اسم في ذاكرة الريف الثقافية.. الأستاذ محمادي لمعكشاوي

بإحساس خاص تروني أقترب من الحديث  عن  إسم من  الأسماء اللامعة ممن بصم بمداد الفخر تاريخ العمل الثقافي و الإبداع المسرحي بحسيمتنا الحبيبة  ، بنفس الصدق والوفاء اللذان ساهم بهما في إغناء رصيد العمل الأمازيغي بمغربنا الحديث ،  والذي فرضت عليه ظروفه الصحية اليوم  أن يركن للصمت وينزوي هناك في أحشاء العاصمة / الرباط مسكونا كما هو دائما بانين وجراحات ريفه الأصيل  وأهله   .                                            

                                                     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذ لمعكشاوي رفقة محمد الزياني والبوجدايني

1.       إنه الأستاذ : محمادي نسي عمارلمعكشاوي  الذي لمع نجمه ضمن طلبة المعهد الديني بالحسيمة أواخر خمسينيات القرن الماضي قبل أن يجتاز إحدى االمباريات بنجاح ويلتحق على إثرها بإدارة الشبيبة والرياضة بالحسيمة مديرا لمركز النشاط التربوي مباشرة بعد انتفاضة 1959  .

ومن موقعه الجديد هذا شرع في صقل مواهبه الفنية منشطا للمواهب الشابة التي كانت تنضح عنفوانا وحماسا مشرئبة نحو تشييد معالم وطن حر ينعم فيه أهله بما حرموا منه زمن االحجر والوصاية …ولم تكد تنصرم هذه الفترة ، حتى كان محمادي لمعكشاوي ورفاقه ـ موظفين وطلبة من  المعهد الديني وثانوية البادسي ـ قد استلهموا أصناف الفكر والأدب ، مسكونين  بهاجس الإبداع الفني بكل تجلياته …قبل أن تصيبهم  لسعة أبي الفنون/ المسرح الذي استهواهم  أكثر فأكثر منذ احتكاكهم القبلي بمبادرات فردية لفعاليات محلية ، منها التي تُنسب للمرحوم ميمون العرصي (CHIPOLA ) المتأثر بفرق مسرحية  إسبانية كانت  تقيم عروضها برحاب الثكنات العسكرية كما بقاعة المسرح  الإسباني  ثم بقاعة سينما الكبير الذي افتتحت أبوابه سنة 1947 بشارع الحسيمة  Calle Al-hoceimaبقلب المدينة.

وسيرا على منوال ميمون العرصي  (الذي كان بارعا في تصميم الديكور بفعل تقنياته التي اكتسبها من عمله كعارض  للأفلام السينمائية) برزت  في هذه الفترة ، موهبة مسرحية متميزة في شخص : محمد أزناكي ، المعروف ب”طارزان نرحاج الودراسي” (الذي لايزال حيا يرزق في عقده الثامن ، بعد تقاعده من إدارة الوقاية المدنية بالحسيمة  ) . ويشهد لمحمد ازناكي هذا ، انه أول من دخل غمار المسرح الفردي عندنا ، مستلهما نصوصه من أشهر الروايات التاريخية ك (صقر قريش)  و(الزهرة اليتيمة) وغيرها من النصوص التي ألف بعضها : القاضي أحمد عبد السلام البوعياشي  كمسرحية ” عبد الله بن الزبير”…

ـ مع بداية سنوات الستين ، توالت المحاولات  الجماعية والفردية  التي كان وراءها شباب متعلم من كلا الجنسين ، منهم الأستاذ محمادي لمعكشاوي … محاولات سرعان ما توجت بتاسيس جمعية/ فرقة مسرحية تحت إسم ” الانبعاث المسرحي” مكونة من : الرئيس : عبد الرحيم المريني (الذي درس الفن والإخراج المسرحيين بمصر1959) والأستاذ المؤطر : زكي العلوي ـ محمادي لمعكشاوي ـ محمد المرابط ـ إسماعيل بوغابة ـ البنوضي محمد ـ القاضي أحمد ع السلام البوعياشي ـ البنوضي عبد الرزاق ـ محمد أزناكي (طارزان) – ميمون العرصي ـ الطاهري احمد ـ أحمد القادري ـ عمر الصابري –أحمد أمغارـ مصطفى الإدريسي – حميد الرفاعي ـ عمر أبركان ـ مصطفى بن الشيخ والمصري محمد إبراهيم واللوازن أبو الشتاء وآخرون…. (1)   ، وهي التجربة التي ستتمخض عنها  ، مع توالي السنين ،  كوكبة جديدة من الطاقات الشابة ضمن (جمعية شكسبير للفن المسرحي) التي تأسست سنة 1968 على يد :  أحمد لهيت واخوه عمر ومحمد الإدريسي واللوازن أبو الشتاء وبوشتى وعبد السلام الوزاني وأحمد بجبج  … .

أهم العروض المسرحية  التي شارك فيها ذ. لمعكشاوي ضمن فرقة (  الانبعاث المسرحي ) كانت  مسرحيتا  (أهل الكهف) سنة 1961 التي خصصت مداخيل عروضها لفائدة ضحايا زلزال أكادير 1960 ومسرحية  (شعلة من الصحراء) .. هذه الأخيرة التي حازت الجائزة الأولى ضمن المسابقة الوطنية لمسرح الهواة بفاس ،  والجائزة الثالثة بمسرح محمد الخامس بعد الاحتفاظ بالجائزة الثانية ، ضمن مسابقة قيل عنها الكثير لما شابها من انحياز مكشوف استهدف حرمان ” الانبعاث المسرحي” من نيل رتبتها المستحقة !!

وعلاقة بهذا الإنجاز التاريخي (المسابقة الوطنية) ، حكى لي ذ. لمعكشاوي يوما عن مدى غبطته وسعادته حينما علم بمشاركة فرقة حسيمية : “جمعية الريف للمسرح الأمازيغي ”  في الإقصائيات النهائية للمهرجان الوطني الثالث لمسرح الشباب بالرباط فيما بين7 و 15 أبريل 2006 ، حيث حصدت هذه الأخيرة :  جائزة أحسن إخراج وجائزة لجنة التحكيم وجائزة الرتبة الثالثة عن مسرحيتها  (أربع أجنا يوضاد ـ هوى من السماء ربعها ) من إخراج الصديق شعيب المسعودي ..وقد اجتاحه ـ يضيف ـ حنين خاص إلى الماضي ولد لديه رغبة جامحة لحضور هذا العرض دعما ومؤازرة لهؤلاء الشباب .. بعد استحضاره لذاك المجهود والعناد وطول النفس الذي أوصل ، ستينيات القرن الماضي ، فرقة” الانبعاث المسرحي”  من الريف المقصي والريف المهمش  ، للإقصائيات النهائية بقلب مسرح محمد الخامس بالعاصمة / الرباط  لتتبوأ مقدمة النتائج بمسرحيتها ” شعلة من الصحراء”! رغم كل ما حيك حولها من مناورات ودسائس التي سرعان ما باءت بالفشل و تحطمت على صخرة الحماس والعزيمة الفولاذية لتلك النخبة الشبابية الرائعة وقتذاك !!… وكان الأستاذ يتحدث ، وهو على يقين تام بان ذات الأساليب الدنيئة حافظت على اشتغالها وديمومتها إلى غاية  الألفية الثالثة هذه !!  مستهدفة كل التجارب الجادة المنطلقة من هوامش الهامش  كالريف.. 

 إن عزة النفس والجرأة  والغيرة الوطنية للأستاذ المشهود له بها  ،  لم تكن وليدة لحظة عابرة ، بقدر ما هي خصال انغرست في عمقه الإنساني وطبعت شخصيته على الدوام قبل أن تنمو وتتطور مع ما تقمصه من أدوار بطولية في جل أعماله المسرحية …ونحيل هنا على بعض الوقائع التي تعزز حكمنا هذا ،  أولاها شهادة الأستاذ احمد المفتوحي بوقراب التالية :  ” كنت أتساءل وهو يمر أمامي ـ يقصد ذ . لمعكشاوي  : ”  أيكون هذا الشخص المتكلم الأول دائما ، الواقف في الصفوف الأولى دائما ،أيكون أحسن منا وفي أي ميدان؟ ” (2) بعد أن أورد نفس الشاهد في موضع آخر اعترافا شخصيا للمعكشاوي يقول فيه   ”   (…) قمت برسم “ساطور” كبير فوق باب المعهد وكتبت عليه علامة الخطر و ” ممنوع المرور” وفتح الباب للطلبة والأساتذة ، فجاء البعض يريد الدخول بقوة لكن الأستاذ احمد الطاعي هدده بالتصفية إن لم يترك الباب”  (3) وفي سياق وزمن مختلف نسجل مبادرته الحميدة  ( يوم نازل فيه فريق شباب الريف الحسيمي نظيره  بسوق أربعاء الغرب  ) أقام الأستاذ حفلا كبيرا على شرف الفريق الحسيمي وخص لاعبيه وطاقمه ومرافقيه باستقبال لا يليق سوى بالفرسان والأبطال. … إلا انه  بالمقابل ، فهو يمقت كل مظاهر الخنوع والاتكال والاستسلام.. ناعتا كل من يسعى إلى تدنيس عزة الريف وشهامة أهله في وحل  الذل والعار بعبارته المعروفة ” إمَنْذجَّا ” .

ـ بعد اختفاء فرقة ” الانبعاث المسرحي ” ،  أسس الأستاذ محمادي لمعكشاوي فرقة مسرحية جديدة تحمل إسم ” الجيل الصاعد ” والتي سرعان ما توقفت أنشطتها  هي الأخرى لأسباب موضوعية  ..  ( * )

2.     بعد مغادرته لوظيفته بمندوبية الشبيبة والرياضة ، التحق ذ. لمعكشاوي ببلدية الحسيمة صحبة رفيقه الدائم احمد الطاهري (نقيب هيئة المحامين بطنجة في التجربة الما قبل الأخيرة) كما عمل أيضا (إن لم تخني الذاكرة) بباشوية المدينة (قسم الجوازات) دون أن يتنازل ، قيد أنملة ، عن اانشغالاته الفنية المتعددة المشارب : المسرح والإعلام وهوس القراء ة  والإحاطة بالمنظومة القانونية الشيء الذي أهله لولوج مهنة المحاماة التي اندمج وإياها حد الحلول الصوفي ، ، مخلصا ، أمينا ووفيا لرسالتها النبيلة … إلى أن أقعده المرض ـ شافاه الله ـ ليخلفه في ذلك نجله طارق لمعكشاوي ضمن هيئة  محاميي الرباط .

فبمجرد أن حل الأستاذ محمادي لمعكشاوي ببلدة سوق أربعاء الغرب بداية سنوات السبعين ، انكب بحماس على معالجة قضايا الناس ومشاكلهم ، وبفضل عمق تكوينه  و حنكته وجرآته .. تمكن صاحبنا من فك ألغاز قضايا بلغت وقتها أوج الخطورة والحساسية ، منها ما نال   نصيبه من الاهتمام الواسع في مختلف وسائل الإعلام الوطنية  .

إلى جانب كل ما سلف ذكره ، كانت مساهمة الأستاذ لمعكشاوي غنية ومتنوعة في الميدان الحقوقي والقانوني ، بحيث وازى مهنة المحاماة بانكبابه على دراسة وتدقيق القوانين المسطرية  في مجال التشريع والمعاملات والترافع القضائي وقانون الصحافة ، والتي كانت له فيها جميعها كتابات قيمة : دراسة وتحقيقا وتأليفا بوأته مكانة مرموقة وسط زملائه الذين احاطوه  بهالة من الاحترام والتقدير المشهودين  .   

 ومن هذه الكتابات نذكر:

ـ الغرامة التهديدية في التشريع المغربي بين النظري و العملي                

ـ المرافعات في القضايا الجنائية                                                 

ـ المفيد في شرح قانون الصحافة و لنشر بالمغرب …(الذي أحتفظ بنسخة منه من إهداء الأستاذلمعكشاوي)  

ـ الوجيز في الأحكام القضائية وطرق الطعن فيها في ضوء قانون المسطرة المدنية     

ـ الوجيز في الدعوى و إجراءاتها القضائية في ضوء قانون المسطرة المدنية   

ـ الوجيز في المساطر الخاصة بالإستعجال في ضوء قانون المسطرة المدنية 

ـ الدليل العملي في التحفيظ العقاري …

3.     وقد سبق  للأستاذ لمعكشاوي أن خاض غمار الصحافة المكتوبة ، فأصدر جريدة “الراي الصريح” التي انشغلت بقضايا البسطاء وتتبع دقائق حياتهم اليومية  وانفتاح مبكر لصفحاتها على الشأن الأمازيغي بمختلف مستوياته  الإبداعية  والنقدية  والهوياتية .. وفي ذات السياق لا يفوتنا التذكير بالموقف الشجاع الذي صاغه صاحبنا معية زملائه المحامين تضمنه البيان المشهور بصدد اللغة والثقافة الأمازيغية بداية تسعينيات القرن الماضي مطالبين من خلاله  بضرورة الإقرار والاعتراف الرسمي باللغة الأمازيغية لغة للترافع والتقاضي أمام المحاكم  ،  وقد تبوأت لديه هذه القضية  ، مع مرور الوقت ، أولوية اهتماماته وانشغالاته التي جعلته ينخرط  بكل ثقله  ضمن الحركة الأمازيغية ومتابعة تطوراتها في أبعادها المتعددة ..

وفي بلدة سوق أربعاء الغرب دائما ـ التي تعتبر من المناطق التي عٌرب أهلها بشكل شبه كامل  ـ اسس الأستاذ لمعكشاوي جمعية أمازيغية سنة 1995 تحت إسم ” ئيزوران نتمونت” و كانت بحق منارة الحركة الأمازيغية بتلك المنطقة ، حيث ساهمت في التعريف بالقضية الأمازيغية لغة ، ثقافة،  هوية وحضارة من خلال احتضانها لأنشطة نوعية أطرتها أسماء وازنة  لمناضلين أكفاء واكاديميين مختصين وفي مقدمتهم الأستاذ محمد شفيق وآخرون …كما شكلت إحدى الدعائم الأساسية للمجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية بالمغرب CNC بما  أضطلع بها رئيسها الأستاذ لمعكشاوي من مهام  ومسؤوليات  تصب كلها في  الحماية والنهوض بحقوق إمازيغن عبر بلاد ثمازغا كما في الشتات .. بعد أن أبان عن تفانيه  من أجل تصليب العود التنظيمي والهيكلي لهذا  المجلس الذي احتضنت جمعيته (ئيزوران نتمونت ) دورته 14 بتاريخ 26/27 أبريل 1997 تلك الدورة التي شكلت لحظة مفصلية  في تاريخ التنسيق الوطني عموما ..

كما لعب الأستاذ لمعكشاوي رفقة أعضاء جمعيته دورا مهما في الإعداد والمشاركة في الكونغريس العالمي الأمازيغي CMA  الذي عقد مؤتمره التمهيدي/ التأسيسي  بسان روم دودولان  جنوب فرنسا 1995 ; وبعده في مدينة ليون ثم جزر الكناري والناظور وباقي المواقع .. قبل أن ينشطر هذا التنظيم انشطاره المعروف…ليظل ، مع الأسف ،  لعبة في أيادي لم تقدر حجم المسؤولية التي أنيطت بهذا المشروع / التنظيم  الأمازيغي الضخم في بعده الدولي …

ـ بعد المآل الذي انتهى إليه التنسيق الوطني بين الجمعيات الأمازيغية بالمغرب ، انطرحت اكثر من استراتيجية تنسيق بغية إعادة الحركة الأمازيغية المغربية إلى سابق عهدها اكثر قوة ونضجا واستعدادا لمواجهة تحديات المستقبل ، من هذه الاستراتيجيات : التنسيق الجهوي ، الذي كان الأستاذ لمعكشاوي ضمن المؤسسين له بالشمال في شخص كنفدرالية الجمعيات الثقافية الأمازيغية بشمال المغرب CACANM بتاريخ 29/08/1998 كتتويج لسلسلة من المحطات التنظيمية والتحضير المكثف فيما بين أغلب جمعيات الشمال من طنجة إلى وجدة مرورا بسوق أربعاء الغرب  والحسيمة والناظوروتازة …وقد انتخب صاحبنا بمكتبها التنفيذي نائبا ثانيا للرئيس…وهو من ترأس  الندوة  الوطنية الأولى التي نظمتها هذه الكنفدرالية مباشرة بعد التأسيس حول ” تدريس الامازيغية ” على مدار 3 أيام 16/17/18 يوليوز 1999 .

4.     ظل الأستاذ لمعكشاوي في مقدمة الداعمين لتجربة جمعية انكور للثقافة والفنون بإمزورن/ الحسيمة  التي تأسست 03/09/1993 وساهم بشكل كبير في إنجاح لقاء  06/06/1998 الذي نظمته الجمعية بحضور الأستاذ محمد شفيق برحاب قاعة 09 يوليوز التي حج إليها جمهور غفير من عموم الإقليم كما من بعض المدن المجاورة كالناظور وتازة …وطنجة ، نفس المساهمة ابداها الأستاذ مع الجمعية في إخراج العدد الثالث  3 من دوريتها ” رمزمث ” بنفس السنة 1996  المتضمنة لملف خاص حول فقيد الحركة الأمازيغية : الدكتور قاضي قدور الذي قال في حقه الأستاذ لمعكشاوي قصيدة شعرية مؤثرة  بعنوان ” إيثري وايغجين ” (النجم المستعصي عن الغياب) بمناسبة تخليد الذكرى الأولى لرحيله  بتاريخ 21/09/1996بالناظور(نشرت بالعدد 4 / 97 من دورية رمزمث) .

5.       في سنة 2009 ، وخلال زيارته الصيفية المعتادة لأهله بالريف والحسيمة تحديدا ، اقترح علي مرافقته في زيارة خاصة لشخص لطالما حلم برؤيته وهو على قيد الحياة …شخص ظلت صورته موشومة في ذاكرة صاحبنا منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي . ولم يكن هذا الشخص سوى السي محمد  المعروف ب”الإنسان” الذي يذكر الأستاذ أنه كان شابا وسيما خفيف الظل يعتلي منصة الخطابة متناولا الميكروفون برزانة وثقة في النفس وسط الجموع  كما في نادي (التمساح Cocodrillo) مخاطبا وملقنا شبيبة حزبه ـ الشورى والاستقلال ـ دروسا في النضال والكفاح ، في وقت كان فيه الريف يعيش على صفيح ساخن وتعتمل في أحشائه آلام مخاضه العسير لما بعد 1956 بأحداثها المتسارعة التي سرعان ما توجت بانتفاضة 1958/59 وما تداعى عنها من اجتياح عسكري شامل للمنطقة تخلله القتل والاختطاف وتخريب وإحراق الزرع والذرع ، وقتها،  يحكي الأستاذ لمعكشاوي عن حماسة استثنائية  للسي محمد الإنسان وهو يقدم شروحات لقضايا سياسية يفضح من خلالها بشاعة الجرائم التي اقترفها ” سارقو الاستقلال …وسفاكو دماء من خالفهم الرأي” انطلاقا من وعي ” الإنسان” المتشبع بتعاليم حزبه الذي اعتبر هو أحد أقلامه الصحفية التي أغنت افتتاحيات منابره الإعلاميه:  ” الرأي العام ” و” المغرب الحر” بمستجدات الأحداث وتفاعلاتها بالإقليم عبر لغة عربية متينة وبليغة نطقا وتدوينا ، وكيف لا وهو خريج المعهد الديني بالحسيمة بداية سنوات الستين ، كما هو حال صاحبنا لمعكشاوي بعد ذلك بسنوات .

استقبلنا السي الإنسان ببيته المتواضع بكل حفاوة  ، وتعرف عن ضيفه الاستثنائي  هذا الذي سرعان ما فاتحه بالحديث عن الحقبة الماضية بذكرياتها / مآسيها التي ظلت راسخة في ذاكرتنا الجماعية ، حيث  سرعان ما تفاعل معه السي محمد الإنسان بسرده لجملة من تلك الوقائع والأحداث والتعليق عليها بصيغته المشوبة بالحيطة المبالغ فيها ، والتي لا يدرك مغزاها سوى القلة القليلة من مقربيه ،  وهو ما لاحظة صاحبنا حينما أسر إليّ ب”ان هذا الشخص المتحدث الينا الآن ، لا يعكس بالمرة ، تلك الصورة التي لطالما احتفظت بها ذاكرتي طوال هذه الحقبة الزمنية ! عن شخصية ” الإنسان ” رغم  طراوة وخصوبة ذاكرته الحادة التي ظلت تحتفظ بأدق  وتفاصيل تلك الأحداث”                                               

ذ. لمعكشاوي رفقة “الانسان” سنة 2009

وهو ما خيب آمال الأستاذ لمعكشاوي الذي لم يخف أسفه على مصير أمثال السي محمد الإنسان الذين قدموا الغالي والنفيس : شبابهم وعمرهم  من أجل حرية ومستقبل هذا الوطن الذي سرعان ما تنكر لهم بعد ان زج بهم في غياهب الهامش كما حال السي الإنسان محمد …

هكذا عرفنا الأستاذ لمعكشاوي قدوة  ورمزا للمروءة والوفاء والاعتراف بالجميل والذود عن القيم المثلى كأحد أبناء هذا الريف المعتز باهله …

واليوم وهو يئن تحت رحمة وضعه الصحي  بعيدا عن تربته الأصيلة التي ظل يحمل صليبها أينما حل وارتحل كما حمل ذات يوم مشعل انبعاثها الثقافي الذي استمر جمرة وقادة في قبضة أجيال الحاضر ، للدفع بالحسيمة للالتحاق  بالركب ، ولينعم أبناءها بطعم الحياة التي لن تقتصر ابدا على الخبز وحده ، بقدر ما تمتد إلى حقهم في استنشاق نسيم الحرية الفكرية والإبداعية ضمن وسط مسيج بقيم الكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان للجميع .

فهل منا  ، فرادى ، جميعات ثقافية وهيآت حقوقية   …من التفت التفاتته الرمزية إزاء هذه الشخصية  الفذة ، فقط للتعريف والاعتراف بجميله الذي  أسداه بسخاء على مر عقود من الزمن  دفاعا عن أمهات القضايا : الأمازيغية ، العدالة  و الصحافة…ناهيك عن معاركه الفكرية والفنية  ؟

سؤال مؤرق يضعنا ، عراة حفاة ، أمام جسامة المسؤولية التي تقتضي منا ، على الأقل ، مد جسور التواصل بين شباب اليوم  وماضيهم التليد برجالاته ونسائه الذين شيدوا بعزم ونكران الذات صرح  هذا المجد الثقافي في أبهى حلله .

وبجانب استاذنا محمادي لمعكشاوي ، هناك حالات مماثلة لأبرزهذه الأطروالفعاليات الحقوقية والثقافية والسياسية التي تكابد وتعاني اليوم في صمت ،  منها التي انهكها المرض وحدّ من نشاطها  كحالة صاحبنا لمعكشاوي والأستاذ احمد الدغرني والحسين اعزي وغيرهم… ومنها ما جرفته طاحونة التغييب والإقصاء والإهمال في انتظار دهس آلة القتل البطيء ..

 محمد الزياني

في الحسيمة بتاريخ : 30/08/2019

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)                       حاولنا في هذه اللائحة ذكر جل هذه الأسماء التي ارتبطت بشكل مباشر وغير مباشربتلك الصحوة المسرحية المتميزة  وقتذاك بالرغم مما قد يشوبها من تداخل أجيالها وتباين أدوارها ووظائفها فيما بين الاعضاء الفعليين لفرقة الانبعاث المسرحي من جهة و المشرفين و المتعاطفين من جهة أخرى.

(2)    أحمد المفتوحي بوقراب : رحلات البحث عن جذور الضباب ، من الحسيمة كانت البداية الجزء 1 ص 90 .

(3)   نفسه ص 43

 (* )  دعما لكل ما حكاه لي الأستاذ لمعكشاوي نفسه عن إسهاماته الأولى  في مجال التنشيط الثقافي بالحسيمة ، فقد استأنست  ـ في مقدمة هذا النص ـ  بكل ما أورده الأخ والزميل : فؤاد الغلبزوري ضمن بحثه القيم ” حفريات في ذاكرة المسرح بالحسيمة ” المنشور على صفحات جريدة ” ثفراز نريف ” في اعدادها 37/38/39/40.

التعاليق (0)
أضف تعليق