السيد رئيس الحكومة و جارية الرشيد.

    يحكى أن الخليفة هارون الرشيد خرج ليلاً يتجول فى قصره ، إذ مرّ بجارية له عليها كساء خزّ، وهي تسحب أذيالها و تتمايل من السُكر ، فطلبها “الخليفة” لكنها تمنّعت و رفضت ، فحاول الإمساك بها، فأسقطت رداءها و انحلّ إزارها ،فهربت و هي تقول للخليفة : الوعد بيننا يوم غدٍ، و عندما أصبح الصبح جدّ الخليفة في طلبها فوجدها ،و عندما سألها إيفاء الوعد ، قالت : يا أمير المؤمنين ، أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار ؟ .. و بهذا استطاعت الجارية بدهائها التنصّل من وعدها بمكرٍ و لطف ،دون أن ينالها أيّ نوع من العتاب ،فصارت عبارة “كلام الليل يمحوه النهار” مثلاً يضرب في نقض العهود و المواثيق ،يتحايل به الناكصون، ويتذرع به الناقضون لعهودهم..

    و لكن ،إذا كانت الجارية المخمورة تمزح في وعدٍ غرامي مع رجلٍ صَـبٍّ مُستهام، فكيف يجوز ذلك من رجل هو رئيس حكومته ،و كبير حزبه ،وذو اعتبار بين قومه وخاصتــه؟.رجل في مثل موقعه ذاك،تعتبر كلُّ كلمة يتفوه بها أو أيّ قرار يصدره، له عميق الأثر على مصير دولة و حاضر أمة و مستقبل شعب ، فمن يتابع سيرة السيد رئيس الحكومة في إصدار القرارت  ثم التنصل منها ، و التي تمس كيان الوطن الحسّي و تتعلق بحياة الشعب و معاشه اليومي يموت من شدة الضحك، لكنه ـ مع الأسف ـ  ضحكٌ كالبكاء ، ذلك أن السيد رئيس الحكومة يصدر أهم قراراته صباحاً لينسفها في الظهيرة ، ثم يصدر آخراً في ذات الوقت ، و ما يلبث أن ينسخه بقرارٍ جديد مساء، و كل القرارت مصحوبة بمبررات وأعذار أقل ما يقال عنها أنها تدخل في باب “عذر أقبح من زلـة” والتي يصاب المتابع لها بالدوار و عدم التركيز من حالة التناقض و تغيير المسارات و كثرة (البولميك)، الذي  لا يسعنا حياله إلا أن نقول مع الشاعر :

و إذا كان الطباع طباع سوءٍ ** فلا أدب يفيد و لا أديب

   كل ما يهمنا نحن هو خطورة هذه القرارات وأثرها على شعب يزعم هو ومن معه أنهم مبعوثون إليه من طرف العناية الإلهية،جاؤوا لينقذوه في الدنيا والآخرة بقيادته في مدارج السالكين وتحت ظلال القرآن المبين.. إنقاذه من الفساد والمفسدين الذين عاثوا في المال العام سلبا ونهبا،وإنقاذه من الفقر والتهميش الذي فرض عليه من ذات المفسدين ، لكنها لم تكن سوى مزاعم ووعود أبلغ من مواعيد عُرقب ، فلا الفساد حاربَ ولا الفقر قاوم ولا الهشاشة أوقف، ولا الكرامة أرجع للمواطن المقهور،المغلوب على أمره، بل تحوّل هو نفسه ـ بقدرة  قادرـ إلى راع للفساد وحاضن لمن اتهمهم من قبل بالفساد ووصفهم “بالشفّـارة” ،بل مُثْنِ ومُـطْـرِ عليهم بالمدح والتكريم حدّ الغزل المفضوح،وما واقعة التراشق المتبادل بين السيد رئيس الحكومة ووزيره الحالي للخارجية ببعيدة عن الأذهان، ولا نحتاج إلى التفصيل فيها، ولا حتى إلى التذكير بها.. لأنها شكلت علامة فارقة في مسار السيد رئيس الحكومة ومن معه، ومدى التخبط المريع الذي أصبح نهجا رسميا لرئيس الحكومة ووزرائه .. فكيف للصّ الأمس ـ حسب ادعاء رئيس الحكومة ـ أن يؤتمن اليوم على مصير بـلاد بأكملها ،وهو الذي سلّمت له حقيبة هامة جدا،بحجم الخارجية وما أدراك ما الخارجية ،بكل تعقيدات العلاقات الدولية و تشعّـباتهـا وتضارب المصالح فيها، بين مداهن وموافق ومعارض ماكر و و.

    لقد دأب السيد رئيس الحكومة على توزيع الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال على كل من عارضه، أو حتى من حاول إبداء النصيحة لـه ، بل لقد سارع من قبل إلى إصدار قوائم المستفيدين من امتيازات الريع المخزني (رخص النقل) ثم التراجع عن ذلك القرار ومعاتبة وزير التجهيز والنقل على فعلته تلك،دون القيام بأي شيء لمتابعة الموضوع..ثم بعد ذلك طرح ملف رخص المقالع ورخص الصيد في أعالي البحار،ثم عاد وقدم نفس المقالع ونفس الرخص لنفس الرؤوس التي استفادت منها منذ عقود، لكن هذه المرة بشكل رسمي ، ودون اتخاذ أي إجراءات حكومية تلزم هؤلاء المستفيدين بأداء كل ما في ذمتهم من مستحقّات قانونية للدولة المغربية،والتي هي من حـقّ الشعب المغربي..كما ذهب من قبل أيضا إلى ادعاء ردع كل من سوّلت له نفسه المسّ بالقدرة الشرائية للمغاربة ،فلم يجد السيد رئيس الحكومة أمام الارتفاعات المتتالية في الأسواق سوى أن ينحني ويدير لها ظهره، متحاشيا حتى الحديث عن ذلك، في تنصل مريب من وعود كان قطعها على نفسه أمام مجلس النوّاب.. وكان قبل هذا أيضا قد ذهب إلى التلويح بكشف التماسيح و العفاريت الذين يشوشون على العمل الحكومي ، ثم عاد ليعترف علنا وأمام ذات المجلس عن قلة حيلته وضعف ذات يده أمام هذه التماسيح و العفاريت التي لا تقهر..

   لقد اقتصرعمل السيد رئيس الحكومة في البرلمان على التلاسن والتشهير والتهديد كلما سنحت له الفرصة ،ليمارس ما سمّـاه بـ”التبوريدة” على نـوام المعارضة المتشرذمة والأغلبية الصامتة على حد سواء،عوض مخاطبة المغاربة بكل مسؤولية واحترام ،والإجابة عن تساؤلات المواطن المغربي البسيط وانتظاراته وأحلامه ،التي تتبدّدت الواحد تلو الآخــر.

   وها هو السيد رئيس الحكومة آخرا وليس أخيرا،عاد ليفتح على نفسه بابا لن يسهل عليه إغـلاقه هذه المرة ،ويتّهام قيادات من حزب الاستقلال بتهريب الأموال خارج البلاد،مورّطا  نفسه والحكومة في قضايا هي في غنى عنها، ستأخذ ـ دون ريب ـ من وقتها وجهدهـا كل مأخـذ ، كان أجدى وأولى استثماره في العمل على تصحيح الأوضاع العامة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا قبل فوات الأوان ..  

    وعلى الرغم من قناعتنا بتنصله من كل العهود والقرارات ،يبقى  السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بحدّة: إلى متى سيستمر هذا المسلسل المضحك المبكي؟ وإلى متى ستظل قبّة البرلمان مسرحا لتقديم هذه المسرحيات الهزلية ،التي يلعب فيها السيد رئيس الحكومة دور البطولة الأولى؟ و إلى متى يظل هذا الشعب المُتابِع لهذه المسرحيات،أسيراً للبطولات و الغـزوات الدونكشوتية لهذا البطل الإشكالي ؟ و أين هم بقية قـادة حزبه والجهاز التنفيذي ؟وأين هو برلمان “النوام”(مع احترامنا للشرفاء منهم) ؟ بل أين هـم علماء الأمــة ؟ لماذا لا يُرشدونه إلى الطريق الصحيح ،و يَهْـدونه سواء السّبيل ؟ .

     إنهم بسكوتهم هذا عن نصحه في الحق ،قد يصبحون أكثر شراً منه و أكثر خطراً ..حقاً إنــه زمن انقلبت فيه المفاهيم والقيم،فأصبح الصّادع بالحق مُتطاولا وسليط اللسان، فيما أضحى السّاكتُ عن الحق عاقلا ورصيـنـا..لقد صدقت الحكمة القائلة ” اِبكِ لروضة توسّطها خنزير، وارثِ لعلمٍ حـواه شرير”.. وغداً مزحة ،تعقبها بعد غد مسحة، دون رقيب أو حسيب.. وكان الله في عون من ضاق صـدرا أو نفـذ صبـرا.

التعاليق (1)
أضف تعليق
  • هواري س

    صدقت أيهاالكاتب في كل ما قلت.. هذا الوزير الأول دأب على الكذب حتى صار مثل الذي يكذب ثم يصدق نفسه متناسيا انه هو من اخترع تلك الكذبة.لم اتذكر شيئا قاله بنكيران او وعد تعهد به ووفى به على الاطلاق ..ولكم ان تقوموا بجرد بسيط لتعلموا مدى الكذب ونقض العهود الذي تميز به هذا الأخير