الفلسطينيون والبحث عن السلام في ظلال السراب !

    أعتقد أن الحديث عن الصراع الدائر بين الكيان الفلسطيني والكيان الصهيوني، أصبح من نوافل القول والكلام،لطول المسافات والأشواط والمراحل التي مر بها هذا الصراع الدامي في كل فصوله، ولانسداد أفاقه من جانب الفلسطينيين، والدوران في فلك الحلقات الفارغة،بل العودة إلى نقط ما قبل الصفر في كل خطوة، ولما اتسم به بأحكام الشقاء الأبدي السيزيفي على الوجود الفلسطيني، ليطرح التساؤل العريض على طول هذا الصراع وملابساته وإشكاليا ته، كالتالي : إن كانت أية معركة تحتمل منطق الربح والخسارة، وانطلاقا من معطيات القوة والضعف، ففي أية كفة ترجح القضية الفلسطينية في ميزان القوى الإقليمية والدولية في عمليات المفاوضات لإنهاء هذا الصراع ؟ .

    إن التحليل الموضوعي الشمولي لهذا الصراع يفترض الوقوف عند كل جوانب المعطيات المتعلقة بأطرافه، سواء منها التاريخية أو السياسية، الثقافية أو الدينية، الأيديولوجية أو الحضارية، فالفلسطينيون ليسوا وحدهم المعنيين بهذا الصراع، بل ما هم إلا رمز من رموز المعارك الدائرة بين الشرق والغرب، وخاصة الشرق العربي الإسلامي، والكيان الصهيوني ليس إلا المولود الجديد الذي أوجده الغرب انطلاقا من مفاهيم الأساطير التاريخية والدينية، وفي إطار السيناريوهات والمخططات الاستعمارية المحبوكة، فلولا وقوف الغرب الاستعماري وراءه لما كانت له قائمة في جغرافية العالم العربي الإسلامي، والذي لازال في صفه لحد الساعة بدعمه المتواصل والمتجدد المفاهيم والتخريجات والمخططات المتوالية، والمتحكم في قواعد اللعبة برمتها، مع القوة الذاتية التي نالها الكيان الصهيوني بحكم الإجهاد والإبداع والتخطيط  والتصور والرؤية وغيرها من الأشياء التي يتميز بها في علاقته بكينونته الخاصة، في مقابل كيان عربي إسلامي مهزوم وضعيف ومسلوب كل إمكانيات الإرادة والعزيمة والتصميم والتخطيط والفعل والرؤية والوعي، وما يتصف به من خذلان وجبن وخوف من المواجهة المباشرة، وانعدام كل الشروط الديمقراطية البناءة بداخل مجتمعاته، وتخلف على الركب الحضاري ألأممي بالرغم من الإمكانيات والموارد البشرية والمادية والمعنوية …. الخ .

    إذن، ففي هذا الإطار تترنح القضية الفلسطينية بين القوى المتحكمة بمعية الكيان الصهيوني  واستراتيجياتها المحبوكة،وبين كيان لا يملك من نقط القوة إلا السراب والأوهام وأضغاث الأحلام، بين قوى تعي جيدا كل أفعالها وتترجم كل مخططات عقلها السياسي والاستراتيجي على أرض الواقع، وبين كيان لا يفكر إلا عن طريق استهلاك ما ينتجه الأخر المتقدم والقوي والغازي  لكل حقوله الحضارية، وما مسارات مفاوضات  التسوية والسلام  الموهومة من جانب الفلسطينيين وكل الدول العربية والمسماة دول الطوق وغيرها التي تتبنى القضية الفلسطينية في علاقاتها بالكيان الصهيوني والقوى الغربية،إلا دليل  على الانتكاسات المتتالية سواء في جبهاتها العسكرية أو الدبلوماسية أو السياسية أو الإستراتيجية أو الإعلامية، ليخلص المتتبع للشأن العربي الصهيوني إلى خلاصات قطعية في أبعادها المترامية الأطراف والشاسعة المساحات من خلال تاريخ الصراع وتطوراته ومنعرجاته وفخاخه الكاسبة للمزيد من الانتصارات المتتالية للكيان العدو، تلك الخلاصات التي تجمل :   في كون الكيان الفلسطيني والعربي والإسلامي  يفتقد إلى الوعي اللازم والتسليح الضروري بالعدة السياسية والإستراتيجية والعقلانية في مواجهة العدو المنتصر، وفي غياب الشروط الكفيلة بصنع الذات والبيت الداخلي سواء على المستويات الوطنية أو الإقليمية، وفي غياب الأشكال الديمقراطية في تحمل مسؤوليات الشأن العام بداخل كل الأوطان،وفي تربع حكام ليست لديهم الجرأة والشجاعة في مواجهة كل مخططات القوى الغربية والكيان الصهيوني خاصة، وفي وجود أنظمة  ديكتاتورية وشمولية لا تسمح بالنقاش العمومي لكل القضايا المطروحة، علما أنها تسترزق بالركوب على القضية الفلسطينية في كل مواقفها، وفي شعوب استأنست بكل تلا وين الاستلابات وانعدام الوعي لديها بكل قضاياها الداخلية والخارجية، وخوفها الدائم المسكون بهواجس القلاقل والاضطرابات،لتفضل السكون والدعة والمسكنة والتبعية، اللهم ما يمكن استحضاره في هذه الآونة من ثورات لشعوب، بالرغم من عدم وضوح الرؤية لديها في كيفيات إدارة الصراع الداخلي بين جهات ترمي إلى إبقاء الوضع على ما هو علية، وأخرى تحاول سحب البساط من تحتها والأخذ بزمام الشأن العام، علما أن الكيان الصهيوني والغرب وكل القوى الدائرة في فلكها تحاول خلق عراقيل لعدم إنجاحها، وبالتالي إطالة الصراع ما أمكنها وتثبيت مصالحها على طول التاريخ المستقبلي،والإبقاء على مساحات الهوة الشاسعة بين الكيان العربي /الإسلامي المتخلف والقوى المتقدمة .

    بالرجوع إلى محطتين معاصرتين مهمتين في تاريخ هذا  الصراع القائم وعلاقاتهما بإمكانيات تحريك القضية الفلسطينية وإدخالها إلى غرفة الإنتظارات الطويلة الأمد، ومحاولات البحث في الوسائل الممكنة لإحلال السلام بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين والدول المجاورة لها وكل من يتبنى القضية الفلسطينية في مزادات أسواقه السياسية والإستراتيجية، ووفق الشروط المفروضة على هذه الأخيرة، والمملاة بحكم الأمر الواقع من قبل الكيان الصهيوني والقوى الداعمة لها، فالأولى كانت من قبل الفلسطينيين  ذاتهم والمجسدة في الانتفاضة الفلسطينية،والتي أبهرت كل متتبعي الشأن العام في طريقة اشتغالها في وجه كيان مسلح ومدجج بأعتى الأسلحة فتكا ودمارا وتخريبا وتنكيلا وتقتيلا، والثانية أتت عقب حرب الخليج الأولى التي استهدفت العراق وما استتبعها من تهديد للكيان الصهيوني في عقر داره، وزعزعة الثقة بذاته، وخلخلة كل بنياته الأمنية والإستراتيجية، وهو ما انعكس سلبا على العديد من الأطروحات الصهيونية والغربية والعربية، مما استدعى كل الأطراف المعنية بهذا الصراع إلى المبادرة لفتح ملف القضية الفلسطينية كل من موقعه، ووفق الأجندات المرسومة لكل طرف على حدة، إلا الطرف المهزوم دوما الذي يكتفي بتكتيك الدفاع وبغياب إستراتيجية الأهداف والمساعي، وبضحالة المناورة والطرح، وبجفاف دبلوماسيته وأيديولوجيته المقنعة والهجومية في كل خطوات التسوية ومفاهيم السلم المطروحة على طاولة مفاوضات السلام المزعومة.

    إن التاريخ المستقبلي للكيان الفلسطيني ينذر بأبدية الشقاء على مدى عقود وعقود من الزمان،إن لم نقل قرون وقرون، ما لم يتحرك ذاتيا، وما لم يعمل على إشعال كل فتائل الصراع، وما لم يشحذ كل القوى المناصرة له، وما لم يتسلح بكل الاستعدادات الممكنة للخروج من ورطته الوجودية المغتصبة لحقوقه المشروعة، وما لم يفك ارتباطه بالقوى المتخاذلة والأنظمة العربية الرجعية في تماس مع القوى الدولية الطامعة في تحقيق مصالحها الدائمة على حساب الشعوب المسلوبة الإرادة والرؤية لمشاريعها الحضارية والتواقة للحرية والعدالة والمساواة، وهو ما تلقي بظلاله الثورات العربية مستقبلا،ولو في أمده البعيد، ويمكننا القول إن كل تخريجات ومخططات المفاوضات والتسويات الجارية بين الكيان الصهيوني والكيانات العربية والفلسطينية بالخصوص ما هي إلا أكوام من السراب لتطيل عمر وامتداد كل القوى المتحكمة في إدارة الصراع والمصالح المرتبطة به، وإخراج حلقات الإضعاف والقضاء بالتالي على كل مقومات الوجود العربي والإسلامي جملة وتفصيلا.

التعاليق (0)
أضف تعليق