التماسيح لا تكشف عن التماسيح.

تتبع المغاربة بقليل من الانتباه وكثير من الرغبة في الترويح عن النفس الخرجة الأخيرة لرئيس الحكومة عبد الاله بنكيران في جلسة المساءلة الشهرية في الغرفة الثانية. الرجل عاد بشكل قوي للحديث عن التماسيح والعفاريت من خلال رده على سؤال استفزازي لأحد المستشارين حين طلب منه أن يكشف أسماء التماسيح والعفاريت؛ بنكيران أضاف هذه المرة الى وجبة العفاريت الدسمة معطى اخر هو أن صرّح أمام الملأ وأما قنوات التلفزة أننا كلنا نعرف التماسيح والعفاريت لكننا لا نستطيع الكشف عنها ؟؟

جرت العادة لدى العديد من الكتابات وصف الخطاب السياسي لعبد الاله بنكيران ولحزبه بأنه يمتح من لغة “كليلة ودمنة”، وبعضهم أشاروا إلى رواية “مزرعة الحيوانات” لجورج أورويل، لكن شتان بين العملين الابداعيين المبنيين على الاستعارات الرمزية وتوظيف الحيوان ليؤدي دور الانسان السياسي، وبين لغة بنكيران القائمة على استدعاء عالم الارواح والجن والعفاريت، حيوانات بنكبران ليست هي حيوانات ابن المقفع ولا جورج أورويل ولا لافونتين، لغة بنكيران هي لغة الجدات اللواتي يخفن أبناءهن كي يستسلموا للنوم بقصص الجن والعفاريت.

العفريت ليس حيوانا بل هو مخلوقاً هلامياً قد يتمظهر في عدّة صور، فقد يكون قطا أسوداً أو قد يكون إنسانا بحوافر البقر أو… لذلك فإن كان الداعي عند ابن المقفع في استحضار عالم الحيوان هو من أجل التحايل على الرقيب فإن الداعي عند بنكيران هو الجبن وعدم القدرة على تفعيل الوعود التي طالما تغنى بها في حملاته الانتخابية، فلكي يبرر فشله وجد مشجب العفاريت هو الانسب ليعلقه عليه.

قد يقول قائل أن الرجل كانت له نية صادقة في الاصلاح لكنه اصطدم بمن يرفض هذا الاصلاح، عندئذ يكون الجواب إن هذا كان تحصيل حاصل، فعندما وقفت القوى الحية في هذا الوطن مطالبة بدستور شعبي يقضي على العفاريت كان بنكيران يصرخ منتفخ الأوداج:” هذه دولة أمير المؤمنين الضاربة جذورها في أعماق التاريخ”، وبل وصف المطالبين بالتغيير ب”الغياطة والطبالة”…

إن لغة المظلومية التي يتدثر بها خطاب بنكيران وإخوته هي لغة تروم تعويم الأشياء من أجل التستر على العجز والجبن أمام النظام الملكي، فليست المسألة في القدرة على الكشف عن هوية العفاريت والتماسيح بل أصل المشكل هو انهزام بنكيران وفشله أمامها، والذي كان منتظرا بالنظر إلى التعاقدات التي حملت حزب العدالة والتنمية الى رئاسة الحكومة، واستنجاده بهذه اللغة كان رغبة منه لمداراة عجزه، وإلاّ فالكل يعرف التماسيح والكل يكشف عنها، هناك من يقول عنها المخزن، وهناك من يسميها الدولة العميقة، ولعل تقرير جريدة “فاينانشال تايمز” البريطانية أشار بوضوح الى هذه التماسيح والعفاريت قائلا ” الملك والديوان الملكي والقوى الأمنية ، التي يشار إليها عادة بالمخزن، ما زالوا يطبقون سيطرتهم على الشؤون الاقتصادية والسياسية الحيوية”..

المسألة ليس في القدرة على الكشف عن هوية التماسيح والعفاريت بل في القدرة على مواجهتها، وفاقد الشيء لا يعطيه، بنكيران كان دوره منذ البدء هو لعب هذا الدور؛ دور الشعبوي الذي يبتغي الاصلاح بالمشاركة مع الملك، ليكرس الصورة التي عملت على ترسيخها بمختلف الأدوات النخبة الأمنية لما يسمى ب”العهد الجديد”، وتفاصيل الصورة هي أن الملك يحب الفقراء ويقبّلهم على جباههم ويحنو عليهم ويذرع البلاد ذهابا وإياباً يدشن المشاريع…لكن دائما تأتي التماسيح وتوقف تنفيذ مشاريع صاحب الجلالة، فالتماسيح التي يشتكي منها بنكيران هي نفسها تشتكي من التماسيح، رئيس جهة الحسيمة -تازة –تاونات البامي محمد بودرا (الذي هو تمساح في عرف بنكيران) صرّح أكثر من مرة أن جلالة الملك يولي اهتماما أبوياً لمنطقة الريف لكن جهات داخل الدولة يغيظها هذا العطف المولوي فتتدخل في كل مرّة لافشال استكمال مشاريع الملك في الريف…المهم الاسطوانة دائماً نفسها تتكرر على أفواه سياسيين مختلفين لكنهم يجمعون أن النظام الملكي مصدر الخير الذي يحبسه العفاريت ويحولون دون أن يعم الشعب المغربي…
في الحقيقة هذه اللغة تكشف مدى الانحطاط الذي هوت إليه الممارسة السياسية في هذا البلد، فالحديث عن التماسيح والعفاريت عند كل فشل، أو من أجل تبرير عدم تفعيل الوعود، يتضمن خطاباً مضمراً مفاده : ليست المؤسسة الملكية هي من توقف الاصلاح في المغرب بل هي بعض القوى الغيبية التي تستغل طيبوبة الملك وتعيث شرّاً في البلاد والعباد…وتلكم هي شهادة الزور التي يصّر بنكيران على إلقائها بمناسبة أو غير مناسبة والتي تجعل منه تمساحاً بدرجة خادم الملكية المطيع.

التعاليق (0)
أضف تعليق