الديموقراطيون حماة الديموقراطية.

بسبب الاحداث التي يعيشها الشعب المصري بمختلف أطيافه، وما استتبع ذلك من مواقف بعد تدخل الجيش، وبغض النظر عن شرعية هذا التدخل من عدمه فهذا ليس موضوع هذا المقال، طفا على السطح مجدداً النقاش حول الديموقراطية والعلمانية وكيف يفهمها كل طرف، بعض “العلمانيين” كانوا مع هذا التدخل قلباً وقالباً كما دعمه بعض الاسلاميين أيضاً، لكن غالباً ما تُغيّب هذه المعطيات في النقاش، إذ الاعلام غدا يكرّس صورة مفادها أن العلمانيين مع انقلاب العسكر ضدّ الاسلامين، وأن الاسلاميين هم ضحايا هذا الانقلاب، والصورة الحقيقة غير هذا، إذ بقدر ما هناك بعض الاسلاميين والمؤسسات الدينية دعمت هذا التدخل كان أيضاً ثمة بعض العلمانيين ضدّ التدخل، لكن رغم هذا كان هناك اصرار على تقزيم المعركة في معادلة “انقلاب يقوده العسكر يدعمه العلمانيون ضدّ الاخوان المسلمين في مصر”. وهذه المعادلة لم تبق في حدود مصر فقط بل كانت لها امتدادات في جلّ بلدان المنطقة، وراح الاسلاميون يعيدون ترويج هذه الاسطوانة المشروخة؛ العلمانيون هم مع الديموقراطية فقط حينما تكون لصالحهم، لكن حينما تختار هذه الديموقراطية الاسلامين فإن العلمانيين ينقلبون الى انقلابين يدعمون العسكر. لكن بالنظر الى التاريخ القريب سنجد أن هذه مجرّد افتراءات لا أساس لها من الصحة، فالديموقراطي الحقيقي لا يعمل بمنطق الانتقاء، بل ينصاع إلى المبدأ وينتج مواقفه على أساسه بغض النظر عن تكلفة هذا الاصرار، الديموقراطي الحقيقي لا يعمل بمنطق التقية فيخفي أحيانا حقيقة ما يؤمن به، بل يرى من واجبه أن يكون واضحاً؛ لا يخاف لومة لائم في التعبير عن موقفه الداعم للحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة ضدّه؛ يقول لينين “الحقيقة ثورية ولو كانت لصالح الاعداء”، هذا هو منهج الديموقراطيين الحقيقيين في التعامل مع القضايا، لا يكيلون بمكيالين، وأي شخص يدعي أنه ديموقراطي ويسمح لنفسه باعتماد سياسة الكيل بمكيالين هو محض مدعٍ وكذّاب.

الغريب في الأمر أن العديد من الاسلاميين يعرفون هذا وخبروه جيّدا في أسوء اللحظات التي عاشوها في ظل قمع بعض الأنظمة، لكن رغم ذلك يتمادون في ترويج هذا الخطاب حول العلمانيين لهدف سياسوي بئيس. جل كتابات الاسلاميين المغاربة وغيرهم في تناولهم لأحداث مصر يصوّبون سهامهم في اتجاه وجهة واحدة هي جبهة العلمانيين، فلم أقرأ لكاتب اسلامي مغربي يتحدث عن “خيانة ” حزب النور السلفي، لكن كلهم تحدثوا عن حمدين صباحي والبرادعي و حركة 6 أبريل …بوصفهم انقلابين يدعمون الانقلاب، ليخلصوا الى نتيجة مفادها؛ هذه هي حقيقة العلمانيين لا يؤمنون بالديموقراطية إلا حينما تكون لصالحهم، وهم يعادون كل ما هو اسلامي…بل بَلغَ العته بأحدهم أن كتب مقالاً فيه من الغرور وتزكية النفس الأمارة بالسوء أكثر مما هو مبني على معطيات واقعية، فكتب “الاسلاميون حماة الديموقراطية” مما يوحي بأن الاسلاميين هم وحدهم حماة الديموقراطية والاخرون لا يتقنون إلاّ التكالب لحرمان الاسلاميين “المظلومين” من حقهم في جني ثمار الديموقراطية.

لكن الواقع التاريخي يسجل لنا أن أفضل الديموقراطيين في أحلك الظروف التي مرّت بها شعوب المنطقة كانوا أناساً يساريين علمانيين، وقفوا ضدّ قمع الأنظمة للاسلاميين، ودفعوا ثمن ذلك حياتهم وحريتهم، وهذا بشهادة الاسلاميين أنفسهم، لكن للأسف ينسون كلّ هذا و بجرّة قلم يسحبون موقف علان هناك على موقف فلان هنا، لتحقيق مآرب سياسية آنية، فلو توافر قليل من الانصاف لوجدنا أنه بقدر ما كان بعض العلمانيون يدعمون الانقلاب على الديموقراطية لقطع الطريق على الاسلاميين، أيضاً كان بعض الإسلاميون سدنة العسكر وحماة الانقلابات حتى ضدّ اخوانهم الاسلامين، وموقف حزب النور في مصر لم يكن استثناءً بل هو تكريس لقاعدة دأبت عليها مختلف التيارات الاسلامية من قبل، ولنا أن نتأمل تجربتين تاريخيتين؛ الاولى في تونس، والثانية في الجزائر، لندرك أن موقف حزب النور لم يكن نشازاً، ولندرك أيضاً أن دفاع العلمانيين واليساريين على الديموقراطية لا يحتاج إلى شهادة يوثقها أحدهم في مقال ما، بل التاريخ كفيل بتسجيل كلّ أحداثه حتى الشاردة منها. والتجربتان المقصودتان هما كالآتي:

 -سنة 1988 عندما تولى بنعلي السلطة في تونس دعا كل الاحزاب السياسية الى توقيع ميثاق وطني يتم على أساسه تدبير المرحلة السياسية لما بعد بورقيبة، وكان المتضرر الأكبر من بنود هذا الميثاق هم الاسلاميون الذين شدّد  عليهم الخناق نظام بنعلي. وقّعت كل الاحزاب السياسية على هذا الميثاق ومن بينهم حزب النهضة الاسلامي نفسه بزعامة رشيد الغنوشي، والحزب الوحيد الذي رفض التوقيع على هذا الميثاق كان هو حزب العمال التونسي بزعامة “حمة الهمامي ” (الماركسي اللينيني العلماني الكافر طبعاً بالنسبة للإسلاميين)، وكان نتيجة هذا الرفض سنوات من السجن والمتابعات لمناضلي وقيادات الحزب…كما رفض “حمة الهمامي” مِنْ بعد الدخول في حلف مع النظام للقضاء على الاسلاميين وظل يُتهم من طرف بعض رفاقه اليساريين الذين انخرطوا في هذا الحلف بالولاء للإسلاميين كما عانى الامرّين من النظام جراء خروجه على هذا الاجماع، لكن رغم ذلك ظل وفياً لمبادئه رافضاً لأي اقصاء لأبناء تونس أنى كانت انتماءاتهم وايديولوجياتهم…

– سنة 1991 (26 ديسمبر) نُظمت انتخابات تشريعية في الجزائر، كانت كلّ المؤشرات تشير الى تقدم ملحوظ لحزب جبهة الانقاذ الاسلامي بزعامة “عباس مدني” و”علي بلحاج”، آنذاك تدخل الجيش وألغى نتائج الانتخابات وأدخل البلد في سنوات من الدم والقتل والتقتيل، وللاستمرار في هذا السياسة جمع الجيش حوله مختلف الاطياف السياسية لخلق نوع من الاجماع حول المهمة “المقدسة”؛ القضاء على الارهاب، ومن بين الذين كانوا يبررون سياسية العسكر وشكلوا حلفاً مع الجيش الانقلابي آنذاك؛ الشيخ “محفوظ نحناح” زعيم حزب ” حركة مجتمع السلم”(حماس) الاسلامي، وكذلك إلى حد ما “عبد الله جاب الله” زعيم حزب النهظة الاسلامي وطبعاً باقي الاطياف السياسية الاخرى…من الاصوات السياسية القليلة التي ظلت تصدح بمعارضتها لهذا السيناريو العسكري كانت هي العلمانية الماركسية التروتسكية (أي الكافرة بالنسبة للإسلامين) “لويزة حنون” زعيمة حزب العمال الجزائري، حتى أن “علي بلحاج” أحد زعماء جبهة الانقاذ الاسلامي كان قد قال في تصريح مشهور : “إن الجزائر لا يوجد فيها إلا رجل واحد اسمه لويزة حنون” …”محفوظ نحناح” الاسلامي كان يبرّر ويشرعن تدخل الجيش و”لويزة حنون” العلمانية وقفت بكل قواها ضدّ هذا التدخل…أفلا تعقلون؟

التعاليق (0)
أضف تعليق