إطلاق سراح علي أنوزلا ونتائج اعتقاله

لا نملك سوى تهنئة علي أنوزلا على سراحه المؤقت، لكن لابد أن نثير قضية اعتقاله، ونتساءل لماذا اعتقل؟ ولماذا أصبح يتمتع بالسراح المؤقت؟ وماهو المهم من كل ماوقع حوله؟ وماذا سيقع مستقبلا…؟

المشكل الكبير يتعلق بكون السراح المؤقت أعلن من طرف وسائل الإعلام قبل وقوعه، مما تجاوز سلطة القاضي شنتوف والنيابة العامة، ولم يكن إطلاق سراحه مفاجئا لأحد مثل مفاجأة وصدمة اعتقاله، وإعلان القرار قبل صدوره يدل أن إطلاق السراح يعتبر تراجعا عن خطأ الاعتقال الذي يشبه التراجع عن خطأ العفو عن دانيال كالفان، وتهريبه إلى إسبانيا، ثم المطالبة من طرف نفس الذين أطلقوا سراحه وسهلوا تهريبه بإرجاعه وعودته إلى السجن…

والتراجع عن الخطأ يعتبر من الإصلاح وتنقية الأجواء والعودة إلى الصواب، وحبذا لو تراجعت السلطات المخزنية عن أخطائها كلها من منع الأحزاب والمنظمات والجمعيات وقمع الحريات والحرمان من الحقوق.. كما فعلت في قضيتي “علي أنوزلا” و”دانيال كالفان” ليعرف الشعب أن الأخطاء تقع، ولكن يمكن الإصلاح، ولكي نزيد من الوضوح نتساءل هل إطلاق سراح أنوزلا قرار قضائي أم سياسي أم أمني؟

بالنسبة لحرية “علي أنوزلا” لايهم نوع القرار، ولا وسيلة الحصول عليه، لأن أهم شئ عند الإنسان كفرد هو حريته، وهو بوضوح قرار تحريره من السجن ليتمتع بحياته كإنسان، وبالنسبة للقضاء رغم كل شئ فقد ربح عدم التورط في استمرار الاعتقال، ووضع الحجرة في فم المتسرعين ممن ظنوا أنهم يتقربون الى القصر على حساب “علي أنوزلا”، وبالنسبة للمحامي السملالي أنه مارس مهنته ووصلت مسطرته الى نتائج ايجابية …

ولكن بالنسبة لمجموع المواطنين لابد أن يفتحوا أعينهم، ويفتحوا دراسة عن الربح والخسارة من ارتكاب خطأ الاعتقال وغيره..وأن يحذروا من الذين يتاجرون بالاعتقال السياسي وهم كثيرون في المغرب، وأن يحذروا من تبدل المعارضين المزعومين وشرائهم بأبخس الأثمان…

لم يكن الخطأ في اعتقال أنوزلا واحدا فقط، بل انضاف إليه خطأ ثان يعتبر أخطر من الأول، وهو أن إطلاق السراح سبقته أشياء ووقائع هامة، منها ماجرى حول وضعية المحامين الذين ينوون الارتباط بالملف عن طريق التطوع، من هو مقبول منهم ومن هو مرفوض من طرف الجهات التي هيأت مسرحية الاعتقال وإطلاق السراح؟ ولماذا تم عزل البعض منهم؟ وكانت الخطة السياسية وليست القضائية تهدف حسب الافتراض الى تقليص عدد المحامين المطلعين على ملابسات الملف لكي لا تتسرب التفاصيل إلى العموم، تماما مثل اختصار الخطأ المتعلق بالعفو عن دانيال في شخص حفيظ بنهاشم، وحصر ملف أنوزلا بيد المحامي السملالي لكي لا تنتشر النار في التبن.. بعد أن شرعت هيئة دفاعه تتوسع، وبدأ الدفاع عنه ينفلت من يد المحامين المهنيين ليصبح الجمهور والرأي العام العالمي أقوى نوع من الدفاع.. ومع كل ذلك فإن عزل بعض المحامين عن الملف يرتبط بموضوع أهم من المحاماة وهو الجمع بين تأييد النظام السوري الذي يوجد في حرب معلنة مع القاعدة ومجمل الإسلام الثوري ودول الخليج، والمرافعة في ملف يرتكز موضوعه الحقيقي على شريط منسوب الى القاعدة يتناول مباشرة شخص الملك..ويحتوي على ملخص كتب ومؤلفات طبعت بفرنسا من طرف معارضين لا صلة لهم بالقاعدة، وممنوعة في المغرب موجهة خاصة ضد الملك..

ومن الخسارة إغلاق موقع “جريدة لكم” ومحوه من الوجود، مهما كان مصدر الإغلاق وأسبابه، وهو ما جعل الشعب والصحافة والقراء والكتاب يفقدون منبرا إعلاميا، يفيد أن ثمن سراح أنوزلا باهض بالنسبة لسوق الصحافة، وهو إغلاق المؤسسة الإعلامية، وهي خسارة بالنسبة للمستفيدين من المنبر الإعلامي الذي اشتهر واكتسب مئات آلاف القراء، وعددا مهما من الكتاب والمعلقين الذين جمدت أقلامهم، والمستفيدين اقتصاديا من الدعاية التجارية التي يبثها، والتغطيات الصحفية التي يضمنها لكثير من الأحداث التي يهملها الأعداء، ويفرضون عليها التعتيم، وتخزين المعلومات الذي كان يضمنه للكثير من المقالات والصور لمدة طويلة.

ويعتبر أرشيفا اليكترونيا وطنيا تمت إبادته وإغلاقه، واذا أبيد فعلا كوثائق فهو لايبعد عن ما صنعه الذين قاموا بإبادة أرشيف مكتبة تومبوكتو بأزاواض ومخطوطاتها، وهدم أضرحة الأولياء الصالحين بها، ويسميهم الذين اعتقلوا أنوزلا إرهابيين، وينسبون إليهم شريط الفيديو الذي اعتقل بسببه ظاهريا كماهو معروف.. بالإضافة الى توقف الأجور والوظائف التي يوفرها للمستخدمين لديه..

فموقع لكم إذن كان كنزا كبيرا من المعلومات يستحق أن ينظم عنه رثاء وبكاء ونحيب واحتجاج..لأنه كان يتطلب الرجوع الى فتحه، ونقل أرشيفه الى المكتبة الوطنية وحفظه من التلف حتى لو فعلوا بأنوزلا أكثر من الاعتقال..وحتى لو حاربوا الإرهاب كما يزعمون

وتضخم الخطأ بتوقف علي أنوزلا شخصيا عن الكتابة منذ يوم اعتقاله حتى اليوم، ففقد الشعب والقراء كاتبا مداوما للكتابة منذ زمن طويل، وصحافيا مهنيا يتجاوب مع الأحداث، ولا يغيب عنهم ليلا ونهارا، ومستثمرا في مقاولات الإعلام الورقية والالكترونية، وأصبح الضرر فادحا، فقدان موقع لكم، وفقدان مقالات علي أنوزلا ، ومقالات هيئة تحريره ..وليس هناك من يستطيع أن يعوض هذا الفراغ المقيت والخسارة المخيفة، والمنذرة بفقدان مزيد من المنابر الإعلامية والكتاب…

لاشك أن إعلان إطلاق السراح وتسريبه للصحافة قبل حدوثه، وترويج أسماء أفراد من المحتالين النافذين نسبت إليهم الوساطة والتدخل لإطلاق سراحه يمس بالسير العادي لملفات يفترض أنها قضائية، ويثير الشك والخوف من بطش المتدخلين وسماسرة السياسة بالنسبة لعموم الناس، وهو موضوع معروض على كل الذين يهمهم أمر استقلال القضاء وحرمته، مثل نقابات المحامين، وعليهم أن يتحملوا مسؤوليتهم وخاصة الجمعيات التي تمثل القضاة وهي متعددة، مثل الودادية الحسنية للقضاة، والجمعية المغربية للقضاة، والجمعية المغربية للمرأة القاضية ونادي قضاة المغرب، والمنتدى المغربي للقضاة الباحثين..فأين كل هؤلاء من كل ما نشر عن الملف القضائي؟

يعني السراح المؤقت أن خطر السجن لازال قائما، والذين ارتكبوا خطأ الاعتقال وترويج الإشاعات المغرضة، وأصدروا البيانات الحزبية الحاقدة المتسرعة، وأدانوا الصحافي قبل محاكمته يتابعون الموضوع ويستثمرون نتائجه.. ويجترون الآن الهزيمة التي أصابتهم.

وهناك تساؤلات لاتزال تحيط بالملف، مثل تغييب الحديث عن مضمون شريط الفيديو في حد ذاته، وهو الموضوع المهم بالنسبة للذين أصدروا الشريط ووزعوه على وسائل الإعلام ،وماذا سيقع بعد نشره قريبا أو أوبعيدا وما هي الأهداف التي حققوها من وراء نشره؟

والسلطات المخزنية تراجعت سياسيا وواقعيا عن متابعة كل الذين نشروا الشريط عبر العالم، ولا يمكنها منطقيا أن تتابع شخصا واحدا قد يفهم أنه مواطن متواضع ومن عامة الشعب ومحايد عن المافيات والعائلات الحاكمة، وقع الاستفراد به على طريقة الذئاب..في شأن شريط لازالت بعض وسائل الإعلام الخارجية تصر على نشره، وكان تنازل المخزن عن متابعة صحيفة الباييس EL PAIS الاسبانية والصحافي صمبريروSOMBRERO، وبوبكر الجامعي وغير هؤلاء من الصحف العالمية دليلا على إدراكها لسوء عواقب المتابعة التي تفوق عواقب الصبر والثبات أمام محتوياته وأضراره إذا نوقش علانية في جلسات المحاكم، وأيضا لتهدئة الحرب وتوتر العلاقات مع القاعدة في الغرب الإسلامي المخيفة..

و فشلت خطة التشدد مع الصحافة التي أبداها المخزن عند نشر الشريط ، لأنه كان يتوقع أن تتبنى القاعدة في الغرب الإسلامي علانية ذلك الشريط وتعطيه فرصة تبرير المتابعات وتعبئة الأحزاب المخزنية، ومصادرة الصحافة الحرة، والاستفادة من دعم محاربة الإرهاب على المستوى الدولي، لكن الذين نسب إليهم الشريط فهموا الخطة، وأفرغوها من مبرراتها والتزموا الصمت، وحولوها الى خسارة للنظام تجلت في حملة التضامن الداخلية والعالمية لصالح علي أنوزلا، وأضافتها الى ملفات المنع والقمع ومصادرة الحريات التي لا تزال تتكاثر إلى يوم الجزاء..

ويبقى أن القاعدة في الغرب الإسلامي وهي العنصر الرئيسي في الملف إذا افترضنا كما يزعم الكثيرون أنها صاحبة الشريط لم يسبق لها أن هاجمت بالاسم ملك المغرب كما يحمله هذا الشريط، ولماذا قد تكون فعلت ذلك الآن وليس من قبل؟ وماه و هدفها المرحلي؟

ويعتبر علي أنوزلا بالنسبة للموضوع ككل مجرد قطرة في بحر، في موضوع يعني داخل المغرب طرفين القاعدة والمخزن. ويعني خارجيا فرنسا في مالي ودول افريقية تشن فيها الحرب، مثل سوريا ونيجيريا.. وكان الوضع القار منذ تأسيس القاعدة من طرف بن لادن هوعدم الهجوم بشكل مكشوف على شخص الملك المغربي عكس ما تفعله في السعودية مثلا وبعض دول الخليج والجزائر..لأسباب مصلحية.

لكن ماذا سيكون الوضع لو قررت القاعدة في الغرب الإسلامي أن تدافع بشكل ما عن ضحيتها المفترضة علي أنوزلا؟ لكي لا تتخاذل مع من تستفيد من خدماته ولو عن غير قصده، ومن غير المقبول أن لا تدافع عنه بأساليبها المختلفة، وعكس ذلك يمكن اعتباره نوعا من الاستفزاز المخابراتي المقصود … ،قصد تسوية بعض الأوراق السياسية والعلاقات مع المخزن وفرنسا بتسريب الشريط الى وسيلة إعلام معينة دون غيرها، ينشر أثناء غياب المدير المسئول عن الجريدة واعتقاله لبعض الوقت، ثم إطلاق سراحه….والشريط بقي حتى الآن مجهول المؤلف والمخرج، ولكن معروف أنه جاء في وسائل إعلام حولته الى موقع لكم..ووقع فضح الكثير من أسرار موقع لكم التي لم يكن يعرفها المغاربة بواسطة تصريحات بوبكر الجامعي بعد اعتقال علي أنوزلا ،مثل تمويل الموقع بأموال أجنبية لاتعرف مبالغها،وبوجود الجهة التي تملكه بفرنسا،مما يشكل إحراجا قويا لمصالح الجمارك ومراقبة النيابة العامة ودورها في تطبيق قانون الصحافة..والكل ساكت لايتكلم حتى الآن…

ربما لكون الأمر يتعلق بفرنسا التي يقيم بها مالك المؤسسة الإعلاميةLAKOMلكم الذي لم تعلن جنسيته من طرف بوبكر الجامعي ولا غيره، ولايستطيع أحد أن يتحدى فرنسا في المغرب..وهي موجودة في حرب معلنة وشرسة في ازواض،وأنزلت عساكرها إلى الميدان مما يهدد السلطة المخزنية بالاستغناء عنها في مادة محاربة الإرهاب المدرة للأرباح . والترقيات العسكرية والأمنية وشراء الأسلحة…وتكليفها بمهمة الأمن الديني في ازاواض لتنفق على خمسمائة من الأئمة المخزنيين لمحاربة أئمة القاعدة في الغرب الإسلامي

لم تعرف كليا أسباب اعتقال علي أنوزلا والأمور التي قد تكون جرت في الخفاء من أجل افتدائه من السجن ، وتدبير اعتقاله ،وحتى دون علمه أوبعلمه أوعلى حسابه ….ولكن يمكن مقاربة الدراسة الموضوعية عن طريق دراسة تطورات علاقات المخزن مع التنظيمات الثورية الإسلامية الكثيرة التي تخضع لنوع من التسويات السياسية تتردد بين التشدد والتساهل حسب المصالح والظرفيات ،مثل إنفاق أموال الأوقاف عليهم ،والتضييق على حريات اللائكيين والمطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام التي هي جوهر في الجهاد، وتضييق حرية الصحافة،والحريات الجسدية، وإطلاق سراح أفواج المتهمين المغاربة وبعض الأجانب المسجونين بتهم الإرهاب منذ16ماي2003،وما يسمى بالأمن الديني والمجالس العلمية في النظام السياسي المخزني ،ومحاربة المسيحية التي بدأت تتصاعد في المغرب منذ سنة 2010،والمذاهب غير السلفية كالشيعة والاباضية..وتقليص دور اليهود في مناصب الوزارات المخزنية، حيث كان قارا منذ سنة 1955أن لاتشكل حكومة مغربية بدون مقاعد الطائفة اليهودية فيها..وتقتصر الآن على وجود أندري أزولاي بين مستشاري الملك يظهر فقط في المناسبات الثقافية لفائدة المزيد من هدنة المخزن مع القوميين العرب والإسلاميين، لتأخذ الطائفة اليهودية المغربية مجرد شبيه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ولينحصر التعدد غير الديني قسرا في الجانب الثقافي وخنقه في الجانب السياسي…

وختاما فان تجربة لعبة السياسة بين تنظيم القاعدة والأنظمة التي تحكم باسم الإسلام حسب تأويلها مثل دولة قطر ودول الخليج عامة وعلاقات بعض تنظيمات الإسلام الثوري بالمغرب مع السلطات المخزنية لها جوانب معلنة مثل المفاوضات التي تجري في دولة قطر مع حركة طالبان، ودور الخليجيين عموما في السياسة والاقتصاد المغربي، وعزل بعض الأمنيين المغاربة الذين اشتهروا بالصرامة ضد ما يسمى الإرهاب عن مهامهم، وضرورة تواطؤ المخزن مع دول الخليج في حرب القاعدة بسوريا ودولة مالي، مثل غسل يس المنصوري للكعبة، وإرسال الشرقي الضريس لرئاسة وفد الحجاج هذه السنة يمكن أن يقارب نوعا ما بعض الأمور المعقدة التي ستفهم فيما بعد.

التعاليق (0)
أضف تعليق