الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف على الطريقة الأمازيغية.

تصوير: ابراهيم اغونان/ عمر أيت يسين

تعتبر ذكرى المولد النبوي الشريف من المناسبات الدينية العريقة في ديانة الإسلام, فأصل الحدث يؤرخ لميلاد آخر الأنبياء والرسل وهو محمد بن عبدا لله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم  12  ربيع الأول من عام الفيل وتسمية العام بذلك راجع إلى ما شهدته مكة عندما حاول ملك الحبشة “أبرها” وأتباعه هدم الكعبة بفيله، وحينها نزلت فيهم سورة الفيل, ونفس العام شهد ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتوالت الاحتفالات بهذه الذكرى بعد وفاته, غير أنها تختلف من بلد لآخر أو حتى داخل نفس البلد وذلك راجع لاختلاف  الثقافات و العادات.

يعتبر الجنوب المغربي من المناطق الأمازيغية  التي مازالت وفية لثراتها العريق و الذي يمتزج فيه ما هو ديني بما هو ثقافي  و منطقة تسنا سمين بإقليم طاطا خير شاهد على ذلك الوفاء.

قبل قرنين من الزمن أو يزيد تروي الحكايات الشفهية  بـ تسنا سمين نواحي طاطا أن رجلا يدعى ” سيدي براهيم أومحند” كان متضلعا في العلوم عارفا بالدين تربطه علاقة قرابة بعائلتي “أيت يوسف ” و “أيت الطالب” كان يعيش وحيدا دون زوج و عندما تقدم في السن و استشعر بوادر وفاته أوصى بإرثه للعائلتين من حق استغلال أراضيه و حق استغلال نصيبه في المياه بطريقة العرف التقليدي المتداول في القبيلة

 ـ ترك لهما ما يملك ـ على أن تتناوبا العائلتين في إطعام أهل القرية جميعا مرة كل سنة في ليلة ذكرى المولد.

صبيحة يوم 11 من ربيع الأول تذهب النساء منهن المتطوعات ومنهن من تنتمين للعائلة التي حان دورها في إطعام أهل القرية ( يذهبن) لجلب نوع من الحطب يسمى “بامكوك” وبعد إحضاره تتكفل تلك العائلة بإطعامهن, ويوضع الحطب قرب بيتها

مباشرة بعد صلاة العصر تقسم  الأشغال بين  الرجال  و النساء؛ الرجال يكلفون بتحضير “تكلا”  ـ و هي “العصيدة”  في العامية المغربية ـ  و النساء بتحضير “أسكيف” ـ و هو “الحريرة ” في العامية المغربية ـ .

 يستهل الرجال أشغالهم بالصلاة و السلام على النبي “تزاليت فلاك انبي محامدي” يليها بناء “تفرانت” ـ في الهواء الطلق ـ التي توضع عليها “تفضنى” و التي بدورها تطهى فيها العصيدة ويتم بناءها بنوع من الحجر يسمى ب“افزى” نظرا لمرونته  في البناء و تحمله للحرارة.

بعد الانتهاء من بناء “تفرانت” يشرعون في طهي العصيدة ويستعمل لذلك الغرض الدقيق الرقيق المصنوع من الزرع،

موازة مع ذلك تجد النساء منهمكات في تحضير الحسوة المعروفة ب”أسكيف” الذي يحضرنه هو الآخر من أجود الحبوب، التحضير لا يقتصر فقط على نساء العائلة ، بل يشمل المتطوعات اللواتي لا يتوانين في تقديم المساعدة سواء في الطهي أو في جلب الدقيق أو الزيت و تسمى العملية ب“تويزي”.

قبيل غروب الشمس تستقبل الوفود  التي تأتي للتبرك و احتساء “أسكيف” نساء  كن أم رجالا و يمكن زيارة أكثر من أسرة لنفس الغرض.

  بعدها تنتقل الأنظار إلى المكان المخصص لطهي العصيدة حيث يتوافد الناس من جديد لجلبها في صحون والتي تكون مرفقة بالزيت في ما يسمى ب “تورضى”.

الهدف من هذا كله ليس الأكل بقدر ما هو التبرك و تسمى العملية ب “زيارت” ،

بعد العشاء تخلط النساء الحناء جزء منها يطلين بها الحيوانات الأليفة وجزء آخر يزيين

 بها أياديهن و شعرهن.

في اليوم الموالي أي يوم 12 ربيع الأول و قبل طلوع الشمس تحدث ظاهرة غريبة تسمى في المتداول الاجتماعي ب ” أر تسنفال تفوكت تملسى” أي تغير الشمس الملابس حيث تعكس أشعة لون معين كالأزرق مثلا لمدة “15 دقيقة ” ثم تغيره بلون آخر إلى أن تستوفي سبعة ألوان و يمكن ملاحظة الظاهرة بالعين المجردة  و يتم ترديد العبارة التالية أيخ انور ربي غمكلي انور لملايكا( اللهم نورنا كما نورت الملائكة. (تعذر علينا تصوير الظاهرة نظرا لعدم توافق أشعة الشمس و أشعة آلة التصوير )

بعدها، يستهل الناس فطورهم لهدا اليوم بالعسل الحر إن وجد وإن لم يتوافر يعوضونه بمشتقاته  و يرددون العبارة التالية تمنت تمنت أرسول ؤالله و تعني العسل العسل يا رسول الله.

  وبعدها يتوجه الرجال للمسجد  لقراءة ما تيسر من القرأن يليها قراءة البردة و كذا تقديم نبذة مختصرة عن ميلاد النبي و أهم الأشواط التي قطعها في دعوته لنشر الإسلام.

يتطوع أهل القرية لطهي الفطور و إحضاره إلى المسجد من تمر وعسل و شاي و غيرهم كل حسب طاقته.

في الآونة الأخيرة تعالت مجموعة من الأصوات التي تتحفظ على طريقة الاحتفال و تدعو إلى قطع الصلة مع هذا الموروث الإنساني حتى تخلو الذكرى من كل العادات و التقاليد الشيء الذي رفضه أهل القرية بشدة خاصة الحكماء المسنين منهم. و في هذا الصدد اتصلنا بالباحث في الأنثربولوجيا الدكتور “الحسين اليعقوبي” هذا الأخير يرى أنه تمت جهات معينة اليوم تسعى جاهدة إلى فصل الدين عن العادات. وعن مدى تأثير العادات و التقاليد عن الدين يردف ذات الباحث أن الناس عندما اعتنقوا الإسلام لم يرغبوا في ترك عاداتهم والاستغناء عن ثقافتهم. هناك إرادة قوية في المحافظة على كل ماهو قديم. وعن تصادف طقس معين و مناسبة دينية معينة يضيف اليعقوبي أنه وسيلة ومناسبة لضمان استمرار الاثنين معا، قبل أن ينهي كلامه  بأن السياق التاريخي فرض على الاثنين (الدين و العادات) فرض عليهما أن يتعايشا معا.

بعد يومين من الاحتفال يختم أهل القرية بالدعاء للرسول ولأهل القرية بدوام التلاحم و السلم و الأمان، و كذا بتبادل الناس للزيارات فيما بينهم خاصة زيارة المسنين و المرضى.

وهكذا يسدل الستار على ذكرى المولد النبوي الشريف على إيقاع  رقصات أحواش و أشعاره.

إن المناسبات الدينية  في المغرب لها طعمها الخاص مقارنة مع نظيراتها في المشرق رغم الانتماء لنفس الديانة، ويرجع ذلك بالأساس إلى تميز الثقافة الشعبية المغربية على الصعيد العالمي، الشيء الذي جعل المجتمع المغربي وإن كان متدينا تجده يعشق موروثه الثقافي،  ولا يتصور أبدا أن يفصل الدين عن العادات لأنهما وبكل بساطة  وجدا معا ليستمرا معا.

 

 

 

https://www.facebook.com/zaynambark.yassine

z.aityassin@gmail.com

زينة أيت يسين

التعاليق (0)
أضف تعليق