أن تكون صحفيا في المغرب !!

تكرس مهنة الصحافة البعد النقدي الذي كفله المجتمع بين أفراده، غرضه التقويم وإصلاح الإعوجاج، لذلك لا بد له أن يقوم على أسس ثابتة لا خلاف عليها تضمن نجاحه فيما خصص لأجله، ونحن هنا سنعرج على بلدنا المغرب لنرصد عمل الصحافي.
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه تنهج أسلوب السرعة في جمع الأخبار لتقديمها يوم غد للقراء طرية ، حصرية وجدية، وهذا ما يضفي تعبا على العاملين بالمقاولة الصحفية خوفا من فقدان مناصبهم، على أساس أن مهنة الصحافة هي “مهنة من لا مهنة له” لوجود المنافسة، كما أضحت هذه المهنة أشبه بالمهمة شبه المستحيلة، بالنظر للصعوبات التي يجدها الصحفي في أدائه لعمله، وذلك بداية من الوصول إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومة، وانتهاء بالحفاظ على هذه مصادر.
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه أن تجد نفسك أمام المحاكم في قضايا صحفية بمجرد أن تفضح الفساد ورموزه، أو بمجرد أن تتجاوز الخطوط الحمراء، وبذلك ستجد ألف مبرر أمني لاعتقالك، كما سيجدون ألف ملف تافه يدخلك السجن. بل الأكثر من ذلك، يتم محاكمتك بالقانون الجنائي وخاصة الفصول المتعلقة بقانون الإرهاب 03-03 ، والقانون الجنائي العرفي، وذلك نتيجة عدم ضبط مبدأ الأمن القانوني في قانون الصحافة والنشر، لذلك لا نجد عجبا إذا ما رصد التقرير الأخير للنقابة الوطنية للصحافة المغربية حوالي 12 حالة للتضييق على الصحفيين أثناء مزاولة مهنتهم، وهذا ما يمكن أن يؤثر بشكل سلبي على مصداقية واستقلالية وسائل الإعلام…. ولتجاوز هذا الوضع، نقترح تكوين الصحافيين في ما يتعلق بالمعجم القانوني، وتكوين القضاة في مجال التواصل، وإحداث منصب المكلف بالعلاقة مع وسائل الإعلام، فضلا عن تفعيل القضاء المتخصص في قضايا النشر ، وتشريع منظومة قوانين متقدمة ومتطورة في قضايا الصحافة والإعلام.
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه عدم احترام مبدأ التخصص في الكتابات الصحفية، الشيء الذي يجعل القارئ غير متقبل لآراء أو مبادئ من لدن صحفيين غير متخصصين في الموضوع المتحدث عنه، وخاصة ذلك الذين يدلون بدلوهم في كل زمان ومكان، كيف لا وهم المتخصصون في أي شيء (الثقافة والفن، السياسة، الرياضة،السوسيولوجيا، الدين، الإقتصاد…إلخ)، كما يمكن تشبيههم بعلماء الدولة العباسية أيضا… وبناء عليه، لا يمكن للقارئ أن يقبل رأيا سياسيا أو دينيا لصحافي ظل عشرات السنين مثلا يدون في المجال الإقتصادي وتحليلاته، فكيف يعقل أن يقبل بطرحه السياسي أو الديني؟
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه عدم احترام الأخلاقيات التي تتطلبها الممارسة المهنية ( كالتمييز العنصري ،أوعدم احترام قرينة البراءة ، الكشف عن مصادر الخبر، ثم غياب احترام الحياة الخاصة للأفراد…)، وهو واقع يؤشر على ضعف الجانب المهني في مثل هذه الجرائد المكتوبة عامة، والجرائد الإلكترونية خاصة.
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه أن تكون معرضا للإصابة بمختلف الأمراض المزمنة من قلق وارتفاع ضغط الدم والسكري ، بل ومعرض حتى لأن تصاب بالجنون ، وذلك إذ أردت تناول المواضيع والأحداث بحيادية وأن تكون رسالتك إنسانية وأهدافك وغاياتك نبيلة ، وحتى تكون المواضيع التي تتضمنها مقالاتك أو تحتويها كتاباتك ذات أهمية بالغة وفيها معلومات دقيقة وصادقة وجديدة ، والغريب في الأمر هو أن الإصابة بتلك الأمراض تكون دليلا على احترافيتك ومصداقيتك وحملك لهموم الصحفي في داخلك، خلافا لأشباه الصحفيين الذين يتطفلون على هذه المهنة النبيلة،ويحولونها إلى مهنة للمكاسب.
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه أن احتمالات الحياة ربما قد تبدو محدودة للغاية، لأن أغلب – إن لم نقل معظم كتاب المواقع أو الجرائد – لا يتقاضون أجرا قارا أو تعويضا عن كتاباتهم، إذ يكتبون بالمجان ولا يتوفرون على البطاقة المهنية للصحافة ، كما ينقصهم التكوين الصحفي، وهكذا لا يمكن ﺃﻥ ﻴﻜﻭﻥ ﺍﻟﺼﺤﺎﻓﻲ ﺤﺭﺍ ﻓﻌﻼ ﺇﺫﺍ ﻜﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻷﺼل ﻤﻜﺒﻼ ﺒﻅﺭﻭﻑ ﻤﻌﻴﺸﻴﺔ ﻗﺎﺴﻴﺔ، ﻭﻋﺎﺩﺍﺕ ﻭﺃﻋﺭﺍﻑ ﺍﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ متخلفة ، ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﻜﺎﻨﺕ ﺃﻤﻴﺔ ﺃﻓﺭﺍﺩ ﻤﺠﺘﻤﻌﻪ ﺘﻤﻨﻊ ﻭﺼﻭل ﺭﺴﺎﻟﺘﻪ ﺇﻟﻴﻬﻡ ﻤﻥ ﺍﻷﺴﺎﺱ ﺃﻭ ﻓﻘﺭﻫﻡ ﻴﺤﺩ ﻤﻥ ﺍﻨﺘﺸﺎﺭﻫﺎ. لذلك نتمنى الرفع من الحد الأدنى للأجور، والتنصيص على تحفيزات إضافية تقوي من حياد الصحفي وتجنبه الوقوع في المتاهات غير المهنية ، ثم إنشاء مؤسسة اجتماعية لرجال ونساء الإعلام والإتصال، فضلا عن ضمان السكن والصحة ، كما نتمنى الدفع في اتجاه إنشاء صندوق للتقاعد خاص بالصحافيين ، لأن هناك من الصحافيين من انتهى به المآل دون تقاعد ويعاني من الفقر بعد شيخوخته.
أن تكون صحفيا في المغرب، معناه أن تكون غير مستقل بسبب استفحال الريع في توزيع الإعلانات على معظم المنابر الإعلامية، بحيث ﺘﻌﻁﻲ ﺒﺴﺨﺎﺀ ﺒﺤﺴﺏ ﺍﻟﻭﻻﺀ ﻟﻠﺴﻠﻁﺔ ﻭﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟخادمة للزبونية ﻭﺘﻤﻨﻊ ﻋﻤﻥ ﺘﺸﺎﺀ ، خاصة وأن عائدات الإشهار التجاري تعد مصدرا أساسيا لتغطية حاجياتها، وللحفاظ على استمراريتها وتوازناتها المالية ، وذلك في ظل غياب أي قانون ينظم هذا القطاع.
وفي مقابل هذه الزمرة اللاذعة من الإنتقادات– التي أراها بناءة – لا يمكنني النفي بوجود العديد من الصحفيين الأكفاء والخارجين عن دائرة هذه التصنيفات المخلة بمهنة الصحافة.

*طالب باحث بماستر القانون ووسائل الإعلام

التعاليق (0)
أضف تعليق