إنه مجد أنوال الخالد، رغم أنوفهم.

في مثل هذا اليوم سطّر محمد بن عبد الكريم الخطابي بمعية رجال المقاومة في منطقة الريف أعظم ملاحم القرن العشرين، بضعة رجال مسلحين بإيمانهم العميق بضرورة الدفاع عن الوطن والكرامة الانسانية هبوا للدفاع عن اقتناعاتهم دونما أن يأبهوا لقوة العدو وتفوقه العددي و”العتادي” إذ من يحسم المعركة في مثل هذه المواقف ليس العدد ولا العتاد بقدر ما يحسمها الايمان المبدئي بالقضية التي تدافع عنها.

هذه الملحمة ألهمت شعوب العالم وكانت المنار الذي دلّها على طريق الكفاح المسلح من أجل نيل استقلالها، فتداعت العديد من الشعوب لاستخلاص الدروس من هذه التجربة والسير على منوالها… وبل لم يكن صدى المعركة يتوقف عند سبل مقاومة المستعمر فقط، بل تعدى صداها ليشمل الفكر والأدب والسياسة، يكفي أن نعرف أن أعظم حركة أدبية في القرن العشرين كان من أسباب تبلورها انتصار عبد الكريم الخطابي في معركة أنوال، وأعني هنا “السوريالية” إذ سيصدر الشاعر الفرنسي المعروف أندري بروتون بمعية عظماء الشعر الفرنسي من أمثال لويس أراغون وبول ايلوار وغيرهم البيان الشهير المعنون ب”الثورة أولاً ودائماً” وفيه يعلنون دعمهم لثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي ويعلون أن هذه الثورة فتحت أفاقاً جديدة لأجيال المستقبل.

هذه مكانة معركة أنوال التي قادها ابن عبد الكريم الخطابي، كان لها صيت عالمي اخترق عدة مجالات ولم يبق في حدود مقاومة المستعمر فقط، حظيت المعركة بتقدير عالمي وخصصت لها دراسات وندوات ومازالت، وحده بلد أنوال من ظلّ يتنكر لهذه المعركة، بل كانت في زمن ما طابو يحرم الحديث عنه، حُذفت من المقررات الدراسية، ولا متحف يحتفظ بأرشيف المعركة ولا يحزنون…هؤلاء يتمنون صباح مساء لو بإمكانهم محو هذا التاريخ من ذاكرتنا الجماعية، لأن المعركة تفضحهم وتفضح جبنهم لذلك يكرهون تاريخها الى حدّ التواطؤ.

وهل من تواطؤ أكثر من هذا الخبر الذي نشرناه اليوم في موقعنا والذي يتحدث عن تعرض شباب للتدخل القمعي فقط لأنهم جاؤوا للاحتجاج على الطريقة المخزية التي يتم الاحتفال بهذه الذكرى العظيمة؟ في السنة الماضية قامت السلطات بنصب خيمة قرب الموقع الذي شهد المعركة للاحتفال بالذكرى على الطريقة المخزنية، آنذاك نظم مواطنون وقفة احتجاجية ضدّ هذا المسخ الذي يتعرض له تاريخ المنطقة، وفي هذه السنة تم تهريب الاحتفال الى إقليم الدرويش ورغم ذلك كانت لغة القمع بالمرصاد للشباب الذي خرجوا بشكل سلمي في وقفة احتجاجية احتفاءً بالذكرى وتنديداً بتوجه السلطات الى “فلكرة” أعظم حدث تاريخي سجله أبطال أنوال، مما جعل الوقفة لم تعرف نهايتها نتيجة تدخل القوات العمومية لفضها بالعنف.

قبل يومين كان عبد العزيز افتاتي برلماني حزب العدالة والتنمية ضيفاً على المكتب المحلي لحزبه الذي تأسس مؤخراً في مدينة أيت بوعياش بمنطقة الريف لتنشيط ندوة سياسية، ومما قاله أفتاتي في محاولة دغدغة عواطف الساكنة؛ افتتح الندوة بالحديث عن منطقة الريف ومسارها التاريخي الحافل بالمقاومة والكفاح، وتأسف لـ” عدم تدوين تاريخ هذه المنطقة في المُقررات الدراسية الرَسمية” وأرجع ذلك إلى ” مواقف الزعيم مُحمد بن عبد الكريم الخطابي مِن الدستور المَنقوص” يقول افتاتي في ذات الندوة، جميل ما قاله أفتاتي أكيد أنه أطرب بعضاً من الحضور، لكنه كلام معسول يراد منه فقط استمالة الاصوات الانتخابية وإلا لو كانت النية صادقة لكان على أفتاتي دون أن يكلف نفسه عناء التذمر من سياسة الدولة تجاه المنطقة، في نظري كان عليه فقط أن يطلب من زميله وزير العدل السيد مصطفى الرميد أن يفعل لجنة التقصي في حقيقة حرق خمسة شهداء من أبناء مدينة الحسيمة يوم 20 فبراير، وكيف تم طمس القضية بتواطؤ الجميع، وللتذكير فقط فقد كان لفريق حزب العدالة والتنمية أنذاك أن تقدم بطلب لتكوين لجنة برلمانية للتحقيق في حادث حرق هؤلاء الشهداء، لكن بمجرد تولي الرميد زمام وزارة العدل تم إقبار الملف والتستر على أكبر جريمة يرتكبها هذا النظام خلال العشرية الاخيرة. إذن رجاءً السي افتاتي اطلب من زميلك أن يحرك هذا الملف وستقدم أكبر خدمة للحقيقة أما تاريخ محمد بن عبد الكريم الخطابي فدعك منه فهو عاجلاً أم آجلا سيعاد كتابته بأحرف من ذهب، وابحث عن شيء اخر تستميل به أصواتكم الانتخابية.

أكيد سيأتي يوم سيترجل فيه تاريخ أنوال من كهوف النسيان والتناسي ليحجز مكانه الطبيعي الذي يستحقه، فكل محاولات التضليل والمحو والمسح والاسترزاق…ستذهب سدى ويحيا مجد أنوال الخالد.

التعاليق (0)
أضف تعليق