“الإعجازالعلمي”: دفاعا عن الإيمان،أم ثرثرة خارج النص والزمان ؟

إن الإيمان من الأمور المعقدة التي تدخل في خانة الذاتية ،لذلك يبقى مسألة شخصية ،فهو لا يخضع للمنطق والبرهنة والسببية .الإيمان هو ذلك الشيء الذي يأتينا من الداخل، هو تلك السيمفونية الخاصة التي يعزفها الشخص المؤمن خارج أي مراقبة أو تَنَصُّت أو إكراه ،لذلك إما أن يكون حبا وحرا أو لا يكون.

لم يتعرض أي نص من النصوص مهما بلغ من أهمية ومكانة لما تعرضت له النصوص “المقدسة”  أساسا : التوراة و الاناجيل و القرآن، من حيف وتعسف حد العنف ،جراء القراءات المتعددة و المتنوعة : من القراءة الماضوية الحرفية الوصفية حتى القراءة  المعاصرة الحداثية  التفكيكية والقراءة “العلموية “. و في جل هذه القراءات السائدة، هيمن ما يسمى بمنطق المصادرة على المطلوب. فهل النص الديني يمنحنا كل هذه المساحات الشاسعة الكافية لكي نؤول على هوانا دون أن نتعسف عليه ودون أن نجحف في حقه ؟.هل كون مواقع و زوايا النظر إلى النص متعددة و مختلفة تُشَرْعِنُ لكل هذا الركام من القراءات وإن استدعى ذلك تأويلات متنوعة و متناقضة للنص و تحايلات متعددة عليه ،على اللغة ،على الواقع وعلى القارئ أو المخاطب؟.

إن أي متتبع للشأن الفكري والثقافي – في السنين الاخيرة – سيلاحظ  كثافة وكثرة الحديث ، إلى درجة الإطناب، في القرآن وعنه و به.لقد تحول النص القرآني إلى موضوع لجميع أشكال المزايدات بين الجميع :من السلفي حتى الحداثي،نظرا لما له من مكانة و مركزية لدى الشعوب الإسلامية. لقد أصبح القرآن ساحة حرب وحلبة مبارزة من أجل اكتساب المواقع،والحرب أصبحت من أجل من يمتلك و يقدم التأويل والفهم “الصحيحين” للنص وبذلك يصبح هو المحتكر له وهو المالك الفعلي “للحقيقة” و للمقدس.

إن جر القرآن أو الدين عامة والدفع به لخوض معركة الحداثة ،أو مقارعة النظريات والإكتشافات العلمية ،أو الإدعاء أنه هو السبّاق إليها، أو شارح لها ،أو يحمل إشارات عنها ،هو الزج بالدين في معركة ليست معركته وهي بالضرورة وفي آخر المطاف ،معركة خاسرة دون أدنى تحفظ .لسبب بسيط وواضح هو أن العلم مجاله :المادة ،الملاحظة ،التجربة والمختبر،التراكم والنسبية وبالتالي هو معرض للخطأ،للنقد، للتعديل والإضافة ،ف”تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح الأخطاء” كما قال الفيلسوف غاستون باشلار.أما الدين مجاله الإيمان والقلب والغيب ” الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ” سورة البقرة الآية 3 .وكتاب القرآن هو كتاب دين وهداية وأخلاق وقيم وإرشاد وموعظة ،لا كتاب علوم أو نظريات في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والطب والرياضيات والفلك .كما يعمل البعض على توهيمنا بجميع الطرق وإن كان عبر التحايل ولي أعناق الآيات والنصوص أو تحريف الكلمات واللعب بالألفاظ .

إن مبحث “الإعجاز العلمي” في الكتب المقدسة تجارة غربية كسدت منذ الإكتشافات العلمية العظيمة والمبهرة التي شهدها الغرب، وهكذا استوردها بعض الدعاة والمتطفلين وأحيوها حتى أصبحت تجارة مربحة تذر عليهم دخلا كبيرا وشهرة واسعة أنظر على سبيل المثال إلى كل من:( الزنداني ،زغلول النجار ،علي منصور كيالي،عبد الدائم الكيحل وعمرو خالد الذي التحق مؤخرا بالكوكبة حتى ينال نصيبه من الكعكة).

فهذا يُشَرْعِنُ لأسلمة المعرفة ،و آخر يؤسس لمبحث “الإعجاز العلمي” في القرآن ،وفئة تعلن عن اكتشافاتها العظيمة التي ستدخلنا إلى نادي الأمم المصنعة، بل سنصبح من روادها الأساسيين ،إذ تستنبط من الكتاب ما يكفي من حلول لجميع  إشكالات النظريات العلمية في : الرياضيات ،الفيزياء ،الجيولوجيا، البيولوجيا، التكنولوجيا وعلم الفلك .بل هناك من ذهب أبعد من ذلك حيث استنتج أن تكنولوجيا صناعة السفن مستوحاة من النص القرآني،كما أن علم الذرة ونظرية “البيغ بنغ” “big-bang” ونظرية النسبية لإينشتين والثقب الأسود .و كل ما سيأتي من النظريات العلمية في المستقبل كلها تستوطن النص القرآني مسبقا .و ما علينا إلا التريث وانتظار ما سيكتشفه ويكشف عنه العقل الغربي الكافر من علوم و تكنولوجيا.وبعد ذلك نرفع أصوتنا عاليا جهرا وعلنا، دون عقدة نقص أو ذنب ،ودون استحضار لضمير قد طال انتظاره ولعقل قد طال غيابه ،ونعلن للعالم كله، و للتاريخ أن يسجل بحبر من دهب وبالعربي الفصيح أننا نحن الأوائل والسبّاقون إلى تلك العلوم منذ ما يزيد عن 1400 سنة هجرية. مادام أن كل هذه النظريات وكل هذه العلوم موجودة في كتاب القرآن وكذا السنة ،إذن الله كان يخاطب الناس في أمور عديدة لا يفهمونها ولا يعرفونها بل حتى رسوله عليه السلام لم يفسر لهم ذلك كما يفسره هؤلاء “الإعجازيين”اليوم ،وحتى الذين أتوا بعده كابن مسعود أو ابن عباس أو المفسرين المتمكنين والمختصين كالطبري والزمخشري وابن عطية وغيرهم لم يقوموا بنفس ما قام به هؤلاء الإعجازيين .من هنا نستنتج أن تفاسير وشروحات السلف كلها مغلوطة وبالتالي مصيرها الدفن.كما أن هذا الكم الضخم من الآيات والأحاديث التي استخرج منها “الإعجازيين” “النظريات والإكتشافات العلمية “هي موجهة في أصلها وبشكل خاص إلى العلماء والباحثين من أمثال : غاليلي وكوبرنيك ونيوتن ولافوازيي وداروين وإينشتاين وستيف هوكينغ  وغيرهم . وكان علينا أن ننتظر ما يفوق أربعة عشرة قرنا حتى نفهم ديننا على ضوء النظريات والإكتشافات العلمية التي توصل إليها العقل الغربي ،وما على المؤمنين الذين سيؤتون من بعدنا إلا أن ينتظروا المزيد والكثير.هل يمكننا أن نفهم النص القرآني أحسن مما فهمه نبي الإسلام ؟ هل يمكننا أن نقدم للعالم النص القرآني أفضل مما قدمه محمد عليه السلام ؟.

“الإعجاز العلمي”من المواضيع المغلوطة التي أقحمت في الدين إقحاما وتعسفا، إذ بعد البحث عن التوفيق بين العلم والدين إلتجئ أصحاب هذه الفبركة إلى أسلوب الإنتقائية وأشكال عديدة من التلفيق والتحايل بعد فصل ونزع النصوص من سياقاتها.فهل من الممكن استخراج نظريات علمية من كتاب ديني ؟.وما الحاجة إلى هذه “الأبحاث”المسماة ” بالإعجاز العلمي” ؟.

إن آفة “العقل الإيماني الإعجازي” هو ما يسميه أصحاب المنطق ب”المصادرة على المطلوب” ،أي أن النظريات والإختراعات العلمية الموجودة في الواقع وهي في معظمها من اختراع العقل الغربي ، لابد أن نجد لها أصلا في حضارتنا السابقة لحضارتهم ،ومادامت حضارتنا مبنية على النص القرآني فمن اللازم أن نبحث في كتابنا المجيد حتى نجد فيه مصادر لهذه النظريات والإختراعات العلمية ،وإن اقتضى الأمر تحريف اللغة وتحويرها وتلفيق المعاني والدلالات والكذب على المتلقي كما تشويه النظريات العلمية عبر تبسيطها. ولا يتسع المجال هنا لبسط وسرد العشرات من الترهات مما سمي ويسمى” بالإعجازالعلمي” التي بنيت على تحريف اللغة .

هذا “العقل الإيماني الإعجازي” يشتغل على واجهتين :الأولى هي استيراد النظريات العلمية المبتكرة في الغرب والبحث في كتاب القرآن و السنة عن أصول لهذه النظريات وذلك بجميع الوسائل وإن اقتضى الأمر التحريف،الكذب، التزوير واللعب بالألفاظ والكلمات.والواجهة الثانية أخذ شعيرة ما من شعائر الإسلام الواردة في القرآن أو السنة والعمل على إثبات مدى مواكبتها للعصر والعلم وأن هذا الأخير يبرهن و يثبت صحتها وصلاحها .كالقول مثلا أن العلم أثبت أن الصلوات الخمس تقي من مرض الروماتيزم والعظام.أو أن الصوم وظيفته الأساسية هي صحة الإنسان.أو أُثْبِتَ علميا أن الذهب يؤثر سلبا على القدرات الجنسية للرجال ويضعفها ولهذا منع رسول الله عليه السلام الرجال من التزين به .إن مثل هذا الكلام هو تشويه للدين وليس خدمة له ،هو إفراغ هذه الشعائر من مضامينها ومعانيها وأسرارها وليس إغناء لها .

لا أدري لماذا يتم اللجوء إلى هذا الخطاب المسمى “الإعجازالعلمي” في السنة والقرآن ؟ هل يجوز أن نتحدث عن سوء الفهم فقط ؟ أو سوء تأويل أو اللامعنى ؟ هل هو متنفس لإحباطات حضارية متراكمة وللترفيه عن النفس المُدَمَّرة ؟ هل من أجل تبيان وإثبات “عظمة ” القرآن العلمية ؟ هل لتبخيس عمل الغرب وعلمائه والقول لهم أن كل ما اكتشفتموه وما صنعتموه وما ستصنعونه موجود في كتابنا الحكيم وأنتم لا تعملون إلا على النقل والسرقة منا ؟هل عروض مغرية لجر علماء الغرب للبحث في القرآن والسنة وبالتالي الإيمان بالإسلام كدين الحق والعمل على نشره بالعلوم ؟ هل لتأكيد أن القرآن موحى من عند الله وليس من عند بشر ؟ هل للدفاع عن الإسلام ومكانته ؟ هل لتحصين إيمان المسلمين من أي خطر خارجي ؟ هل هو من أجل تأكيد قوة الذات المنخورة أمام أمواج الحداثة العاتية ؟ هل من أجل إرضاء فئة واسعة من المتلقين ،المستمعين (برنامج ما يطلبه المستمعون) ؟ هل للارتزاق والتجارة المربحة بالدين ؟ هل لنقول للغرب انتبهوا لنا فنحن أيضا هنا ؟.هل هو من أجل إيجاد دين قابل للإستهلاك الحداثي والإستعمال العلمي ؟ أو من أجل إرضاء العقل الغربي ؟،هل فرضته الرؤية الحديثة للعالم ؟ .هل نوع من التماهي مع العقل الغربي ؟.هل اجتهاد أم قراءة عصرية ؟ هل تأويل من أجل البحث عن جوهر المعنى ؟.

“الإعجاز العلمي”،هل يمكن أن نتحدث عن صناعة فكرية نظرية أم مجرد خدمة مدفوعة الأجر لإرضاء الذات المنكسرة وكذا بعض الزبناء ؟ ( فإذا كنا نعيش انهزامات وانكسارات على المسوى الحضاري، في الواقع والمعاش اليومي، فلا بأس من أن نعلن ونسجل انتصارات على مستوى الكتابة والخطابة ،وإن كان ذلك مجرد أوهام جميلة فلا ضرر في ذلك).هل يمكننا أن نتحدث عن العقل في هذا الخطاب ؟ هل “الإعجازيين” تحركهم رغبة في فهم أفضل للنص ؟ هل هذا الخطاب يجيب على أسئلة من واقعنا الراهن ؟ لا أظن ذلك بقدر ما هو إلا هروب من هذا الواقع وأسئلته المقلقة والمزعجة ،هو نوع من الخطاب الذي يبيع الأوهام والمغالطات للناس ، هو شكل من الهراء واستحداث إشكالات وهمية وزائفة وتقديم العزاء للذات والمن عن النفس عبر الترفيه الوهمي.هو نتاج أزمة ويكرسها وهو جزء منها وليس جزء من الحل.

إن الكلام عن “الإعجاز العلمي” في القرآن والسنة،هو استخفاف بعقول الناس، هو تبسيط وتسطيح للنظريات العلمية مما يؤدي إلى تحريف معانيها والتشويش على القارئ المبتدأ ،كما هو تشويه لفهم النصوص الدينية، والتحايل على القارئ أو المتلقي عبر التلاعب بالألفاظ وتحويرها بل تحريف معانيها اللغوية مستغلين في ذلك ،الجهل والفراغ ،كذا المسافة الزمنية الطويلة التي تفصلنا على هذه المصطلحات والمفاهيم والأفعال ،وأيضا العاطفة الدينية ،في تخطي مكشوف لأحد أسس المنهج الموضوعي في البحث ألا وهو علاقة النص بالواقع وبمتلقيه. إن “الإعجازيين” يبدون في أول وهلة كما لو أنهم دعاة للعقل في الدين ،لكنهم في العمق ليسوا إلا متطفلين ومحرفين للدين وللعلم معا.على القارئ أن يعود إلى معاجم اللغة العربية والتفاسير غير”المعلمنة” كالطبري وابن كثير وغيرهم وليقارن مع هؤلاء “الإعجازيين” .

هناك أسئلة محرجة منتصبة أمامنا تنتظر إجابات ، قبل الحديث عن “الإعجاز العلمي”، أليس الأجدى والأجدر بهؤلاء إن كانت لهم من جرأة وغيرة فعلية وصادقة على هذا الدين وعلى هذه الأمة أن يتحدثوا عن مشاكل وهموم الناس:(السكن،التعليم،العمل، الصحة) أن يركزوا على الأخلاق والقيم والسلوكيات ،عن المسؤولية والمحاسبة ،عن الفساد والغش والرشوة ،عن الإحتكار،عن الإستبداد الذي ينخر المجتمعات الإسلامية ،أن يوجهوا ويرشدوا “الناس إلى إحترام بعضهم للبعض وعلى احترام الجار وعلى الصدق والأمانة والإتقان في العمل وعلى أدب الطريق (تعبنا من التدخين و التنخيم في كل مكان)،على نظافة أحيائهم ومدنهم (فأينما وليت وجهك تجد أزبالا متراكمة)،على احترام الفضاء العمومي وكل ما هو مشترك (لقد أعيتنا الفوضى في كل مكان) .وأن يتركوا الإختراعات والنظريات العلمية للعلماء المجتهدين الذين ينفقون وقتهم والذين أفنوا أعمارهم في البحث العلمي والعمل المختبري ،فلكل ميدان فرسانه .

إن “العقل الإيماني الإعجازي ” يعمل على نسج وفبركة تخريجات وصياغات بها يثبت ويبين مدى “التطابق” الموجود بين “الحقائق العلمية” والدلالات النصية،دون مراعاة تطور اللغة ،التطور الدلالي للألفاظ ،عدم ضبط اللغة في السياق التاريخي التي كانت تتداول فيه ،أي مرحلة النبوة ،فالقرآن خاطب الناس بلغتهم وعلى قدر عقولهم ومشاكلهم المعايشة.إن أي إسقاط دلالي يعرض البناء اللغوي الدال للنص إلى انحرافات وتشوهات ،إذن لابد من فهم دلالة الألفاظ في سياق تداولها،ففي هذا المجال اللغة هي التي تؤدي الدور الحاسم ،لذلك يلتجئ هؤلاء لتمطيطها وتطويعها وتحويرها وفصلها من مجالها الطبيعي حتى يتمكنوا من تحريف معانيها ويجعلوها دون معناها الأصلي. لا حظوا مثلا في سورة القيامة الآية 4 حيث يقول تعالى: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ“.لا حظوا بقدرة قادر كيف أصبحت البنان (أطراف الأصابع) في اللغة العربية هي البصمات ليقول “العقل الإعجازي” للعالم كله أن عدم تطابق البصمات عند الإنسان تكلم عنها النص القرآني منذ ما يفوق 1400 وأنتم يا متأخرين بالكاد وصلتم إليها.

إن من بين الشروط اللازمة في المفسر، الشارح للنص القرآني:معرفة التاريخ وأحوال الناس آنذاك ،أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ،المكي والمدني،التمكن من اللغة العربية والفقه وعلوم القرآن .

لكن الغريب والعجيب إن الذين يرفعون في وجه كل من اقترب من القرآن أو الحديث ،ضرورة معرفة كل المعارف التي يجب على المفسر التمكن منها- الشروط التي سردناها فوق- لا يفعلون نفس الشيء ولا يطالبون بنفس الشروط والمعارف حينما يتعلق الأمر بأصحاب “الإعجاز العلمي” في القرآن والسنة ،بل هم في أغلب الأحيان يؤيدون هذه التأويلات والتفاسير “العلموية”، لما تقدم لهم من خدمات جليلة آخرها  الإنتشاء بالإنتصارات الوهمية وما يليها من الراحة النفسية.لماذا لا يقال عن أصحاب “الإعجاز العلمي” مثلا ،أنهم محرفون لكلام الله واللغة العربية ويُقَوِّضون كل ما أتى به السلف الصالح من إجتهادات وتفاسير من أمثال :الطبري والزمخشري وابن عطية و القرطبي و ابن كثير وغيرهم ؟ هل نحن بالفعل في حاجة ماسة إلى تفاسير حديثة لكتاب القرآن بعد هذا الكم الهائل الذي تركوه الأسلاف ؟ هل هذه التأويلات “العلموية ” تعتبر وتدخل ضمن خانة الإجتهاد وبالتالي التجديد ؟ هل لأنهم يوافقونهم الرأي ؟ هل لأنهم يجدون فيه نوع من العزاء للذات المنكسرة ؟ أو شكل من رد الإعتبار للذات المهزوزة ؟ أو نوع من الدفاع على الذات المهزومة ؟ أو طريقة سهلة للتعويض عن الفشل المتراكم و المستمر فينا ؟.

هل بإمكان “العقل الإيماني الإعجازي” أن يجيبنا على مصير الجنس البشري ،وعن تدبير وجودنا في الكون ؟ .عن الوضع الحديث غير المسبوق الذي أصبح فيه الإنسان ووجد نفسه فيه ،والإشكالات المتناسلة عنه ؟ هل يملك”العقل الإيماني الإعجازي”من الجرأة والإمكانية ما يجعله ينتقل من دور المنتظر والملتقط للنظريات العلمية التي أنتجها وينتجها العقل الغربي ،إلى دور المنتج الفعلي والعملي لهذه النظريات ؟ قطعا وأبدا لا.لأن رأسماله العلمي صفر ولا يملك إلا الكلام الفارغ المعمم والمعوم غير المنتج لأية معرفة علمية أو حتى لأية قيمة مضافة .الإعجاز العلمي مع صفر اختراع علمي.

ما معنى أن يكون النص القرآني شاملا كاملا ومطلقا ؟ وهل كونه غير ذلك ينقص من مكانته و قيمته وبالتالي من قدسيته ؟. وحين يقول الله في كتابه سورة الأنعام الآية 38 ” مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ “ ماذا يقصد في الآية ب” شيء”؟ ألا يقصد أمور الدين فقط حتى لا يدخلون عليه من بعد بدع ؟ إذ قال في سورة المائدة الآية 3 : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ). أظن أن قوله تعالى :”مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ”. يجب أن تفهم في حدودها أي في نسبيتها لا في إطلاقيتها .إن أي فهم لكلمة الشيء الواردة في الآية في إطار المطلق ،مطالب صاحبه أن يثبت ذلك إذ كما يقال “الحجة على من ادعى “وبهذا سيكون مطالب أن يجيب على أي حركة أو سكون يقع في هذا الكون، من هذا الكتاب الذي هو كتاب دين وهداية لا غير( النصوص محدودة والوقائع غير متناهية).وهذا الفهم الذي يزج بكل شيء  في النص القرآني هو من بين الأسباب التي جعلت بعض أصحاب”الإعجاز العلمي” يسقطون في متاهات التنقيب عن النظريات العلمية في النص الديني.يجب على “العقل الإيماني الإعجازي” أن يكف عن الإعتقاد بفكرة مغلوطة ألا وهي :أن في كتاب القرآن الكريم كل شيء وأنه تحدث عن كل شيء ،أو الإسلام هو الحل لكل شيء ،إذ أن عدم احتواء هذا الكتاب الكريم على كل شيء وكونه لا يقدم إجابات لكل شيء ولم يخبرنا عن كل شيء :”وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَسورة غافر – الآية 78.لا ينقص من قيمته وقدسيته في شيء، لسبب بسيط هو أنه لم يكن من أهدافه أن يخبرنا عن كل شيء ويعلمنا كل شيء ويجيب على كل شيء ،بل كما أسلفنا هو للدين، للهداية والتوجيه والأخلاق والقيم .

أن يحظر الدين في الموت والألم ذلك مجاله بدون منازع ،أن نستدعيه لحظة الفرح أو ساعة الزواج والولادة نعم،أن يكون سيد الموقف في الدعاء والرجاء لا اختلاف،أن يسكن الأخلاق والقيم فتلك تربته،أن يحظر في معاملاتنا وفي سلوكياتنا اليومية فذلك ما نرجوه ونتمناه.لكن ما من عالم في الفيزياء أو الطب أو  البيولوجيا أو الفلك يفتح كتاب :التوراة أو الإنجيل أو القرآن لحظة اشتغاله على النظريات العلمية ،أو في المختبر عندما يعترضه إشكال علمي ما ،كي يجد له إجابات علمية في هذه الكتب المقدسة.

إن منطق إسقاط الماضي على الحاضر، والبحث عن سند في القرآن الكريم من أجل  إثبات مدى شمولية هذا  الكتاب وانسجامه مع العقل والعلم والديمقراطية والحداثة، و كذا واقعنا المعاصر وإشكالاته المتعددة ،واعتباره يتضمن الحلول الشاملة والكاملة والنهائية لجميع مشاكل البشرية – من التخلف إلى التلوث –.أو جعل  الحاضر يحاكم الماضي، والعمل على إظهار مدى لا إنسانية هذا الكتاب، وعدم قدرته على مجارات التحولات التاريخية والإنسانية الكبرى،و تعارضه مع العقل والعلم و الديمقراطية. سيؤدي حتما إلى القراءات الاختزالية والتلفيقية و الانتقائية المفرطة و إلى ما يسمى بالقراءات الايديولوجية و بالمغالطات التاريخية و كذا إسقاط الذات و نوازعها على فهم و تفسير هذا الكتاب. مهما ادعى هذا المنطق أو ذلك من الدقة و النزاهة و الموضوعية و الحيادية و الاشتغال بالمنهجية العلمية و الأدوات المعرفية الحديثة. و بالتالي سيقع الكل: إما أسيرا للنص و مكبلا به ، أو منتهكا لحرمته و مشوها له.وبذلك سيغطس الكل في وحل حرب التأويلات والتأويلات المضادة والمواقع والنصوص اللامتناهية.

التعاليق (0)
أضف تعليق