولكنهم ما إن اندمجوا بالجمهور حتى أصبحوا هائجين متحمسين، ولم يترددوا تحت تأثير بعض المشاغبين في أن يرسلوا إلى المقصلة الأشخاص الأكثر براءة، وقد ساروا بذلك عكس مصالحهم الخاصة وتخلوا عن حصانتهم البرلمانية وأبادوا أنفسهم بأنفسهم” (ص: 60)، الحشد أو القطيع لا علاقة له بالقطيع الحيواني، الذي ننتمي إليه بيولوجيا، الإنسان اخترع الإيديولوجيا المسمومة ومعها الساطور، ولم تكن للحيوان أيديولوجيا وهذا من حسناته، لم يكن يملك إلا الأسنان والأظافر للدفاع عن النفس وإشباع مطالب معدته، كما أنه –وهذا هو الأهم- لم يكن يملك ذاكرة الماضي المقدس ولا عبد الأوثان، ولا أخضع عناصر وجوده لحياة الأسلاف الأموات، وحتى ما انقرض من الأنواع الحيوانية لم يكن بسبب “الحروب الأهلية” بل بسبب الإنسان أو لعوامل طبيعية أو العجز عن التأقلم مع المحيط.

في الغرب الرأسمالي بشقيه الأمريكي والأوربي وجزء من آسيا، يصعب الحديث عن وجود “القطيع” وهذا إذا استثنينا طبعا الظاهرة النازية الألمانية التي أصبحت من الماضي، وذلك لأن الديمقراطية ووجود مجتمع مدني قوي وفاعل عاملان مهمان يحولان دون انبثاق القطيع وإيديولوجيته المدمرة، أقول هذا وأنا على وعي بأن الغرب استبدل الآن ثقافة الديمقراطية بثقافة حرية السوق التي أصبحت أهم من الديمقراطية كما لاحظ ذلك، أحد الكتاب الغربيين، ومع ذلك فإن هذا الواقع يختلف بتاتا عن الواقع في الضفة الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط.

من المعرف تاريخيا أن حوض البحر المتوسط كان مهد الحضارة الإنسانية المشعة على العالم كله، وكان مهدا للتعايش بين الثقافات والتبادل التجاري ولكثير من التفاصيل التي يضيق المقام عن ذكرها، فلماذا تحول جزء من هذه المنطقة إلى مراتع خصبة لقطعان الخراب والتدمير؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من استحضار المحيط الحضاري والثقافي الذي هو أساس قياس أفعال الإنسان وردود أفعاله، أو بعبارة أخرى لقياس مدى استجابة الكائن البشرى سلبا أو إيجابا لمتطلبات المرحلة التاريخية التي يحيا في قلبها، وطبيعة هذه الاستجابة، إذ على أساسها يمكن الحديث عن إمكانية حجز المكان إلى جانب الأمم المتحضرة أو الأسوأ – وهذا هو واقع الحال- أي الاصطفاف إلى جانب جحافل القتل والتدمير. كان المحيط بالنسبة للثدييات الأولى بما فيها الإنسان العاقل محيطا إيكولوجيا، وبفضل تأقلمها مع هذا المحيط استمرت في الوجود آلاف القرون، وأما محيطنا نحن في القرن العشرين وهذا القرن الذي نحن فيه، فلا تسعفنا الكلمات المعبرة عن هول الإحساس بالصدمة والفقر المادي والثقافي الذي تعاني منه الشعوب، وأعني بالصدمة الإحساس –وليس الوعي- بالفارق الحضاري بين ضفة المتوسط الشمالية وبين جنوبه، وهذا الإحساس عينه، أي الاكتواء بالفقر العادي والثقافي، هو الذي عانت منه ألمانيا في الحقبة النازية، ومعروف ما آل إليه من كوارث مما دفع عقلاء عالمنا إلى تأسيس منظمة دولية سميت بالأمم المتحدة لتحقيق السلم العالمي وحق تقرير مصير الشعوب واحترام حقوق الإنسان الخ، إلا أن سمفونية “شعب الله المختار” لم تفقد إلى غير رجعة بريقها الدموي، وأضحى من السهل بروز إبطال ورقيين يقودون القطعان المهزومة في الحياة إلى الموت ومنتشين برائحة الدم والرصاص، هؤلاء أصبحوا يملأون الشاشات وصدارة الصحافة والمجلات بكل لغات الأرض، فأي واقع أتعس من هذا؟ والسؤال المطروح الآن بحدة هو ما جدوى هذا المنتظم الدولي إذا كان يضم أصنافا من البشر خارج التاريخ بكل المقاييس، وهم أقرب إلى تلك الأقوام التي كانت تحيا على ما تجود به أشجار الغابات الكثيفة من الثمار الوافرة وذلك قبل اكتشاف الزراعة، إنها بكل وضوح أقوام لاقطة لما تقذفه مصانع الغرب وتقنيات الغرب من الملعقة الخشبية إلى الطائرة، وهكذا يتم الارتداد إلى الوراء البدوي الموجز في غزيرة العدوان وسلب ما لدى الآخر-ما عدا العلم والفكر النقدي- من متاع وكل ما يمكن أن تنالها الإيمان، فلا غرو إذن إذا تكاثرت القطعان الهمجية كإفرازات لأنظمة فاسدة لا وزن لها بين الأمم وموغلة في السبات العقلي والحضاري وشرعية استمرارها رهينة بما جادت به الطبيعة “الظالمة” من آبار البترول والغاز وبعمالتها للغرب الإمبريالي الذي لا يهمه من يحكم أكان داعشيا، أو وهابيا أو قاعديا، ما يهمه في المقام الأول هو إسناد من ينخرط في إستراتيجيته ويحافظ على مصالحه، ولذلك تعددت “محميات” القطعان في الشرق الأوسط وأوثانها التي تعددت أسماؤها ولكن الويل واحد، ابحث عما يميز بين أمير إرهابي وآخر، فلن تجد غير سيرة الجهل المطبق نتيجة الفشل في التحصيل الدراسي، سيرة مرضية بدايتها النرجسية ونهايتها النكروفيليا (عشق الجثث) ومع ذلك فهم قادة: أميون يسوقون كالبهائم أميين، فما طبيعة قيادة هذا الصنف من البشر؟

سأحصر هذه الطبيعة في مفهومين مرضيين أساسيين: النرجسية والنيكروفيليا.

المرض الأول يعتبر أهم ما اكتشفه فرويد بناء على أسطورة إغريقية مؤداها إن فتى جميلا اسمه “نرسيس” رفض حب امرأة واسمها “نيمفا تشو” ماتت بعدا أن حطم قلبها فعوقب من لدن “نميسيس” بجعله يسقط في حب خيال صورته في مياه البحيرة وأثناء”ممارسة إعجابه بذاته سقط في البحيرة ومات”(ايريك فروم: جوهر الإنسان: الترجمة العربية ص89-90).

القصة الأسطورية واضحة المعنى، أن عشق الذات مآله الخراب المزدوج: تدمير الذات والآخر، ويتضح هذا المضمون بكل تفاصيله إذا انتقلنا من النرجسية الذاتية، وهي مجال الاكتشاف الفرويدي إلى النرجسية الجماعية كما هي من وجهة نظر ايريك فروم الذي يعرفها بأنها الميل إلى جعل القبيلة أو القومية أو الدين أو العرق… الخ موضوعا للشغف النرجسي بدلا من كون الفرد هو ذلك الموضوع” (جوهر الإنسان ص 96)، وكما أن الفرد النرجسي يصبو إلى إرضاء نفسه بنفسه، فإن الجماعة أو القطيع، أو القبيلة في حاجة أيضا إلى من يشبع رضاها عن الذات وذلك عن طريق توفر قائد أمي ودموي في الوقت نفسه، ووجود أفراد” فقراء ثقافيا واقتصاديا” (ص 103)، أوحي إليهم بأن إيمانهم هو الأفضل، وإن جماعتهم الدينية هي الوحيدة التي تؤمن بالإله الصحيح، وأما الجماعات الأخرى فغير مؤمنة وضالة (ص 112)، وهذا ما يبرر بروز هذا التكاثر السرطاني من الجماعات التي تصفي الحسابات فيما بينها عسكريا، وكل بما لديه من الفقر الفكري فرح، بل ويشعر ب”التفوق” الذي لا يعني غير القتل، قتل أي إنسان بريء، وهكذا تجتمع النرجسية والسادية في قلب الأفراد والجماعات. وإذا كان ايريك فروم يأخذ على فرويد النظر إلى النرجسية من زاوية الغريزة الجنسية (الليبدو) مما ضيق من مجال استثمار المفهوم إلى أبعد من هذه الطاقة- فإني أرى أن فرويد على صواب، وآية ذلك أنه لو بعث من مرقده ورأى نساء “يجاهدن جهاد النكاح” وقرأ فتاوى التبشير بالحوريات اللواتي ينتظرن “الشهداء” – وهن 72 على الأقل ولا أكثر- بباب الفردوس، فسيتأكد من صدق نظريته إن لم يصب بالجنون أمام هذه “المخاريق” التي ينبغي على المؤرخين والباحثين تدوينها بمداد خاص لم تكتب به صحائف التاريخ منذ أن صنع الإنسان تاريخه.

وأما المفهوم الثاني، أو المرض النيكروفيلي، وهو من أشد الأمراض فتكا وتدميرا فهو غريزة “حب الموت”، ناجم كما يقول علماء النفس عن انحراف جنسي قائم على “الرغبة في امتلاك الجسد الميت (لامرأة) بهدف الممارسة الجنسية، أو الرغبة القاتلة في التواجد مع جسد ميت” (جوهر الإنسان ص 47)، وأشد ما تتجلى هذه الرغبة العدوانية والمشوهة لإنسانية الإنسان لدى العسكريين المتعطشين للدماء مثل القائد الاسباني الجنرال “ميلان استراي” الذي ألقى خطابا في جامعة “سالامنكا” بداية الحرب الأهلية الإسبانية وهو يردد شعاره المفضل “يحيا الموت” مما دفع الفيلسوف الإسباني أونامونو وكان رئيس الجامعة المذكورة إلى الرد فقال: “لقد سمعت لتوي بكاء نكروفيليا، أحمق: يحيا الموت”. (م.م.ص45-46) فلم يتمالك الجنرال أعصابه فصاح “يسقط العقل” وردد وراءه جنوده “يحيا الموت” هذه الحادثة تبين لنا أن حب الموت والعقل لا يجتمعان، من هنا وصف أونامونو لخطاب الجنرال بالأحمق، وهنا استحضر بعض الفتاوى الدينية التي لا زالت تجد من يصغي إليها من الطوابير الحمقاء، ومن هذه الفتاوى جواز نكاح الرجل للمرأة الميتة مع أن التعاليم الدينية تقضي بضرورة إكرام الميت بالإسراع بدفنه لا نكاحه، فأصحاب هذه الفتاوى في حاجة إلى تشخيص مرضهم قبل أن يباشروا وظيفة الإمامة ووعظ الناس في متاهات السفاسف التي لا نهاية لها كما الحماقة لا تحد إلا بنور العقل وهذا ما يفتقده الكثيرون – بدون مع الأسف، ومن مخاريق “القرضاوريزم” اعتبار “الداعشية” “ثورة شعبية” محرضا بطريقة لاشعورية على قتل الشعب وقطع الرؤوس بالسواطير، هؤلاء عشاق الموت بدون منازع، ولا أدري أين تلك الطوابير التي كانت تملأ شوارع أوربا وأمريكا وباكستان وبانقلادش، صخبا لاستنكار الإساءة للإسلام ونبي الإسلام. فأين الفتاوى التكفيرية مما يحدث الآن من قتل وإرهاب. أن العالم الإسلامي المفلس على كل الأصعدة هو وحده في هذه الدنيا الذي يتوفر على خزان من الحشود الميدانية التي ترفع الرايات السوداء وهي في عنفوان الهيجان لا تتوانى في الارتماء بين أحضان الموت بدون هدف إنساني نبيل دينيا أو سياسيا أو ثقافيا، وحدهم الزعماء الكارطونيون يعتقدون “صحة” ما يسعون إليه، ولكن نهايتهم الحتمية ستكون مثل الأبطال النازيين رسموا أهدافهم “الصحيحة” فذهبوا إلى الجحيم، ولكن الشعوب الحية استمرت بعدهم لأن العقول فيها نابضة تمتح من إرث فكري عظيم مثل سبينوزا وديكارت وهيجل وماركس وفرويد، وهذا الإرث وجد تربة ازدهاره في أنظمة ديمقراطية، قبل العولمة طبعا، رفعت الفرد وحرية الرأي إلى مستوى القداسة، إما التربة التي تنتج مبتدعي التكفير فمصيرها كما تقول النكتة هو “الطيحة مضمونة”!

التعاليق (0)
أضف تعليق